كيف يؤثر الإعلام الذي تتركز 90 بالمائة من ملكيته في أيدي ست شركات إعلامية في لاوعينا ويحدد بالتالي خياراتنا بطريقة لا تنم حقيقة عن قناعاتنا الشخصية أو ربما يعمل على تغيير هذه القناعات على غير إرادة منّا.

تتركز اليوم ملكية 90 % من وسائل الإعلام في أيدي ست شركات إعلامية فقط، تسيطر على معظم ما يشاهده ويسمعه ويقرؤه المواطن الأمريكي والأجنبي كل يوم، ويخصص المواطن الأمريكي أكثر من مئة وخمسين ساعة لمشاهدة التلفاز ومئة ساعة لتصفّح الإنترنت شهرياً، ويقف خلف تدفق المعلومات من قبل وسائل الإعلام شركات عملاقة، تصنع وتسوق وتبلور بدورها الرأي العام حول الأمور السياسية والإيديولوجيا التي تمارس تأثيراً مباشراً وغير مباشر، ليس على شعب الولايات المتحدة الأمريكية فحسب؛ بل على الحكومات والمجتمعات الأخرى أيضاً.

تتركز اليوم ملكية 90 % من وسائل الإعلام في أيدي ست شركات إعلامية فقط، تسيطر على معظم ما يشاهده ويسمعه ويقرؤه المواطن الأمريكي والأجنبي كل يوم.

زهير عطوف

ولأن التأثير النفسي والسيكولوجي لوسائل الإعلام أصبح يمثّل اليد العليا في صنع الرأي العام وتسويقه وصبغ الشرعية الشعبية على القرارات الحاسمة والحسّاسة في مختلف المجالات، فقد أصبح الناس في الدول الغربية يقبلون ببعض القرارات التي لم تكن تحظى بشعبية كبيرة سابقاً، والتي تؤدي لآثار كارثية على الشعوب الأخرى.

الولايات المتحدة والحريات الزائفة:

الصورة الذائعة على مستوى العالم عن خصائص الحياة في الولايات المتحدة الأمريكية، هي أنها تمكّن المواطن من حرية الاختيار في بيئة من التنوع الثقافي والإعلامي، و يؤدّي الاقتناع التام عند غالبية كبيرة من الأمريكيين بهذه الفكرة إلى جعلهم غير محصنين ضد آليات التضليل الإعلامي. فعلى الرغم من أنه يصعب قياس مدى قدرة الفرد على اتخاذ خيارات حرة من عدمها بدقة، فإنّ وهم حرية الاختيار فيما يتعلّق بالإعلام يعتبر أكثر انتشاراً في الولايات المتحدة الأمريكية من أي مكان آخر في العالم.

معظم الأمريكيين محصورون أساساً ، وإن لم يعوا ذلك، داخل نطاق مرسوم من الإعلام لا اختيار فيه.

زهير عطوف

ويتعزّز هذا الوهم من خلال الميل، الذي يعمد المسيطرون على الإعلام إلى المحافظة على استمراره، إلى الخلط بين وفرة الكمّ الإعلامي وبين تنوع المضمون. ويسهل على المرء بطبيعة الحال أن يعتقد أن الأمة الأمريكية التي تملك 6700 محطة إذاعية تجارية، وما يزيد على 700 محطة تلفزيونية، و 1500 صحيفة يومية ومئات الدوريات، وصناعة سينما تنتج حوالي 200 فيلم جديد سنوياً، وصناعة لنشر الكتب مملوكة لأفراد يبلغ رأس مالها بليون دولار، لابد من أن توفر تشكيلة شديدة التنوع من الإعلام وألوان الترفيه لشعبها.

وحقيقة الأمر أنه باستثناء قطاع صغير جداً من السكان، يحسن الانتقاء ويعرف ما الذي يشاهده ويستطيع بالتالي أن يستفيد من التدفق الإعلامي الهائل، فإن معظم الأمريكيين محصورون أساساً ، وإن لم يعوا ذلك، داخل نطاق مرسوم من الإعلام لا اختيار فيه.

أربع مناقشات لإلغاء التلفزيون:

في سياق متّصل أصدر الكاتب أمريكي "جيري ماندر" كتابا بعنوان "أربع مناقشات لإلغاء التلفزيون"، هذا الكتاب عبارة عن خلاصة لتجربته الطويلة في مجال الإعلام بأمريكا، ماندر كان يملك أقوى شركة إعلانات في العالم وأعظمها، وبقيت لمدة 25 عاماً الأولى على مستوى المداخيل سنوياً، ثمّ وعي بأنه يرتكب جريمة تضليل الرأي العام عن طريق ما ينتجه من الأفلام الإشهارية، فقام بحلّ شركته و تفرّغ لإلقاء محاضرات من أمواله الشخصية، ولم يبع شركته؛ لكي لا يتم استغلالها في تضليل الناس مرة أخرى من طرف مالك جديد، وتفرغ لنشر الوعي ضدّ الإعلام وضد الفلم الإشهاري، وجمع مجموعة من محاضراته في كتابه الضخم الذي تمت ترجمته إلى العربية وسماه "أربع مناقشات لإلغاء التلفزيون".

الصورة اللامرئية لها تأثير قوي على لاوعي الإنسان ومن شأنها أن تحدد سلوك الإنسان واختياراته؛ حيث تنطبع في ذاكرة الإنسان أكثر من الصور الواعية.

زهير عطوف

وتكلّم جني مندر في كتابه عن اللقطة الإشهارية في التلفزيون، وهي الاستثناء والفاصلة في التلفزيون، وفي هذا السياق يبرز مثالاً واحداً مما ذكره مندر؛ حيث قام بتجربة لقياس مدى تأثير الصورة على لاوعي الإنسان، فوجد أن الصورة اللامرئية لها تأثير قوي على لاوعي الإنسان ومن شأنها أن تحدد سلوك الإنسان واختياراته؛ حيث تنطبع في ذاكرة الإنسان أكثر من الصور الواعية- أي الصورة المدركة- التي تتحرك حركة يمكن للعين أن تلتقطها ويشعر الإنسان أنه رآها.

قام مندر بإدراج إشهارٍ خاصّ في فيلم بالسينما لمنتوج وأدخله وسط الفيلم في لقطة دامت أقلّ من ثانية، واتفق مع صاحب الدّكان التابع للسينما والقريب منها أن يأتي بذلك المنتوج الذي مرّ في الإشهار، ولاحظ أن الجمهور عند الانتهاء من الفلم يذهبون بشكل سريع الى المحل، ويطلبون نفس المنتوج الذي مرّ في الإشهار، وعند التحليل اكتشف ان الصورة اللامرئية لها تأثير على لاوعي الإنسان.

تسمح الولايات المتحدة الأمريكية كدولة رأسمالية ليبرالية بهذا النوع من الإشهار التجاري، رغم أنه -كما يرى خبراء الإعلام- إجرام في حقّ الإنسان، وبالرغم من كل مظاهرات المنظمات الحقوقية والمجتمعية ضد هذا النوع من الإشهار فإن شركات الإعلان تستمر في اعتماده، ولم يتمّ سنّ أي قانون يجرمه، إلا أن الأمر يختلف عندما يتعلق الأمر باعتماد هذا النوع من الإعلان في التسويق السياسي ؛ فقد شعر الأمريكيون بالخطر في الوقت الذي أراد فيه الرئيس الأمريكي "ريتشارد نيكسون" أن يستغلّ هذا الترخيص، في مثل هذا النوع من الإشهار، ويعمل صورته في السينما من أجل أن يصوت الناس له، وهنا أحسّ الأمريكيون أن المعرفة أصبحت أداةً للاستبداد السياسي المكشوف، فرغم أن الاستبداد الجنسي والاقتصادي والأيديولوجي مقبول فإن استغلال لاوعي المشاهد للتسويق السياسي غير مقبول، فتدخّل الكونغرس الأمريكي ضدّ الرئيس نيكسون، وسنّ سياسة تمنع منطق التحكم في لاوعي المشاهد للتسويق السياسي.

سلطان الصورة:

والمثال الذي يوضح أكثر مفهوم سلطان الصورة وخطورتها في التسويق، هو دور حمزة بن عبد المطلب في فيلم الرسالة الذي جسّده الممثل عبد الله غيث؛ فبدون معرفة مسبقة تمكننا من مقاومة سلطان الصورة سيصبح الممثل عبد الله غيث هو السلطان أي حمزة في أذهاننا.

ويظهر الامتحان الحقيقي لسلطان الصورة عندما يتم تصوير أفلام لناس عاشوا في القرن العشرين، وتمّ تصويرهم؛ فعندما ينتهي عرض الفيلم تنمحي الصورة الحقيقية، وتبقى الصورة الوهمية، فمثلا صورة الممثل الأمريكي "مورغان فريمان" الذي لعب دور مانديلا طغت صورته التي تم الترويج لها في الإعلام على منديلا الحقيقي نفسه، إذن فمن شأن الصورة الوهمية أن تمحو الصورة الحقيقية نفسها.

السينما واللاوعي العربي:

السينما كذلك هي أداة لتشكيل حياة الناس الأخلاقية، وتعمل بقوة كيدٍ خفيّةٍ لتلقين الأخلاق، وقد نجحت السينما الغربية من خلال تأثيرها العميق على العقل اللاوعي العربي، وخاصة الأطفال والمراهقين، في خلق "مناخ أخلاقي" عالمي للجمهور العربي على نطاق واسع.

شكّلت السينما الطريقة التي ينظر الناس بها إلى ثقافتهم الخاصة؛ على سبيل المثال، شاب مدمن على الأفلام الغربية، في كثير من الأحيان ينظر إلى الثقافة العربية كثقافة متخلفة.

زهير عطوف

وبالإضافة إلى ذلك؛ شكّلت السينما الطريقة التي ينظر الناس بها إلى ثقافتهم الخاصة؛ على سبيل المثال، شاب مدمن على الأفلام الغربية، في كثير من الأحيان ينظر إلى الثقافة العربية كثقافة متخلفة. فالطرق التقليدية للباس والأكل والمعيشة لم تعد توافق "صورة الحياة الحديثة" التي تبثها الأفلام السينمائية. وعلاو ة على ذلك، فإن اللغة المستخدمة ونمط الحياة بين عددٍ كبيرٍ من المراهقين العرب أصبحت تعتمد أساساً على الأفلام التي يشاهدونها، كما تؤثر السينما على كيفية رؤية الناس للقيم الأخلاقية، فعلى سبيل التوضيح، فإن القيمة الأخلاقية "تقدير الآباء" كانت دائما قوية في الثقافة العربية، ومع التركيز المتزايد للأفلام السينمائية على الفردانية والحرية الشخصية، لم يعد الكثير من الشباب العربي تعتبر هذه القيمة الأخلاقية واجبا حيويا تجاه الآباء.

الصور المشوّهة والأشكال النمطية التي صورتها وسوّقتها الآلة الدعائية الهوليودية على شاشاتها لعبت دوراً كبيراً في تأليب الرأي العام ضد العرب والمسلمين وحملت صوراً سيئة في ذاكرة الشعب الأمريكي.

زهير عطوف

وفي هذا السياق قام الأستاذ بجامعة إلينوي الأمريكية اللبناني الاصل "جاك شاهين" بدراسة أكثر من 1000 فيلم أمريكي على مدار القرن الماضي كله، ليخرج بنتائج مذهلة تفسر كيف تنظر هوليوود إلى العرب عبر منظار ضيق وصغير، فمن بين الـ1000 فيلم لم يضع جاك شاهين على قائمة الأفلام الإيجابية –التي تظهر العرب والمسلمين بشكل إيجابي- سوى 12 فيلمًا، من بينهم فيلم Three Kings، وفيلم The 13th Warrior.

وهذا يثبت بجلاء الصور المشوّهة والأشكال النمطية التي صورتها وسوّقتها الآلة الدعائية الهوليودية على شاشاتها، ولعبت دوراً كبيراً في تأليب الرأي العام ضد العرب والمسلمين وحملت صوراً سيئة في ذاكرة الشعب الأمريكي خاصة والعالمي بصفة عامة؛ لأنها تؤسس لمبادئ الكراهية بين بني الإنسان.

يتضح أن هيمنة صناعة وسائل الإعلام والسينما صارت وجهاً من وجوه العولمة الغربية حول العالم، ونماذج لتسويق القيم الغربية، وأيضاً خلق حالة من القبول الشعبي لأهداف النموذج الغربي وقيمه لدى الجمهور العالمي عامة والعربي خاصة؛ حيث يبرز في هذا السياق الهدف الإيديولوجي إلى جانب هدف الربح الذي تدره هذه الصناعة.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي