سعى جميع حكام مصر، بدءاً من جمال عبد الناصر، ومروراً بأنور السادات، ووصولاً إلى حسني مبارك، إلى مصالحة مع جماعة الإخوان المسلمين في مرحلة أو أخرى. السيسي ليس الأول إذن، يعرض المقال الجدلَ الدائر حول مساعي المصالحة وإمكانية تحققها 

أرشيفية- صورة تجمع الرئيس المصري المعزول  محمد مرسي والرئيس المصري الحالي عبدالفتاح السيسي
أرشيفية- صورة تجمع الرئيس المصري المعزول  محمد مرسي والرئيس المصري الحالي عبدالفتاح السيسي (AFP Archive)

سارع الإخوان المسلمون إلى نفي التقارير التي ظهرت في شهر فبراير/شباط الماضي بأنَّ قادة الجماعة المعتقلين دخلوا في محادثات مع حكومة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي حول إمكانية عقد مصالحة.

قبل خمس سنوات، أطاح السيسي وزير الدفاع السابق حكم الرئيس محمد مرسي، أحد قيادات الإخوان المسلمين، وشنَّ منذ ذلك الحين حملة قمع وحشية ضد نشطاء الجماعة واعتقل عشرات الآلاف منهم.

قالت الجماعة في بيان لها إنه لم تكن هناك أيّ مفاوضات مع "النظام العسكري الفاشي"، لكنها في الوقت ذاته لم تستبعد نهائياً إمكانية حدوث مثل هذه المفاوضات في المستقبل، وحدّدت أنّ مرسي هو المتحدث الأول والأخير في أي مفاوضات مستقبلية.

جاء في البيان: "... المعنِي بأي اتصالات أو مفاوضات من أي نوع هو محمد مرسي …".

أرسل السيسي مبعوثيه إلى أحد السجون للحديث إلى بعض قيادات جماعة الإخوان المسلمين. وكان أحد المبعوثين لواءً مصرياً سابقاً

حمزة زوبع

وشيئاً فشيئاً اتضح أنَّ الجانبين تواصلا مع بعضهما في مرحلةٍ ما خلال العام الماضي. بيد أن المفاوضات لم تنجح لأن السيسي كان يحاول تجاوز مرسي، وهو شيءٌ غير مقبول لمؤيدي مرسي المخلصين في جماعة الإخوان المسلمين.

في تصريحات لشبكة TRT قال حمزة زوبع، المتحدث السابق باسم حزب الحرية والعدالة، الذي شكَّل قبل حلِّه الجناح السياسي لجماعة الإخوان المسلمين: "أرسل السيسي مبعوثيه إلى أحد السجون للحديث إلى بعض قيادات جماعة الإخوان المسلمين. وكان أحد المبعوثين لواءً مصرياً سابقاً".

أراد النظام المصري الحصول على تعهد من القادة بأنهم سيقدمون نوعاً من الاعتراف بحكومة السيسي. لكن قيادات الجماعة اجتمعوا على قلب رجل واحد في هذا الصدد، على حد قول زوبع.

وكان ردهم: "اذهب وتحدث إلى الرئيس مرسي".

استمر مرسي من خلف القضبان في إصراره على أنه لا يزال الرئيس المنتخب ديمقراطياً للبلاد، ورفض الاعتراف بحكومة السيسي، التي ما يزال أتباع مرسي يقاومونها بالرغم من التهديدات التي يتعرضون لها.

على الجانب الآخر، أحكم السيسي قبضته على البلاد، ولا سيما بعد الفوز بانتخابات مثيرة للجدل في بداية العام الجاري؛ مما يجعل قدرة الطرفين اللذين يتمتعان بثِقلٍ كبير في الساحة السياسية على الدخول في مفاوضات محل شك لدى الجميع.

ليست هذه المرة الأولى التي يتواصل فيها نظام ديكتاتوري في مصر مع جماعة الإخوان المسلمين، التي تمر بمحنة في الوقت الحالي، للحصول على شرعيةٍ لحكم البلاد.

إذ سعى جميع حكام مصر المستبدين، بدءاً من جمال عبد الناصر، ومروراً بأنور السادات، ووصولاً إلى حسني مبارك، للوصول إلى مصالحة مع الجماعة في مرحلة أو أخرى، كإجراءٍ احترازيّ ضد تزايد الاضطرابات الاجتماعية.

وقال محمد بولوفالي، وهو ومحلل سياسي عراقي وعضو في جماعة الإخوان المسلمين بالعراق منذ مدة طويلة: "توجد إشارات حول وجود محادثات في الوقت الراهن".

حسب رواية زوبع، المتحدث السابق باسم الحزب السياسي التابع لجماعة الإخوان المسلمين في مصر، يحاول السيسي استخدام النشطاء المعتقلين كورقة مساومة من أجل الحصول على الحد الأقصى من التنازلات.

وقال زوبع إن أحد رجال الأعمال ذوي النفوذ في مصر، وهو مالك قناة تلفزيونية مصرية، زار أيضاً المرشد العام الأسبق لجماعة الإخوان المسلمين الراحل محمد مهدي عاكف في مستشفى السجن.

وقال زوبع دون أن يذكر اسم رجل الأعمال: "ناقشا إمكانية حدوث نوعٍ من المصالحة".

هل هي محاولة لتعزيز الانقسام؟

صورة للرئيس المصري المخلوع محمد مرسي معلقة في حارة رابعة العدوية بالقاهرة 15 أغسطس/آب 2013
صورة للرئيس المصري المخلوع محمد مرسي معلقة في حارة رابعة العدوية بالقاهرة 15 أغسطس/آب 2013 (AFP Archive)

تسبب الانقلاب الذي قاده السيسي في وفاة أكثر من 1150 شخصاً، أغلبهم من أنصار الجماعة.

وباتت المذبحة التي وقعت في الرابع عشر من أغسطس/آب 2013 تُعرَف بمجزرة رابعة. وقد اعتقل النظام أيضاً عشرات الآلاف من الأشخاص، وأغلبهم من مؤيدي الإخوان المسلمين، إضافةً إلى قمع أي نوع من المعارضة عن طريق اتخاذ تدابير شديدة الصرامة.

يقول محللون إنَّ ثمة احتمالية تُشير إلى أنّ السيسي يسعى من خلال إرسال مبعوثيه إلى قيادات الإخوان المسلمين لاستغلال الخلافات الداخلية للجماعة.

وقال إسماعيل يايلاشي، أستاذ العلوم السياسية في جامعة إسطنبول شهير الذي يدرس حركات الإسلام السياسيّ في العالم الإسلامي: "بالرغم من أنَّ الإخوان المسلمين جماعة منضبطة، فقد احتوت دائماً على فصائل تختلف حول القضايا السياسية. كان بعضٌ من هذه الفصائل نشطاً حتى بعد انقلاب 3 يوليو/تموز (الذي أطاح مرسي)".

وقال يايلاشي لشبكة TRT : "(أحد الفصائل الرئيسية قال) لقد ارتكبنا خطأً بانخراطنا في السياسة، دعونا نعقد صفقة مع النظام. إنَّهم يقولون 'لنكن جماعة تدعو الناس إلى سبيل الله، ولا يكون لها علاقة بالسياسة'. وهذه مجموعة من الأعضاء القدامى الذين قضوا وقتاً مع سيد قطب في السجون خلال سبعينيات القرن الماضي".

كان قطب واحداً من أكثر مفكري الإسلام السياسي تأثيراً، وكان عضواً بارزاً في مكتب الإرشاد بجماعة الإخوان المسلمين خلال الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين قبل إعدامه على يد نظام الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر، الذي تعاون مع الجماعة في بداية مسيرته السياسية.

لكنَّ فصيلاً آخر يسيطر عليه جيل أصغر يصر على أنَّ الجماعة يجب أن تظل منخرطة في السياسة الديمقراطية، حسبما يقول يايلاشي. وأضاف أنَّهم يتبنون رؤية سياسية تشكل "صوت المعارضة" في مصر.

ويقول يايلاشي إنَّ هناك أيضاً ضمن صفوف شباب الجماعة من يؤيد حمل السلاح لمواجهة وحشية النظام.

ويضيف: "ربما يكون أعضاء الجماعة من هذا الجيل الأكبر هم الذي انخرطوا في هذه المحادثات (المتعلقة بالمصالحة)".

يُحتمل أن يميل نظام السيسي إلى إجراء مفاوضات مع فصيل جماعة الإخوان المسلمين الذي يريد أن يبتعد عن السياسة وألا يشكل أي تحدٍ للأمر الواقع.

وينتمي مهدي عاكف، المرشد الأسبق لجماعة الإخوان المسلمين الذي عايش شخصياً حسن البنا مؤسس الجماعة، إلى الرعيل الأكبر للجماعة أيضاً.

ويقول يايلاشي إنَّ حكومة السيسي ربما تكون أكثر حرصاً على التفاوض مع الفصيل الذي يريد الابتعاد عن السياسة. ويضيف: "إذا قلت إنك ستبقى كذلك في الميدان السياسي، فربما إذاً تكون المفاوضات أقسى وأصعب".

ومن خلال المفاوضات وتطبيق قواعد اللعبة التي سار عليها من سبقوه من الحكام المستبدين، ربما يلجأ السيسي إلى تأليب فصيلٍ على آخر.

ويقول الخبراء إنَّ أي تسوية مع الدولة المصرية قد تكون لها آثار محبطة على القاعدة الاجتماعية للإخوان المسلمين، بل قد تُعمِّق الانقسامات داخل صفوف الجماعة.

ما الذي ستفعله الجماعة؟

جماعة مثل الإخوان المسلمين لا يمكنها أن تدافع جهراً عن رؤيتين متعارضتين في نفس الوقت. فإما أنك سوف تتبنى خطة سياسية شاملة أو تنسحب من الميدان السياسي نهائياً. وتلك هي الطريقة التي تسير بها الأمور

بولوفالي

ينتقد بولوفالي، وهو عضو عراقي كردي في الجماعة، الانقسام المستمر منذ عقود في قيادة الجماعة، ويقول إنّ جماعة الإخوان المسلمين ينبغي أن تتبنى خطةً سياسيةً كاملةً على نهج خطة حزب العدالة والتنمية التركي، الذي حقق انتصارات في الانتخابات المتعاقبة منذ عام 2002.

ويضيف: "جماعة مثل الإخوان المسلمين لا يمكنها أن تدافع جهراً عن رؤيتين متعارضتين في نفس الوقت. فإما أنك سوف تتبنى خطة سياسية شاملة أو تنسحب من الميدان السياسي نهائياً. وتلك هي الطريقة التي تسير بها الأمور".

ويوضح أيضاً: "إذا كانت الجماعة تريد الوصول إلى السلطة (أو على الأقل إذا كانت تريد أن تكون موجودة على الساحة السياسة)، فإنها تحتاج إلى معالجة مشكلات المواطنين العاديين"؛ ويرى أنَّ الجماهير تكترث بالوضع الاقتصادي والسياسات الاجتماعية أكثر من اكتراثها بالمعارك الأيديولوجية.

ويضيف بولوفالي: “إذا لم يكن لديك قيادة متحدة، سيكون من السهل تقسيمك والتلاعب بك عندما تهاجمك السلطات هجوماً شديداً (كما يحدث في مصر منذ الانقلاب)".

يؤيد زوبع أيضاً فكرة أنَّ الأحزاب السياسية لا يجب عليها أن تعتمد على جماعة محددة، سواءٌ كان تنظيماً مثل جماعة الإخوان المسلمين، أو مؤسسة دينية مثل الكنيسة القبطية.

ويقول زوبع: "الجماعات لا ينبغي عليها أن تلعب دوراً سياسياً مباشراً. ويجب عليها ألا تكوّن أحزاباً. لا يجب أن يكون حزبي تابعاً لجماعة الإخوان المسلمين".

ويضيف: "الجميع يرتكبون أخطاءً، ونحن ارتكبنا أخطاءً. لكن في الوقت ذاته، لم يكن لدينا خيار آخر".

وفي مقابلة أجرتها شبكة TRT العام الماضي مع الدكتور طلعت فهمى، المتحدث الإعلامى لجماعة الإخوان، حاول فهمي جاهداً مناقشة موقف الجماعة الحالي من النظام المصري. وكان أكثر حرصاً على مناقشة أيديولوجية الجماعة.

قال فهمي في حديث ذي طابع إخواني كلاسيكي: "أول ما ينبغي علينا القيام به هو اتخاذ القرار السليم، وهو ما لا يمكن أن يكون له مهلة زمنية. والصواب سوف يتبع مساره الخاص بغض النظر عن التوقيت".

ولكن عندما تواصلنا معه للتعليق على هذا المقال، وجدنا أن فهمي بدا أكثر ميلاً للمصالحة، بالرغم من الإنكار القوي لوجود أي محادثات بين السيسي والجماعة.

وأخبر فهمي شبكة TRT : "لقد قالت جماعة الإخوان المسلمين من قبل إنها مستعدة لأي تسوية يمكنها أن تُخرج البلاد من هذه الأزمة، بل إنها أيضاً تحترم الدستور المصري وليست ضده".

جديرٌ بالذكر أنَّ الدستور العلماني للبلاد صدر عن طريق لجنة موالية للسيسي في بدايات 2014 بعد الانقلاب العسكري.

وأخبر يوسف ندا، المفوض السابق للعلاقات الدولية في جماعة الإخوان المسلمين، وكالة الأناضول قبل شهرين أن الجماعة على استعداد لإجراء محادثات مع السيسي.

وقال ندا، الذي ينتمي هو الآخر إلى الرعيل الأكبر للجماعة: "إننا مستعدون ومنفتحون للتعامل مع أي شخص".

الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي
الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي (Reuters)

وقبل فترة طويلة من ظهور التقارير الأخيرة التي تشير إلى المصالحة، ألمح السيسي إلى مصالحة ممكنة.

إذ قال السيسي في نوفمبر/تشرين الثاني 2015: "البلد كبيرة بما يكفي لاستيعابنا جميعاً. إنهم جزء من مصر، لذا يجب على المصريين أن يقرروا الدور الذي يمكنهم أن يؤدوه".

وفي مقابلة أُجريت العام الماضي، أشار فهمي إلى دور مهم للإخوان المسلمين في ما يتعلق بالسياسات المصرية. وقال: "إن البلاد أهم من جماعة (الإخوان المسلمين)".

لكنه أكد أيضاً على أن القيادة السياسية للبلاد لا يمكنها تجاهل حقيقة معروفة في جميع أنحاء البلاد مفادها أن حركة الإخوان، وهي القوى الاجتماعية الأكبر في البلاد، تعتبر "جزءاً لا يتجزأ" من المجتمع المصري.

وفي هذه الأثناء، يواجه السيسي أوضاعاً اقتصادية صعبة، إضافة إلى الهجمات المسلحة المتواصلة، وهو ما يقول عنه بعض الخبراء إنه ربما يفسر السبب في نية النظام للتودد إلى بعض أطراف الجماعة.

ويعاني المواطنون المصريون العاديون في ظل حكم السيسي من ارتفاع التضخم، الذي يتسبب في ارتفاع أسعار الغذاء وزيادة معدلات البطالة بين الشباب.

ولا تسير مشروعات السيسي الضخمة سيئة السمعة على ما يرام. ففي عام 2015، أعلن السيسي عن إنشاء عاصمة إدارية جديدة في وسط الصحراء الشرقية لمصر، وهو المشروع الذي كان من المفترض أن يوفر الإسكان لملايين الأشخاص. لكن المشروع متعثرٌ ومتأخرٌ كثيراً عن الجدول الزمني المخطط له.

وقال زوبع: "كلما يفشل (السيسي)، تزيد محاولاته للتوصل إلى تفاهم مع الإخوان".

المصدر: TRT عربي