صورة المفكر المغربي محمد سبيلا (Others)

نقلت الساعات الأولى من صباح اليوم الخبر الذي نزل كالصاعقة على أوساط الفكر والأدب والثقافة المغربية والعربية، منبئة برحيل أحد أهرامها الكبار وهو المفكر المغربي محمد سبيلا.

غادر في صمت كما كان دائماً محباً له وتاركاً المجال لصخب كتاباته أن تتحدَّث عنه. هو الذي انشغل بسؤال النهضة العربية والتحرر الوطني وتحقيق الحداثة، نعود بفعل هذه المناسبة الأليمة إلى متنه كي يخبرنا من يكون محمد سبيلا؟

رحيلُ المفكر المغربي

لم تكن إلا الساعات الأولى من يوم الثلاثاء 20 يوليو/تموز أول أيام عيد الأضحى المبارك، حين أكدت أسرة سبيلا انتقال فقيدها المفكر المغربي محمد سبيلا إلى عفو ربه متأثراً بمضاعفات إصابته بفيروس كورونا. وهي التي كانت أعلنت قبلاً نقله إلى العناية المركزة إزاء ما ألم به من مرض، حسب ما أوردت وسائل إعلام مغربية.

مصاب ألمَّ بكل الجسد الفكري والأدبي والثقافي المغربي والعربي بوفاة الراحل الذي نعته وسائل إعلام مغربية بأنه كان من "النادرين الذين لا يركنون إلى الجاهز من الأفكار، ويهوون الشغب الفكري"، وهو "أحد أهم من جاد بهم الزمن على المغرب من مثقفين ومفكرين، اشتغلوا بنكران ذات طوال حياتهم على مشاريع فكرية رأوا فيها تقعيداً للمجتمع الذي يطمحون إليه".

ونشر اتحاد كتاب المغرب بهذه المناسبة الأليمة نعياً استحضر فيه مناقب الفقيد، قائلاً: "عرف مفكرنا الدكتور محمد سبيلا -رحمه الله- بحضوره الفكري والفلسفي والتنويري والعقلاني في المغرب والعالم العربي، وما تعكسه مؤلفاته ومصنفاته العديدة والمؤثرة والمضيئة لعديد القضايا الفكرية والفلسفية، فضلاً عن ترجماته الرصينة لمجموعة من الكتب والنصوص الفكرية والفلسفية والمفاهيمية المرجعية الأساسية".

مضيفًا أن "الفقيد من أبرز المفكرين والباحثين والفلاسفة وأحد رواد الحداثة الفكرية في المغرب والعالم العربي، ومن مجددي الدرس الفلسفي والفكري في الجامعة المغربية، وهو إلى جانب ذلك عُرف -رحمه الله- بإشرافه على تخريج أجيال جديدة من المفكرين والفلاسفة الجدد بالمغرب"، قبل أن يختتم نص النعي بتقديم العزاء لأسرة المفكر، والدعوة لروحه بالرحمة والمغفرة.

من يكون محمد سبيلا؟

أول ما يواجهه المستحضر لسيرة اسم فكري من عيار محمد سبيلا لضخامة منتجه وإسهامه، هو صعوبة حصرها في بضع سطور، قد ينتهي الحال بأن هذه السطور دفعت لتحمُّل ما لا تطيق، إلى إغفال شطر من هذه السيرة أو إهماله، وبالتالي إنقاص ذي الحق حقه.

ومع ذلك لو تأتت لنا فرصة التعريف بالراحل لقلنا إنه المولود بالدار البيضاء سنة 1942 وسط زخم الحرب العالمية وما عرفته المدينة من إنزال للحلفاء.

عاش بها وتتلمذ حتى نالت هي وهو أيضاً استقلالهما من نير المستعمر الفرنسي، كي تبقى طعنة هذا الاحتلال محفورة في ذاكرة محمد سبيلا ودافِعَه للتفكير والتنظير لنهضة وطنه والعالم العربي.

بعد الدار البيضاء توجَّه محمد سبيلا إلى العاصمة الرباط قاصداً طلب العلم بشعبة الفلسفة بجامعتها. وبعدها إلى باريس حيث حاز على إجازة في الفلسفة من جامعة السوربون، كي يعود إلى عاصمة بلاده بعد ذاك لإتمام ما بدأ بها، حائزاً منها دبلوم الدراسات العليا بالفلسفة سنة 1974 ودكتوراة الدولة في الفلسفة سنة 1992.

وخلال تلك السنوات اشتغل بالتدريس فكان أستاذاً جامعياً بجامعة الرباط، وترأس شعبة الفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس بكليَّة الآداب بفاس. كما شغل بين سنتَي 1994 و2006 مهمة رئيس جمعية الفلسفة بالمغرب، إضافة إلى عضويته بـ"اتحاد كتاب المغرب" منذ سنة 1967.

تراوحت كتبه ما بين البحث الفكري والفلسفي وكذا الترجمة ففاق منتجه عشرات الكتب، نعدد منها على سبيل المثال لا الحصر "مدارات الحداثة" و"الحداثة وما بعد الحداثة" و"الأصولية والحداثة" و"للسياسة بالسياسة" و"في الشرط الفلسفي المعاصر" و"في تحولات المجتمع المغربي"... وبذات الشكل ترجماته العديدة التي نذكر منها "التقنية-الحقيقة-الوجود" لمارتن هايدغر و"نظام الخطاب" لميشيل فوكو و"الفلسفة بين العلم والإيديولوجيا" للوي ألتوسير.

وشغل سؤال الحداثة، بما هو حسبه "السبيل إلى نهضة مغربية وعربية مأمولة"، المركز داخل فكر محمد سبيلا، مخلصاً له عقود حياته الخمس، إذ يرى أنه في العالم العربي "اقتبسنا فقط جزءاً من الحداثة وهو الحداثة السياسية، والحديث هنا عن الانتقال الديمقراطي، بينما الانتقال إلى ثقافة الحداثة يبدو عسيراً، لأن الزمن الثقافي أبطأ من الزمن التاريخي".

كما كان من الوافقين إلى جانب ما عرفه هذا الحيز الجغرافي والثقافي من ربيع ثوري، فاعتبر ما كانت تعيشه تلك الدول "مخاضات تخرج فيها من إطار التقليد المتزمت إلى آفاق إسلام حركي ديمقراطي أو ديمقراطية إسلامية".

هذه الأفكار هي التي دافع عنها سبيلا إلى آخر رمق كما دافع عن تعريب الفكر والعلوم الإنسانية باعتبارها أحد مرتكزات النهضة الحضارية التي نظَّر لها مع ضرورة الانفتاح على لغات العالم.

هذا ما قاله في آخر خروج إعلامي له، كان شهر أبريل/نيسان الماضي على القناة الثانية المغربية، قبل أن يغادرنا من دون أن يغادر صوته، قادماً مما خط قبل ذلك من إنتاجات على الورق.

TRT عربي