حظي الأمير محمد بن سلمان بدعم غربي كبير منذ توليه ولاية العهد في قضايا كبرى كاعتقال الأمراء في فندق الريتز كارلتون. يبدو أن هذا الدعم قد بدأ يتضعضع بعد اغتيال خاشقجي، ولكن ليس بما يكفي للإطاحة به.

قبل سنة استيقظت العاصمة السعودية الرياض على خبر دوّى صداه، ليس في أرجاء شبه الجزيرة العربية وحسب، بل في العالم أجمع. لقد تم إفراغ فندق ريتز كارلتون الفخم من جميع نزلائه على حين غرة، تمهيداً لاستقبال ضيوف من نوع خاص. فبحلول فجر يوم الأحد الموافق الخامس من نوفمبر/تشرين الثاني 2017 زُجّ بثلاثين شخصية من كبار رجالات المملكة العربية السعودية، من بينهم أقارب بالدم للعائلة المالكة، مثل صاحب إمبراطورية المال الوليد بن طلال، داخل الفندق، بتهمة الفساد.

اعتقال خمس نجوم وإجراءات احترازية من نوع خاص

صدرت أوامر الاعتقال من العاهل السعودي الملك سلمان، ونفّذها ابنه المفضل وولي عهده محمد، الذي كان قد مضى على تسلمه منصبه الجديد ستة أشهر، ويُعتقد أنه وراء الخطوة. لقد كانت خطوة من العيار الثقيل، لا يُقْدِم عليها إلا رجل طموح، ومغامر. فالذي يعرف تركيبة المجتمع السعودي القبلي، ومعادلة الحكم فيه التي كانت تتخذ من إظهار تماسك العائلة الحاكمة صمام أمان لها، يدرك أن هذه الخطوة التي أقدم عليها الأمير الشاب محمد بن سلمان من شأنها أن تؤلّب عليه قبائل، وأجنحة متصارعة داخل العائلة الحاكمة لا تؤيد أباه في أحقيته وأهليته لتولي سُدّة القيادة. وكان على ولي العهد إجراءات احترازية حتى لا تتدحرج الكرة بعيدة عن متناول يده.

ابن سلمان وكوشنر.. يحب كلاهما الآخر

كان أحد أهم هذه الإجراءات الاحترازية متعلقًا بعلاقته بأقطاب نافذة داخل البيت الأبيض، فحلفاء الأمير في إدارة الرئيس دونالد ترمب عملوا على توفير غطاء سميك له، ودعم منقطع النظير. ويأتي في مقدمة هؤلاء الحلفاء صهر الرئيس ترمب، زوج ابنته إيفانكا، رجل الأعمال الثلاثيني جاريد كوشنر.

ساهم كوشنر بقسط كبير في بناء تحالف بين العائلتين: عائلة ابن سلمان، وعائلة ترمب، فقد تولى صهر الرئيس وكبير مستشاريه زمام القيادة في الترويج لمحمد بن سلمان، كمصلح سعودي شابّ، يسعى إلى تحديث المجتمع السعودي، وجعله أكثر التصاقاً بالغرب. لقد أقنع كوشنر الإدارة الأميركية بأهمية ربط سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط بالأمير الصاعد، الذي يتمتع بسياسة انفتاحية كفيلة في حال استثمارها بإحداث تغيير جوهري على بنية التحالفات في المنطقة خصوصاً فيما يتعلق بدولة إسرائيل، التي يعتبرها كوشنر قطب الرحى في نظرته لمنطقة الشرق الأوسط.

الرئيس ترمب لم يُبدِ أي موقف حاسم تجاه اغتيال خاشقجي، واتسمت تصريحاته بالتضارب، ولم يشر من قريب أو بعيد إلى المسؤولين الحقيقيين.

مضاوي الرشيد

يدرك كل من في واشنطن عمق العلاقة بين الرجلَين اليافعَين، حتى الرئيس ترمب قد اعترف بأنهما "يحب كلاهما الآخر"، فكلاهما شاب -على حد قوله- ويعرف الآخَر جيداً، وقد أمضيا وقتاً طويلاً معًافي رسم معالم واقع جديد للشرق الأوسط، تكون فيه إسرائيل دولة طبيعية، تحظى بعلاقات ودية مع جيرانها العرب خصوصاً دول الخليج، لتشكيل تحالف مقدس ضد إيران. هذا بالإضافة إلى صفقات باهظة الثمن من السلاح الأميركي تُورَّد للسعودية، لتصبح بذلك ثالث أكبر دولة في إنفاقها على التسلُّح على مستوى العالم بعد الولايات المتحدة والصين.

لقد أفلح كوشنر إلى حد كبير في مسعاه هذا، إذ أصبح محمد بن سلمان رجل البيت الأبيض المرغوب في الرياض، وبعد أن كانت المخابرات الأميركية والبنتاغون يفضلان أن يكون محمد بن نايف، الذي أُقصِي عن ولاية العهد كرهاً، هو الملك المستقبلي لأكبر بلد منتج للنفط في العالم، استطاع كوشنر أن يدفع بابن سلمان إلى الواجهة. فالأمير الذي أقرَّ بحق إسرائيل في الوجود علناً لا يمكن تجاهله.

المال السعودي وتبييض صورة ابن سلمان

لم تكن علاقة محمد بن سلمان بكوشنر هي وحدها التي أفضت إلى إسبال غطاء الدعم الأميركي على السياسات السعودية، بل لعب أيضاً المال السعودي دوراً هاماً في الترويج لمحمد بن سلمان، وتبييض صورته في الغرب.

فعندما أثار الكونغرس الشكوك حول سجل المملكة المتدهور لحقوق الإنسان، إذ عمل ابن سلمان على إسكات المعارضة داخل المملكة، واعتقل المعارضين والمنافسين، شمل ذلك الأمراء والشيوخ ورجالات العلم، وحتى النساء المطالبات بحق قيادة السيارات، بالإضافة إلى سجل الانتهاكات المروع للحرب الدائرة في اليمن والتي يروح ضحيتها آلاف المدنيين العُزْل جراء قصف قوات التحالف بقيادة السعودية، كان هناك الكثير من المال للضغط على المشرِّعين الأميركيين، لكسب ودهم وصمتهم.

فوفقاً لمركز السياسة الدولية، أنفقت السعودية 27 مليون دولار على شركات الضغط والترويج في واشنطن في عام2017، وهو ما يمثل ثلاثة أضعاف ما أنفقوه في عام 2016. وقد ذهب 400 ألف منها مباشرة لدعم حملات أعضاء في مجلسَي الشيوخ والنواب الانتخابية الذين استجابوا لدعوات تحثّهم على صرف النظر عن السعودية وتجاوزاتها في ملف حقوق الإنسان والحريات.

حدث هذا جنباً إلى جنب مع صفقات السلاح التي تصل إلى ما يقرب من 110 مليارات دولار، والتي جعلت الرئيس ترمب نفسه يفكر ملياً قبل اتخاذ أي إجراء ضد السعودية فيما يتعلق بسياساتها.

ليس فقط اعتقال أمراء بل أيضاً رئيس وزراء

لقد بلغ حد التستر الأميركي والغربي عموماً على سياسة السعودية حد التغاضي عن فعلة احتجاز رئيس وزراء لدولة عضو في الأمم المتحدة، وإجباره على الاستقالة، وإشاعة بيان كان من شأنه أن يُودِي بأمن هذا البلد، الذي بالكاد تعافى من حربه الأهلية السابقة. لقد كان مظهر رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري وهو يدلي بخطاب استقالته من الرياض في الرابع من نوفمبر/تشرين الثاني 2017 صادماً لجموع اللبنانيين، والعرب، وكثيرين حول العالم، من بينهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي تدخل شخصيًّا للإفراج عن الحريري وضمان عودته إلى بلاده سالماً.

القبضة الحديدية لابن سلمان ما زالت حاضرة في السعودية، غير أن الضغوط الغربية مؤخرا دفعته لتخفيف هذه القبضة قليلا.

عبد الله الغامدي

إن تصرفاً من هذا القبيل من طرف دولة كان كفيلاً بأن يؤلب عليها دول العالم الحر، ويجلب عليها ردوداً قاسية، غير أن الغرب عموماً والولايات المتحدة على وجه الخصوص اختار المصالح أولاً مفضلة مصالحها مع السعوديين على مبادئها فيما يتعلق بحقوق الإنسان والسيادة القومية.

اغتيال خاشقجي: عندما تجري الرياح بما لا تشتهي السفن

استمرت التغطية الغربية للأمير محمد بن سلمان، وتقديم الدعم إليه بالشكل الذي لا يرقى إليه الشك طيلة عام كامل، إلى أن قتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده في إسطنبول في أكتوبر/تشرين الأول 2018.

لقد كانت عملية اغتيال خاشقجي من الوحشية بمكان حتى ألّبت على السعودية الرأي العام العالمي، وجلبت عليها غضب كثير من حلفائها، خصوصاً الأوروبيين، الذي باتوا يراجعون صفقات السلاح معها، ويبحثون عن خطوات مشتركة لمعاقبة الرياض لاعتدائها الصارخ على حقوق الإنسان، وحرية الكلمة، والبروتوكولات الدبلوماسية التي أقرتها معاهدة جنيف، فعلى حد قول يحيى عسيري، الناشط الحقوقي السعودي، فقد "أصبح التعامل مع ابن سلمان مكلفاً للغاية. أي رئيس أوروبي يريد أن يلتقي ابن سلمان سوف يتعرض لانتقادات شديدة من شعبه، ومن منظمات حقوق الإنسان، حيث أصبح ابن سلمان مكشوفاً للرأي العام العالمي كرجل دولة همجي، وقمعي، ومتهور".

كما كان صدى الجريمة في الولايات المتحدة الأميركية مدوياً، فاغتيال كاتب في صحيفة الواشنطن بوست، أدّى إلى إشاعة حالة من الصدمة لدى أوساط النخبة الأميركية، فبالإضافة إلى وسائل الإعلام التي اتخذ طابع تغطيتها للأحداث صبغة الهجوم الكاسح على النظام الحاكم في السعودية، اصطفّ غالبية أعضاء الكونغرس الأميركي في خانة المطالبين بمعاقبة الرياض على فعلتها هذه. لقد توجهت الاتهامات إلى ابن سلمان مباشرة، واعتبروه المسؤول عن هذه الجريمة، حتى وصل الأمر ببعضهم مثل السيناتور الأميركي ليندسي غراهام المقرب من الرئيس ترمب، إلى حد المطالبة بعزل ولي العهد والبحث عن بديل له.

مأزق ترمب بسبب ابن سلمان

وضعت هذه الأحداث الرئيس دونالد ترمب في مأزق كبير، فهو من جانب مضطرّ إلى اتخاذ إجراءات عقابية ضد حلفائه في الرياض استجابة لموجة الضغط الهائلة التي مورست على مستوى الرأي العام ووسائل الإعلام والمشرعين الأميركيين، خصوصاً في ظل اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس وارتفاع حمى المزايدات الانتخابية. ومن جانب آخر لا يريد أن يؤذي حلفاءه السعوديين، نظراً إلى حجم المصالح الهائلة التي تربطه معهم. وأخيراً لا يريد أن يستثير غضب حلفائه في أنقرة خصوصاً بعد المحاولات التي اتُّخذت مؤخراً لتحسين العلاقات بينهما على أثر الإفراج عن القس الأميركي الذي كان معتقلاً في تركيا منذ أحداث الانقلاب فيها عام 2016.

أخذت الأحداث الرئيس ترمب بشكل مفاجئ، حيث اتسمت ردود فعله بنوع من التضارب حيناً والتردد حيناً آخر، الأمر الذي ينم عن عدم جدية في اتخاذ إجراءات عقابية ملموسة ضد السعودية. وفي بداية الأحداث اعتبر الرئيس أن المسؤولين عن هذه الفعلة هم أشخاص "مارقون"، في محاولة لإبعاد التهمة عن رأس الهرم في نظام الحكم السعودي، وتساوقاً مع الرواية السعودية للأحداث، وفرضت واشنطن عقوبات على بعض الأشخاص المتورطين، وعلى الرغم من الزيارات رفيعة المستوى التي قام بها وزير الخارجية الأميركي جيمس بومبيو، ومديرة وكالة المخابرات المركزية الأميركية جينا هاسبيل، لكل من الرياض وأنقرة على التوالي، فإن موقف الولايات المتحدة ما زال حتى الآن يتسم بالتحفظ تجاه معاقبة السعودية، إذ يسعى البيت الأبيض لامتصاص الصدمة، والبحث عن حلول تُرضي جميع الأطراف، وتحفظ ماء الوجه لها ولحلفائها المقربين. وربما من أبرز هذه الحلول وقف الحرب السعودية في اليمن، والدفع في اتجاه إنهاء حصار قطر.

موقف أميركي متضارب وغير حاسم

يبدو أن إدارة الرئيس ترمب لن تُحدِث تغييراً جذرياً تجاه موقفها من الرياض، حسبما ترى مضاوي الرشيد، الأكاديمية السعودية المعروفة التي تعيش في بريطانيا، فالرئيس ترمب "لم يُبدِ أي موقف حاسم تجاه الأحداث، واتسمت تصريحاته بالتضارب، ولم يشر من قريب أو بعيد إلى المسؤولين الحقيقيين عن حادثة الاغتيال". وأضافت أنه "لا يوجد موقف موحد للمؤسسة السياسية في واشنطن، فالتباين في المواقف بين الكونغرس والبيت الأبيض واضح للعيان، وهو الأمر الذي يقلل احتمالية اتخاذ واشنطن خطوات عقابية تتسم بالجدية ضد الرياض".

وربما يدعم ما ذهبت إليه مضاوي إصرار بعض مستشاري الرئيس ترمب -كما أوردت صحيفة نيويورك تايمز في تقريرها بتاريخ 12 نوفمبر/تشرين الثاني 2108- على الحاجة الماسة إلى أدلة دامغة لا تقبل الجدل حول تورط الأمير محمد بن سلمان في مقتل خاشقجي قبل توجه واشنطن إلى إنزال عقوبة عليه أو ممارسة مزيد من القسوة ضده.

أصبح التعامل مع ابن سلمان مكلفاً للغاية. أي رئيس أوروبي يريد أن يلتقي ابن سلمان سوف يتعرض لانتقادات شديدة من شعبه.

يحيى عسيري

وترى مضاوي أن خلفية الموقف الأميركي المتردد تجاه الرياض تعود إلى حجم المصالح المشتركة بين البلدين. وترتكز هذه المصالح، حسب مضاوي، على خمسة محاور رئيسة: أولاً اعتماد أميركا الكبير على السعودية في مكافحة مايسمى بالإرهاب والإسلام السياسي، ثانياً محورية السعودية في جهود الحد من نفوذ إيران في المنطقة، ثالثاً أهمية السعودية في تمرير ما يسمى صفقة القرن والتطبيع مع إسرائيل، رابعاً صفقات السلاح التي تُعَدُّ بمئات المليارات، وتسهم في نمو الاقتصاد الأميركي، خامساً أهمية السعودية في السيطرة والتحكم الأميركي في سوق النفط العالمية.

يبدو عدم جدية الولايات المتحدة في تخلِّيها عن محمد بن سلمان في عدم اعتراضها -حتى الآن على أقل تقدير- على زيادة صلاحيات الأمير الأمنية. فبعد حادثة الاغتيال، وتحميل جهاز المخابرات السعودي مسؤولية الأخطاء التي وقعت، أصدر العاهل السعودي أمراً بتكليف ولي عهده إعادة هيكلة جهاز المخابرات والأمن والإشراف عليهما.

ويرى الناشط السياسي السعودي عبد الله الغامدي، أن "القبضة الحديدية لابن سلمان ما زالت حاضرة في السعودية"، غير أن الضغوط الأخيرة التي مارستها الدول الأوروبية وتركيا على الرياض، "دفعت ولي العهد إلى تخفيف هذه القبضة قليلاً، وهو ما تبدَّى بعودة الأمير أحمد بن عبد العزيز، وإطلاق سراح خالد بن طلال، والسماح بزيارة عبد العزيز بن فهد وتركي بن عبد الله على الرغم من بقائهما قيد الإقامة الجبرية".

وقد أجمع كل من مضاوي والغامدي وعسيري على أن "الأسرة الحاكمة تعاني من ضعف لا يمكنها بسببه الوقوف في وجه الأمير محمد بن سلمان"، فجميع منافسي الأمير "ضعفاء، بمن فيهم الأمير أحمد بن عبد العزيز"، وعليه فإن الضغط الحقيقي على ابن سلمان "ربما يأتي فقط من الخارج"، أما من الداخل فلا يبدو أن جميع القوى لديها القدرة على تحرُّك جدّي لتغيير الأمر الواقع.

خلاصة

في ظل استمرار ولي العهد في تمسُّكه غير القابل للمساومة بمقاليد الحكم، ومفاصل القوة داخل الدولة، وفي ظل "ضعف منافسيه"حسبما ترى مضاوي، فإن خيار البحث عن بديل لابن سلمان أميركياً لا يبدو خياراً مطروحاً على الطاولة حالياً، مع الأخذ بعين الاعتبار أن تصعيد بعض واجهات العائلة الحاكمة من جديد قد يُعتبر -حسب مضاوي- أحد خيارات واشنطن، وذلك لتوجيه رسالة إلى محمد بن سلمان بضرورة مراعاة الحذر في ممارساته في المرات القادمة، فضبط ولي العهد، وليس التخلص منه، قد يكون هو الخيار الذي باتت إدارة الرئيس ترمب تعمل عليه، وتسعى لتثبيته، وهو الخيار الذي سيكون مرهوناً بالتوصل إلى تفاهمات مع تركيا، وهي الدولةالمعنية أولاً بالقضية، والحريصة على الوصول إلى حل يحقق لها مصالحها ويحفظ لها ماء وجهها.

المصدر: TRT عربي