مملكة الرعب السعودية علي تويتر   (The Intercept) (Getty Images)

لاح الرعب على عيني جيوف غولبورغ وهو يتابع مقطع فيديو متداولاً على صفحات التويتر، يهاجمه بأنه "العدو اللدود للمملكة السعودية" الذي يتركز "عمله على تشويه سمعتها ونشر تحليلات زائفة من أجلها تم حظر عدد من الحسابات الوطنية ومتعاطفيها". هو الذي يدير شركة "فورنسايز" بنيويورك، يشتغل بالكشف عن حملات تلاعب الحكومات بالرأي العام عبر تحليل بيانات منشورات وسائل التواصل الاجتماعي، وضعه نشاطه ذاك وجهاً لوجه مع شبكة منظمة تديرها المملكة العربية مهمتها ترهيب الصحفيين وترويعهم.

حساب التويتر خلف هذا المقطع كان تحت اسم "حسين الغاوي"، والذي لم يدخر جهداً في ربط مدير الشركة الأمريكية بكل من أسماهم "خصوم المملكة"، أبرزهم قطر وتركيا وإيران وحزب الله. فيما ارتبط الحساب ذاته بحملة تهديد وتشهير مشابهة، سبقت اغتيال الصحفي السعودي سنة 2018، والذي يرجح أن ولي العهد السعودي هو من أعطى الأوامر لتصفيته، بحسب ما يورد موقع "إنترسبت" الأمريكي في تحقيق له بعنوان "دولة تقتل لأتفه الأسباب: جحافل مناصري السعودية يرهبون المعارضين".

مشروع الجمرة

يقول جيوف غولبورغ: "إن مشاهدة ذلك الفيديو، بكل تلك الاتهامات التي يحملها تجاهي، يشعرني بأنني في خطر محدق، ويجعلني أخاف من أن أتم العمل الذي أقوم به، حتى وأنا أعيش في الولايات المتحدة الأمريكية". إحساس بالخطر يبرره التحقيق، مشيراً إلى أن حملة مماثلة للتي تعرض لها مدير الشركة الأمريكية، كان قد تعرض لها الصحفي جمال خاشقجي شهوراً قبل اغتياله داخل قنصلية بلده بإسطنبول. بل الحساب الذي نشر مقطع الفيديو المذكور كان أحد الحسابات التي قادت الحملة ضد الصحفي المغدور. يؤكد "إنترسبت".

يرد غولبورغ: "إن وصف أعمالي بأنها دفاع عن حزب الله هي اتهامات لا أساس لها، قادمة من دولة قتلت لأتفه من تلك الأسباب، ما جعلني أحس بانعدم الأمان لدرجة كنت أمشي وألتفت ورائي للتأكد أن لا أحد سيقتلني". فيما ليس صاحبنا وحده الذي تم التحرش به من أسراب الذباب الإلكتروني السعودي، بل نفس المقطع عين عدداً من النشطاء السعوديين كـ"خونة يعملون مع جهات أجنبية ضد مصالح المملكة".

كعدد آخر من الشخصيات الأمريكية واحدة منهم هي سارة ليا وايتسون، مديرة مركز أبحاث "الديمقراطية الآن من أجل العالم العربي" بواشنطن، والتي صرحت أنه "يجب علينا أن نتذكر دائماً بأن حرية التعبير في السعودية انسحقت تحت تعاظم سطوة محمد بن سلمان، بالتالي تلك التحرشات على تويتر لا يمكن لها أن تكون قادمة إلا بأوامر السلطات السعودية". خصوصاً أن تأسيس المعهد الذي تقوده وايتسون، يقول التحقيق، كان أساساً فكرة المرحوم جمال خاشقجي، وبالتالي فقد "تعرض المعهد لهجمات عدة، كفريق عمله لحملات تعرضت لشخصهم بالتهديد والتشهير" تورد رئيسته.

هذه الحملات المنظمة على منصتي تويتر ويوتيوب سميت باسم "الجمرة"، وهي سلسلة منشورات تحريضية وتهديد وتحرشات ضد أهداف تقلق النظام السعودي، تقوم بها شبكات مرتبطة بسلطاته. فيما حساب "حسين الغاوي" الذي ينشر مقاطع فيديوهاتها، صفحته بتوتر وصفحة يوتيوب بنحو 120 ألف مشترك، لا يوجد عنه إلا معلومات نادرة على الشبكة حيث يعرف نفسه بـ"الصحافي السعودي".

فيما غولبورغ الذي يقول أن "لا اهتمام حقيقي له بالسياسات الشرق أوسطية"، ظهر اسمه في أحد فيديوهات "الجمرة"، ما يعني أنه قد استفزت أعماله رجال السلطة في الرياض، يورد التحقيق. حيث سبق أن كشف فريق عمل الشركة الأمريكية عن بيانات تحليلية تثبت ضلوع الحكومة السعودية في حملة واسعة من التضليل الإعلامي على وسائل الاتصال الاجتماعي، استخدمت في روبوتات النشر وحسابات وهمية. هذا وتقوم الجمرة بمهاجمة الشخصيات التي تقلق حلفاء النظام السعودي، مثل محمد سلطان الشاب الأمريكي المصري الذي قضى سنتين في سجون السيسي، تعرض له الغاوي بمقاطع فيديو مماثلة لتلك التي هاجمت غولبورغ ووايتسون.

تواطؤ تويتر مع بن سلمان

هدف فيديوهات الجمرة أنها "تصبح ذريعة وتخلق الشكوك حول تلك الأشخاص لدى الرأي العام"، كل هذا كي يتسنى لهم في ما بعد "الاستفراد بهم وقتلهم دون أن يثير ذلك تعاطفاً أو ضجة" يقول سلطان، ويضيف: "هذا ما قاموا به مع جمال (خاشقجي)، شوهوا سمعته على قدر ما استطاعوا كي يدفعوا الناس إلى سوء فهم ما يقع، وبعدها حين قتله إلى اعتبار الأمر معقداً".

كل هذا يمر دون أن تتخذ منصة تويتر أي إجراء ناجع ضده، وهي التي أساساً اتهم عنصران من إدارتها بعملهما جواسيس للنظام السعودي، في قضية حققت فيها الشرطة الفيدرالية الأمريكية سنة 2020. غير حملات حذف من وقت إلى آخر لحسابات وهمية مرتبطة بالنظام السعودي وتستغل المنصة لعمليات التشويش لمصلحته. كما يؤكد التحقيق أن إجراءات المنصة تمس بشكل أضعف المحتوى غير الناطق بالإنجليزية، مقارنة بمثيله الإنجليزي، ما يسمح بتملصه من رقابة الإدارة.

فيما يستمر حساب الغاوي في نشر محتواه إلى حدود الآن، آخره هو مقطع يعود تاريخه إلى يونيو/حزيران الماضي، استهدف فيه مؤسسة كوينسي قائلاً بأن المشتغلين فيها من أصول إيرانية، متهماً دون أي أساس واحداً على الأقل منهم بالاشتغال من طهران، وهو إيلي كليفتون الذي صرح بأنه "لمن الصادم أن نشاهد شركات أمريكية، كتويتر وغوغل، تحتضن هذا المحتوى وتساعده على الانتشار". فيما حملت مديرة معهد "الديمقراطية الآن من أجل العالم العربي" المسؤولية لإدارة بايدن في "حماية الأمريكيين ووضع حد لما يتعرضون له من ترهيب وترويع" يقف حليفه السعودي وراءه.

TRT عربي