تَعرَّف دولاً انتصر عليها الأتراك في حروب الاستقلال (Others)

على الرغم من انتصارها في حرب "جناق قلعة" وإفشال محاولات بريطانيا وحلفائها الرامية لاحتلال إسطنبول، خسرت الدولة العثمانية في الأيام الأخيرة من الحرب العالمية الأولى كلاً من فلسطين وسوريا، مما دفع حكومة الاتحاد والترقي لتقديم استقالتها في 8 أكتوبر/تشرين الأول 1918، وهروب قادتها أنور وطلعت وجمال باشا إلى الخارج.

وفي أعقاب الحرب العالمية الأولى، وما نتج عنها من هزيمة لـ"قوات المحور" التي كانت الدولة العثمانية تشكل جزءاً منها إلى جانب الإمبراطورية الألمانية وحلفائها، اعتقدت "قوات الحلفاء" المتمثلة ببريطانيا وفرنسا واليونان وروسيا القيصرية وحلفائهم أنّ الفرصة قد حانت لتحقيق أحلامهم في تقاسم التّرِكة العثمانية. وعلى الفور، وبعد التوقيع على هدنة "موندروس" في نهاية أكتوبر/تشرين الأول 1918، أجبرت الدول الغربية الحكومة العثمانية على القبول بتوقيع معاهدة "سيفر" في 10 أغسطس/آب 1920، والتي بشروطها القاسية والمجحفة أسست لبداية حقبة الاحتلال الغربي للأراضي التركية.

وتزامناً مع الاحتلال الغربي لأراضي الأناضول ورومالي والعاصمة إسطنبول، أشعل مصطفى كمال أتاتورك رفقة أصدقائه بالسّلاح شرارة النضال الوطني التركي وحروب الاستقلال التي استمرت قرابة 4 أعوام، من منتصف عام 1919 لغاية انسحاب آخر جندي إنجليزي من إسطنبول في 4 أكتوبر/تشرين الأول 1923.

حقبة الاحتلال

تنفيذاً لشروط المعاهدة المُجحفة، تقاسمت دول الحلفاء أراضي الدولة العثمانية فيما بينها، حيث احتلت بريطانيا المدن الواقعة جنوب تركيا وجنوب شرقها بهدف ربطها بالعراق الخاضع للاحتلال البريطاني آنذاك، واحتلت فرنسا المناطق والمدن الواقعة في جنوب غرب تركيا ومن أهمها أنطاكيا ومرسين وأضنة ومرعش، واحتلت إيطاليا الشريط الساحلي الغربي وصولاً لعمق الأناضول، ومن أهم المدن التي استولت عليها مدينة أنطاليا وموغله، وسيطرت أرمينيا بدعم روسي على الجزء الشرقي كمدينة قارص بهدف توسيع مناطقها.

وبنفس الطريقة التي احتلت بها بريطانيا وفرنسا وإيطاليا وأرمينيا أجزاءً من الأراضي التركية بجانب العاصمة إسطنبول وقتها، استولت اليونان على مدينة إزمير في الغرب والمدن الواقعة في شمال غرب بحر مرمرة المتمثلة بإقليم تراقيا.

ولم تكتفِ اليونان بالاستيلاء على تلك المناطق وحسب، بل تحرّكت بدعم من فرنسا وبريطانيا لاحتلال أنقرة، المدينة التي أعلنها أتاتورك عاصمةً للمقاومة التركية وأقام بها البرلمان التركي عام 1920، بغرض السيطرة عليها وإغلاق البرلمان التركي بعد إلحاق الهزيمة بالمقاومة التركية، وإجبارها على القبول بشروط معاهدة "سيفر" التي تقرّ بالاحتلال الغربي وتمنع جميع أشكال المقاومة.

أتاتورك يُشعل شرارة النضال الوطني

كان مصطفى كمال أتاتورك قائداً للجيش التركي الذي كان يدافع عن الحدود الجنوبية للدولة العثمانية، لكنه بعد مشاهدة بلاده تتفكك وتُنهش من قوى الاستعمار الغربي، قدّم أتاتورك استقالته من منصبه كقائد في الجيش في 10 نوفمبر/تشرين الثاني 1918 وتوجّه بالقطار من مدينة أضنة إلى إسطنبول، وكلُّ تفكيره ينصبّ حول كيفية تحرير بلاده من الاحتلال الغاشم.

وما أن وصل إسطنبول ورأى المحتل من كثب ووصلته أخبار احتلال اليونانيين لمدينة إزمير، حتى قرر ركوب سفينة "بندرما" متوجهاً من إسطنبول إلى مدينة صامسون شمال تركيا لحثّ المقاومة الوطنية على تسليم السلاح والخضوع لقوى الاستعمار.

وفور وصوله صامسون يوم 19 مايو/أيار 1919، وعلى عكس الأوامر الموكلة إليه، حشد الشعب وبقايا الجيش التركي المتفكك حينها لمواجهة قوى الاستعمار الغربي، وكانت خطبته في صامسون هي الشعلة لبداية أعظم حروب التحرير والاستقلال على مستوى العالم، والتي جسّدتها عبارته الشهيرة "إما الاستقلال أو الموت".

انتصارات متتالية

خلال حرب التحرير التركية الممتدة من 19 مايو/أيّار 1919 ولغاية توقيع معاهدة "لوزان" يوم 24 يوليو/تمّوز 1923، بين الحركة الوطنية التركية بقيادة أتاتورك ودول الحلفاء ووكلائهم، تمكّنت قوات "الحركة الوطنية التركية" من هزيمة الفرنسيين في الجنوب، وعلى الجبهة الشرقية صمدت القوات التركية بقيادة كاظم قره بكير، ودافعت عن الأناضول ضد الهجوم الروسي عبر الأراضي الأرمينية، وعلى الجبهة الغربية واجهت القوات اليونانية مقاومة تركية باسلة بقيادة عصمت باشا في جيش نظامي ألحق باليونايين هزائم نكراء في معركتي "إينونو" الأولى والثانية.

وقدّم الشعب التركي رفقة الجيش تضحيات عظيمة في معركة "سقاريه" الملحمية التي انتهت بهزيمة الجيش اليوناني المحتل في 13 سبتمبر/أيلول 1921، والتي اعتُبرت بداية النهاية لحقبة الاحتلال اليوناني، التي انتهت فعلياً بانتصار المقاومة التركية في معركة "دوملوبينار" في 30 أغسطس/آب 1922 وتحرير إزمير في 9 سبتمبر/أيلول 1922، وانتهت رسمياً بعد التوقيع على هدنة "مودانيا" في 11 أكتوبر/تشرين الأول 1922.

وفي ختام الحرب العسكرية، بدأ الأتراك حرباً دبلوماسية وسياسية بقيادة عصمت إينونو، الرئيس الثاني للجمهورية التركية، اختُتمت بتوقيع معاهدة "لوزان" في 24 يوليو/تمّوز 1923، التي مهّدت الطريق أمام إعلان الجمهورية التركية المستقلة.

وأثناء خطابه أمام البرلمان التركي بأنقرة في 28 أكتوبر/تشرين الأول 1923، خاطب أتاتورك نواب البرلمان قائلاً: "يا سادة سنُعلن غداً قيام الجمهورية التركية".

TRT عربي
الأكثر تداولاً