شكلت تونس مصدر إلهام للتغيير منذ عام 2011 (Fethi Belaid/AFP)

ينذر تسارع الأحداث في تونس ببلوغ الوضع مرحلة القلق، بعدما اختار رئيس الدولة التخلي عن المسار الديمقراطي في منتصف مخاضه الذي تعيشه البلاد منذ ثورتها ذات 2011، مجمداً اختصاصات البرلمان ومعفياً كلاً من رئيس الحكومة ووزيرَي العدل والدفاع من مهامهم، على أن يتولى هو بنفسه السلطة التنفيذية، مقابل احتجاجات واسعة تقسم الشارع التونسي بين مؤيد لإجراءات الرئيس، ومعارض لها.

قلق بالضرورة يصيب جوار تونس المغاربي، بما أن البلد احتل دوراً مركزياً قبل عشر سنوات في انتشار العدوى الثورية بين ثنايا هذا الجوار، ولما يعرفه هذا الجوار أساساً من قلاقل متعددة وتحديات أمنية لكل حكومة منه وسيلتها في حلها. كما اعتماد هذه الحكومات على استتباب الأمن فيها كرافعة اقتصادية لكسب رهاناتها التنموية.

ردود فعل متباينة

لحد الآن لم تفصح الخارجيات المغاربية بقراءة واضحة إزاء الأوضاع المتسارعة في تونس، محافظة على أعلى مستويات الترقب لما ستفصح عنه الأمور في القادم من أيام. فيما هذا لا ينفي وجود اتصالات ومباحثات مع مختلف الأطراف هناك، كما اصطفافات في المواقف إزاء الأمر. على رأس هذه المباحثات تلك التي أجراها الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون.

وبحسب بيان رئاسة الجمهورية الجزائرية فإن "رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون، تلقى مكالمة هاتفية من أخيه السيد قيس سعيد رئيس الجمهورية التونسية"، مكالمة "تبادلا فيها مستجدات الأوضاع في الشقيقة تونس، كما تطرق الرئيسان إلى آفاق العلاقات الجزائرية التونسية وسبل تعزيزها". هذا ولم يكشف البيان أي معطيات أخرى حول ما تضمنته مباحثات الرئيسين، بالمقابل أفادت مصادر صحافية جزائرية لـTRT عربي بأن "المحادثة تضمنت دعوة جزائرية إلى الجانب التونسي للعودة إلى المسار الديمقراطي". فيما لم تكشف الحكومة المغربية عن قيامها بأي خطوة مماثلة، ولم تعبر عن موقفها حول ما يقع الآن في تونس.

بالمقابل، وفي مجمل ردود الفعل المغاربية على ما يقع، عبرت التيارات الإسلامية عن مساندتها لحركة النهضة التونسية لما "تعرضت له من انقلاب على شرعيتها الديمقراطية"، داعية إلى عودة البلاد إلى المسار الديمقراطي، والأمر هنا يتعلق بكل من "حركة مجتمع السلم" الجزائرية و "جماعة العدل والإحسان" المغربية المحظورة.

قلق متصاعد وسيناريوهات متعددة

"من الطبيعي أن تقلق الجزائر لما يحدث في تونس، لأن أمن الجزائر من أمن جارتها الشرقية" يقول مولود صياد، الصحفي الجزائري، في حديث له لـTRT عربي. الجزائر التي لها خبرة تاريخية لما قد تؤول إليه الأمور، كونها عاشت سيناريو مشابهاً بداية التسعينيات، يضيف في هذا الصدد ذات المتحدِّث بأن "التعاون الجزائري التونسي بالأساس يهم مسألة تأمين الشريط الحدودي بينهما، ومكافحة الجريمة المنظمة والإرهاب"، وبالتالي إضعاف تونس يعني أن الجبهة الشرقية للجزائر مكشوفة.

ويسترسل صياد في حديثه، بأن المكالمة التي أجراها الرئيس تبون البارحة مع نظيره التونسي قيس سعيد، أحاطت بكل هذه الحيثيات وتضمنت دعوات إلى تهدئة الأوضاع، "هكذا نلاحظ تغيراً نحو التهدئة في تعامل سعيد مع الوضع بعد المكالمة، فرأيناه على سبيل المثال يبعث خطابات مطمئنة ويلتقي برؤساء المنظمات السياسية والنقابية". وفي هذا السياق هناك كذلك حديث عن زيارة لوزير الخارجية الجزائري رمطان لعمامرة إلى تونس، "تدخل هي الأخرى في سياق حرص الجزائر على الأمن الداخلي لتونس، والتنسيق الأمني مع الأطراف التونسية لتأمين الحدود الشرقية" حسب ما أورد المتحدث.

بالمقابل لا أحد من الفرقاء المغاربيين يرغب في تكرار السيناريو الليبي في تونس، بما فيه من ضرر عام لكامل المنطقة وجعلها عرضة للتدخلات الأجنبية. هذه التدخلات التي سبق أن أشار لها راشد الغنوشي، الأمين العام لحركة النهضة التونسية، في حديثه لقناة TRT عربي، متهماً دولة الإمارات بالدفع نحو الانقلاب واستهداف مقرات حزب النهضة في كامل تراب الجمهورية، قائلاً: إن "وسائل إعلام إماراتية تقف وراء الدفع نحو الانقلاب واستهداف مقرات حركة النهضة".

الإمارات التي رأينا كيف اصطفت إلى جانب مليشيات حفتر الانقلابية بليبيا، ساعية إلى إجهاض أي حل سياسي للمعضلة هناك، على رأسها الجهود المغربية ورعايتها مباحثات الصخيرات، ما أثار السنة الماضية قطيعة دبلوماسية بين الرباط وأبو ظبي دامت لأسابيع طويلة.

TRT عربي