في وقت تخضع فيه علاقات الرئيس الأميركي مع السعودية إلى مراقبة وتدقيق على خلفية اختفاء الصحفي السعودي جمال خاشقجي؛ شعر ترمب بالربط بين موقفه من قضية خاشقجي ومصالح مالية له مع المملكة، فما حقيقة الأمر؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب وولي العهد السعودي محمد بن سلمان
الرئيس الأميركي دونالد ترمب وولي العهد السعودي محمد بن سلمان (Reuters)

ليس لدي أي مصالح مالية في السعودية (أو روسيا..) أي تلميح بعكس ذلك يشكل مزيداً من الأخبار الكاذبة.

تغريدة للرئيس الأميركي دونالد ترمب على تويتر في 16 أكتوبر/ تشرين الأول في رده على اتهامات بمحاباة السعودية في قضية اختفاء الصحفي السعودي جمال خاشقجي.

يطالب ساسة أميركيون وعواصم عالمية برد رادع على الأنباء المتواترة عن مقتل خاشقجي في حال ثبوت تورط الرياض وساستها -حلفاء ترمب- في الأمر. 

يأتي ذلك في وقت تخضع فيه علاقات ترمب مع السعودية إلى مراقبة وتدقيق على خلفية اختفاء خاشقجي منذ دخوله قنصلية بلاده في إسطنبول في 2 أكتوبر/ تشرين الأول.

إلا أن ترمب شعر بالربط بين موقفه من قضية خاشقجي ومصالح مالية له مع السعودية. وكان ترمب قد رفض، السبت الماضي، إلغاء صفقة أسلحة قيمتها 110 مليارات دولار مع السعودية بعد اختفاء خاشقجي، متذرعاً بأن ذلك سيشكل "عقاباً" للشركات الأميركية وليس للرياض.

استمرت محاولات ترمب للتكهن بمصير خاشقجي بعيداً عن التحقيقات التركية الرسمية، والدفع في اتجاه تبرئة رأس الهرم في السعودية من التورط المباشر في الأمر. كانت آخر هذه المحاولات، الاثنين الماضي، حين أشار ترمب إلى أن خاشقجي قد يكون قتل على أيدي "قتلة خارجين عن السيطرة"، قائلاً "لقد نفى الملك (السعودي) بشكل حازم أن يكون على علم بأي شيء".

وأضاف اليوم الأربعاء خلال حديث له على قناة فوكس نيوز "لا أريد التخلي عن السعودية ونحتاجها في الحرب ضد الإرهاب".

فهل يمكن عزل موقف ترمب في قضية خاشقجي بعيداً عن مصالحه المالية مع السعودية التي يُصر على نفيها؟

في هذا الصدد، يؤكد الصحفي المتخصص في الشأن الأميركي محمد مجدي لـTRT عربي أن علاقات ترمب الاقتصادية كرجل أعمال بالفعل تؤثر، لكن الولايات المتحدة دولة تعتمد على المؤسسات التي ستحدد شكل رد الفعل الأميركي على الحادث، بل وعلى مستقبل العلاقات السعودية الأميركية، ويضيف "السعودية تقع في خطأ تصوُّر أن ترمب هو الذي سيحدد ذلك كله".

ترمب شخصية غير سياسية وغير تقليدية، صاحب طبيعة متهورة ومندفعة، لكنه سيظل فرداً في مواجهة المؤسسات

صفي الدين حامد - مدير مركز العلاقات المصرية–الأميركية

تاريخ ترمب مع المال السعودي

بالعودة إلى أحاديث ترمب المرشح الرئاسي قبل وصوله إلى البيت الأبيض، يمكننا استنتاج العلاقة الاقتصادية التي ربطته قديماً بالسعوديين الذين اشتروا العقارات من شركات ترمب بمبالغ وصلت إلى ما بين 40 إلى 50 مليون دولار، لذلك "هو يحبهم كثيراً" حسب تصريحاته.

لم يتعلق الأمر بتجارة العقارات، إذ باع ترمب، في 1991 أثناء مواجهته أزمة مالية، يخته إلى الملياردير السعودي الأمير الوليد بن طلال مقابل 19 مليون دولار، حسب ما أورد موقع "بيزنس إنسايدر".

وكان الوليد بن طلال قد شارك مع مستثمرين آخرين في صفقة بقيمة 325 مليون دولار مقابل مشروع ترمب "بلازا هوتل" في 1995، حسب صحيفة نيويورك تايمز.

وفي عام 2001، حسب "نيويورك ديلي نيوز"، اشترت الحكومة السعودية طابقاً كاملاً في برج ترمب مقابل 4.5 ملايين دولار.

وبعد انتخابه رئيساً للولايات المتحدة، استمرت العلاقات المالية بين الطرفين حيث أنفق رجال اللوبي السعودي عام2017 ما يقارب من 250 ألف دولار في فندق "ترمب إنترناشونال" في العاصمة واشنطن.

السعودية تقع في خطأ تصور أن ترمب فقط هو الذي سيحدد الموقف الأميركي في قضية خاشقجي

محمد مجدي - صحفي مختص في الشأن الأميركي

وكان حظ برج ترمب في شيكاغو من أموال السعوديين وافراً أيضاً، وفق صحيفة واشنطن بوست، بعدما حجز مسؤولون سعوديون في الربع الأول من العام الماضي 169% من الإشغال في البرج العالمي.

وفي مانتهن حوّل فندق ترمب خسائره وتراجُع الحجز فيه لمدة عامين، إلى زيادة بلغت 13% في الربع الأول فقط من هذا العام بفعل المال السعودي.

وعلى الرغم من ذلك يرى الدكتور صفي الدين حامد، أستاذ التخطيط الاستراتيجي والتنمية الدولية ومدير مركز العلاقات المصرية–الأميركية، في حديث لـ TRTعربي أن ترمب ممنوع بحكم القانون من مباشرة أعماله التجارية حتى يخرج من البيت الأبيض، لكن زوج ابنته جاريد كوشنر غير ممنوع من ذلك، وهو صاحب علاقات واسعة مع ولي العهد السعودي، لكنه في نفس الوقت سيكون تحت رقابة الأجهزة الأميركية لمنع تضارب المصالح.

ويضيف "ترمب شخصية غير سياسية وغير تقليدية، صاحب طبيعة متهورة ومندفعة، لكنه سيظل فرداً في مواجهة المؤسسات، وسيراعي وضعه الحساس في هذه الفترة من تاريخ ولايته".

شراكة غير خفية

لم تقتصر مصالح ترمب المالية مع السعودية على الصعيد الشخصي فقط، بل عوّل الرجل في تنفيذ وعود حملته الانتخابية على أموال المملكة، وجعل الرياض وجهته الخارجية الأولى بعد فوزه المفاجئ بالمنصب الرئاسي، وهو أمر لم يحدث طوال تاريخ المكتب البيضاوي.

لقد بدأ ترمب في مطلع 2017 بإعلان ملامح إستراتيجيته الاقتصادية بالأرقام كما تعوّد كرجل أعمال؛ فوعد ترمب الرئيس في خطاب أمام الكونغرس الأميركي يوم 28 من فبراير/ شباط 2017، بتخصيص تريليون دولار للاستثمارات العامة والخاصة من أجل تطوير البنى التحتية في البلاد.

وأضاف "أميركا أنفقت زهاء 6 تريليونات دولار في الشرق الأوسط، في حين تفككت البنية التحتية لدينا، بتلك التريليونات الستة من الدولارات كان بإمكاننا إعادة بناء بلدنا مرتين وحتى ثلاث مرات، لو كان لدينا زعماء يملكون القدرة على التفاوض".

ترمب ممنوع بحكم القانون من مباشرة أعماله التجارية حتى يخرج من البيت الأبيض

الدكتور صفي الدين حامد - مدير مركز العلاقات المصرية–الأميركية

واستكمل ترمب "عليك أن تكون قادراً على التفاوض مع اليابان ومع السعودية، هل تتخيلون أننا ندافع عن السعودية بكل الأموال التي لديها، نحن ندافع عنها، وهم لا يدفعون لنا شيئاً؟".

وسرعان ما بحث ترمب عن تمويل لبرنامجه الانتخابي في منتصف مارس/ آذار بعد خطابه، وكان ذلك خلال زيارة للأمير الشاب محمد بن سلمان إلى واشنطن وزيارة ترمب للسعودية، اللتين كانت فاتورتيهما على السعوديين حسب بعض التقديرات 340 مليار دولار، ستتحمل السعودية ضخهم في الولايات المتحدة على شكل صفقات أسلحة، واستثمارات في البنية التحتية الأميركية، وهو ما يشكل تقريباً ثلث تكلفة وعد ترمب الاقتصادي للشعب الأميركي.

على خلفية كل هذا يبدو طبيعياً أن يخالف ترمب صقور مؤسسته الحزبية الجمهورية في قضية خاشقجي محاولاً تبرئة ساحة حلفائه، بينما يحاول رموز الجمهوريين -وبعضهم كان من أبرز مؤيدي السعودية في واشنطن- أن يضغطوا في اتجاه تحقيق شفاف في القضية، وعقوبات إذا استلزم الأمر، ومنهم السيناتور ليندسي غراهام الذي صرح عقب حادثة خاشقجي أن على ولي العهد السعودي محمد بن سلمان الرحيل، ولا يمكنه أن يكون قائداً.

وفي نفس السياق يرسل ترمب وزير خارجيته مايك بومبيو إلى الرياض لاستجلاء ما حدث في قضية خاشقجي عن قرب، لكن المفاجأة هنا أن واشنطن استقبلت من الرياض في نفس وقت وصول بومبيو مبلغ 100 مليون دولار، وعدت السعودية إدارة ترمب بها الصيف الماضي لأجل الجهود الرامية إلى تحقيق الاستقرار في المناطق السورية التي تم تحريرها من تنظيم "داعش" الإرهابي ولكن توقيت تحويل الأموال أثار تساؤلات عدة، حسب صحيفة نيويورك تايمز.

ونقلت الصحيفة عن مسؤول أميركي على علاقة بالملف السوري، تأكيده وصول هذا المبلغ في وقت وصول بومبيو إلى المملكة معتبراً "أن هذا التوقيت ليس مصادفة".

ويقول الصحفي محمد مجدي أن "هناك تضارباً داخلياً في إدارة ترمب والكونغرس بسبب قضية خاشقجي، وثمة موقف موحد بين الديمقراطيين والجمهوريين، لن يقبلوا فيه بأقل من تحقيق شفاف، وسيفرضون ذلك على ترمب". 

ويتفق الدكتور صفي الدين في وجهة النظر هذه، ويرى أن الجمهوريين لديهم مصالح حزبية خاصة، وسيديرون المشهد تبعاً لها، خاصة أن هناك انتخابات تجديد نصفي في غضون أسابيع، سيوازن فيها الحزب الجمهوري بين مصلحة الحزب ومصلحة الشخص، وليس هناك ضوء أخضر لترمب للتصرف بحرية وحده في هذه القضية.

السعودية كسلاح في وجه إيران

أهمية السعودية بالنسبة لترمب لها وجه آخر يتعلق بالضغط على إيران اقتصادياً في المنطقة، حيث يرى ترمب السعودية معوضاً للنفط الإيراني في السوق الدولية بعدما ينجح في إعادة العقوبات على طهران بهدف قطع جميع صادرات النفط الإيرانية.

وبحسب مسوؤلين أميركيين صرحوا لصحيفة نيويورك تايمز، فإن إدارة ترمب تمر بـ"لحظة حرجة" في هذا الصدد، وبحسب الصحيفة، فالإدارة الأميركية ستسعى للحفاظ على علاقتها مع السعوديين من أجل استمرار تدفق النفط، لاستكمال خطة العقوبات على إيران.

لكن الصحفي محمد مجدي يرى أن الموضوع الإيراني مختلف بعض الشيء لأن "اللوبي الصهيوني" في واشنطن هو من يتصدر له ويدفع باتجاهه، فيما سيظل تأثير قضية خاشقجي عليه "ثانوياً" حسب وصفه.

ويرى ذلك أيضاً الدكتور صفي الدين بخصوص العداء لإيران، معتبراً إياه "مبالغاً فيه" بسبب "اللوبي الصهيوني"، في حين أن السعودية أضعف بكثير من مواجهة أميركا في ملف كهذا.

وفي مقابلات لصحيفة نيويورك تايمز، تحدث مسؤولون في الإدارة بشرط عدم الكشف عن هويتهم لأنهم غير مخوّلين بالتصريح علنًا، مؤكدين أن الإجراءات المحتملة لوضع خطة مفصلة للضغط على الإيرانيين سيطرت على المناقشات الداخلية حول تداعيات ما حدث للصحفي السعودي جمال خاشقجي، وتأثيره على العقوبات مع إيران.

سيظل تأثير قضية خاشقجي على ملف العقوبات على إيران "ثانوياً"

محمد مجدي - صحفي مختص في الشأن الأميركي

وفي الوقت الذي يتوقع فيه أن تعلن الإدارة الأمريكية في 4 نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل، أن أي شركة ستقوم بأعمال مشتركة مع الإيرانيين -يشمل ذلك شراء النفط أو تمويل المشاريع أو الاستثمار في البلاد- سوف تُمنع بالتبعية من ممارسة الأعمال التجارية في الولايات المتحدة، في وقت يتحدث فيه الكونغرس عن فرض عقوبات على المملكة، ما يعني تعطيل خطة ترمب في الحال بفقدان سلاح النفط السعودي المخوّل بتعويض النفط الإيراني.

ونهاية يقول الدكتور صفي الدين أن هناك عوامل عدة تتحكم في الموقف الأميركي من قضية خاشقجي، أهمها أن المؤسسات الأميركية لا تستطيع التحكم في الغضب الجماهيري، وهذا عامل حاكم مهم في أميركا، خاصة وأن القضية متعلقة بحرية الصحافة.

ويضيف "ثمة توازن بين السياسة والاقتصاد في الأمر، حتى لو أن ترمب يود حماية ولي العهد محمد بن سلمان، لكن الأمر لن يكون بيده وحده".

المصدر: TRT عربي