بفضل الهواتف الذكية والسيارات والأجهزة عالية التقنية، يشعر الناس الآن بأنهم يتمتعون بإمكانية الوصول إلى مجموعة متنوعة من الأشياء أفضل من أسلافهم من الأجيال الماضية.

للعيش في عالم التكنولوجيا المتطورة جانب سلبي يتمثل في إثناء الناس عن إنجاب أي أطفال أو إنجاب المزيد منهم.

بينما اعتاد الناس على وسائل الراحة والتسهيلات التي تصاحب التكنولوجيا، يتعين عليهم أيضاً التعامل مع الحجم المتزايد لفواتير الخدمات الخاصة بهم. وتؤثر هذه الديناميكية على تفكيرهم، وتجعل إنجاب الأطفال وتربيتهم التزاماً مكلفاً.

ونتيجة لذلك تعاني بلدان عديدة انخفاضاً كبيراً بعدد السكان رغم أنها تُعزِز برامج التنمية المستدامة وتسعى لتحقيق نمو اقتصادي لا نهاية له. ويتمثل العيب الأساسي في مثل هذه السياسات بأنَّ تنفيذ البرامج التنموية واستدامتها يصبح مهمة شبه مستحيلة إذا كانت الحكومات تعاني عدد سكان منخفضاً. فهم ببساطة لن يستطيعوا إدارة بلدانهم بكفاءة.

وعلاوة على معدلات السكان المتراجعة في جميع أنحاء العالم أدى الوباء العالمي بتكلفته البشرية الفادحة إلى تفاقم الأمور، ما أدى إلى مزيد من الانخفاض في مستويات السكان.

بينما يعاني جزء كبير من العالم الغربي إلى جانب الصين وروسيا انخفاض عدد السكان، فإنَّ أفقر جزء في العالم، إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، يتمتع بزيادات كبيرة في عدد السكان مع ارتفاع معدلات المواليد. ووفقاً لدراسات متعمقة سيصل عدد سكان المنطقة إلى أكثر من ثلاثة مليارات شخص بنهاية القرن.

عدد غير كافٍ لإدارة الدولة

إذا لم يكن لدى سكان البلد معدل خصوبة يبلغ 2.1 أو ما يُسمَى بمعدل الاستبدال، فهذا يعني أنه لا يمكن إحلال أطفال محل الوالدين في الدولة بمعدل مناسب. بلفظ آخر لا يمكن استبدال جيل شاب جديد نسبياً بالسكان المسنين.

ومن ثم، مثلما لن تستطيع الأسرة إطعام كبار السن بسبب عدم وجود عدد كافٍ من الشباب لإدارة أصغر وحدة في المجتمع، فإنَّ الأمة ذات معدلات المواليد الأقل سيؤول بها الأمر في النهاية إلى الفقر والاضطراب الاقتصادي.

ومن المثير للاهتمام أنَّ هذا لن يحدث للجزء الأقل نمواً في العالم، بل لبعض القوى العظمى مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والصين وروسيا والأسواق الناشئة مثل كوريا الجنوبية التي تسجل انخفاضاً بعدد السكان ينذر بمشكلات، لأنه يقل عن معدل الاستبدال. وهذا يعني أنَّ أزمة اقتصادية عالمية قد تدق الأبواب إذا لم يقتنع الناس بإنجاب المزيد من الأطفال.

وتوجد علامة أخرى مقلقة، تتمثل في أنَّ منحنى انخفاض عدد السكان منتشر في جميع أنحاء العالم. فوفقاً للأمم المتحدة، بحلول عام 2050 سيشهد أكثر من 150 دولة من أصل 195 مستويات خصوبة أقل من 2.1 (معدل الاستبدال).

وفي بعض البلدان مثل اليابان وإيطاليا وإسبانيا قد يصل انخفاض معدلات الخصوبة إلى مستوى يتلاشى معه نصف سكانها بحلول عام 2050، وذلك وفقاًلدراسة أُجرِيَت عام 2019ونُشِرَت بمجلة The Lancet الطبية.

وإذا استمرت الاتجاهات الحالية بتلك البلدان فسينخفض عدد سكان اليابان الحالي البالغ 126 مليوناً ​​إلى 53 مليوناً بحلول عام 2050، و​​عدد سكان إيطاليا من 60 مليوناً إلى أقل من 30 مليوناً، وفقاً لتوقعات الدراسة.

وصار لدى اليابان الآن وهي ثالث أكبر اقتصاد في العالم، أكبر عدد من السكان المسنين في العالم أعلى معدل للأشخاص فوق سن 100 عام. ووفقاً للتقديرات الرسمية للدولة سيشكل السكان المسنون باليابان أكثر من 35% من إجمالي المواطنين بحلول 2040.

المفارقة في حالة كوريا الجنوبية

سجَّلت الدولة الآسيوية الصاعدة نمواً اقتصادياً صحياً في السنوات الأخيرة. لكن مثل اليابان، يهدد الانخفاض الحاد في عدد السكان مكاسب تلك الدول من نواحٍ مختلفة.

وإذا دقَّق أي مراقب بمتوسط ​​العمر المتوقع المذهل للبلاد الذي يبلغ 82 عاماً (79 للرجال و85 للنساء)، فيمكن استنتاج أنَّ كوريا الجنوبية بحالة جيدة بلا شك في ما يتعلق بالمعايير الصحية وعدد من الاعتبارات الأخرى. فيما يبلغ متوسط ​​العمر المتوقع في العالم 72 عاماً، وفقاً لتقديرات الأمم المتحدة.

وبحلول نهاية القرن الحادي والعشرين، سيصل متوسط ​​العمر المتوقع في كوريا الجنوبية إلى مستويات أفضل، إذ سيقف عند 92 عاماً، وفقاً للأمم المتحدة وتقديرات أخرى. لكن وجود أفراد يعيشون لفترة أطول لا يعني في حد ذاته أنَّ مجتمعك في حالة جيدة.

ففي عام 2019 سجَّلت كوريا الجنوبية أدنى معدل خصوبة في العالم بمعدل 1.1. وإذا لم يتغير المعدل تغيراً ملموساً في العقود القادمة فسيجعل ذلك من كوريا الجنوبية الدولة الأسرع شيخوخة في العالم المتقدم. وبحلول نهاية القرن قد ينتهي الأمر بكوريا الجنوبية بالعودة إلى عدد سكان يبلغ 29 مليون نسمة، وهو المستوى الذي كانت عليه عام 1966.

ونتيجة لذلك، إذا تحققت هذه التقديرات على أرض الواقع فستضطر فئة قليلة من السكان الشباب إلى تمويل عدد متزايد من السكان المسنين.

وتنتظر كوريا الجنوبية مشكلة رئيسية أخرى هي الاختفاء التدريجي لبنية الأسرة الأساسية. فوفقاً لتعداد 2015 أبلغ 20% فقط من النساء الكوريات الجنوبيات بين سن 25 و29 عاماً بأنهن متزوجات، بينما في السبعينيات كان معدل الزواج بين نفس الفئة العمرية يبلغ 90%.

مردود سلبي لتحديد النسل في الصين

وتأتي الصين على رأس دول العالم بعدد السكان بتعداد 1.4 مليار نسمة. لكن من المفارقات أنَّ العملاق الآسيوي وثاني أكبر اقتصاد في العالم يعاني بدوره عواقب الانخفاض المطرد في عدد سكانه، وفقاً لدراسات مختلفة.

ففي نهاية القرن الحادي والعشرين قد يتناقص عدد سكان الدولة إلى 732 مليون نسمة، أي ما يقرب من نصف سكانها الحاليين، مما يترك بكين بمواجهة نقص حاد في القوى العاملة، وهو ما تشتد الحاجة إليه لتلبية الطلبين العالمي والوطني.

في 2015 عكس الحزب الشيوعي الحاكم في بكين سياسة الطفل الواحد بعد أكثر من 35 عاماً من استحداثها لمنع المزيد من الانخفاض السكاني. لكن السياسة المثيرة للجدل غيَّرت بالفعل جوانب مختلفة من التفاعلات الاجتماعية، ما زاد عدد الذكور بالبلاد وحفز العائلات على إنجاب الذكور أكثر من البنات بإجراء عمليات إجهاض انتقائي ترتكز إلى جنس الجنين.

شبح تضاؤل عدد السكان الروس "يطارد" بوتين

رغم أنَّ الفضل يعود إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في إعادة جزء من المجد الروسي القديم بعد النهاية المُخيِبة للآمال التي آل إليها الاتحاد السوفيتي الشيوعي السابق في أواخر الثمانينيات، لا يزال شبح انخفاض عدد سكان الدولة يطارده.

والعام الماضي قال الخبراء إنَّ عدد سكان روسيا البالغ 146.7 مليون انخفض بمقدار 700 ألف، ما يمثل انخفاضاً بنسبة 0.5% تقريباً في إجمالي السكان. ووفقاً للأمم المتحدة قد ينخفض ​​عدد السكان الروس إلى ما يقرب من 84 مليوناً بحلول نهاية القرن الحادي والعشرين.

ويثير هذا الاحتمال القلق، وقد يجعل بوتين يفكر مرتين قبل أية تدخلات عسكرية مستقبلاً.

هذا المقال مترجم عن موقع TRTWorld

TRT عربي
الأكثر تداولاً