غزة (AFP)

من تركيا إلى أوروبا ومن الهند إلى أمريكا يجلس فلسطينيون من قطاع غزة مغتربون في الخارج أمام شاشات التلفزة الإخبارية على مدار الساعة لمتابعة أخبار الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة. يسارعون إلى مهاتفة أهاليهم عند معرفة حدوث قصف قرب منازلهم، يحبسون أنفاسهم ويتضرعون إلى الله قبيل كل اتصال بأن لا يحمل خبراً يفجعهم بقريب أو عزيز، يشعرون بالخوف والقلق والعجز على مدار الساعة ويتمنون لو أنهم كانوا بين أهاليهم ولو تحت القصف معتبرين أن ذلك أهون عليهم من شعور العجز.

وللتغلب على هذا الشعور جند هؤلاء المغتربون أنفسهم في الجيوش الإلكترونية التي تسعى لفضح الجرائم الإسرائيلية وإيصال معاناة الشعب الفلسطيني إلى العالم، فهم يُعتبرون رأس الحربة بمواجهة الدعاية الإسرائيلية التي تهدف إلى تشويه الحقيقة وتزوير الوقائع ولصق تهمة الإرهاب بالشعب الفلسطيني وتبرير قتل الأطفال والمدنيين، لا سيما أن معظمهم مغترب بهدف التعليم ويجيدون عشرات اللغات، وشكَّل حضورهم هذه المرة إضافة نوعية ساهمت في إضعاف الرواية الإسرائيلية والتفوق عليها في الكثير من الساحات الدولية التي كانت تتفرد بها الدعاية الإسرائيلية.

وعلى الرغم من قلقهم وخوفهم على أهاليهم وصعوبة التواصل معهم نتيجة القصف الإسرائيلي الكثيف والمتواصل الذي يسبب انقطاع الكهرباء والإنترنت والاتصالات بشكل عام، يخوض المغتربون معركة شرسة متسلحين بقدراتهم التكنولوجية ومعرفتهم الجيدة باستخدام مواقع التواصل الاجتماعي لكون أغلبهم من جيل الشباب، واللغات المختلفة التي يجيدونها من الإنجليزية إلى الإسبانية وصولاً إلى الهندية والصينية وعشرات اللغات الأخرى، بالإضافة إلى امتلاك هذا الجيل وعياً وذكاء أكبر في طريقة مخاطبة الشعوب المختلفة بالطريقة التي تناسبها.

أجرت TRT عربي لقاءات مع مجموعة من المغتربين الفلسطينيين الذين عايشوا حروباً سابقة في غزة ولا تزال عائلاتهم تعيش الحرب الحالية، فيُجمعون على أن "شعور العجز وحجم الخوف والقلق الناتج عن متابعة الحرب من الخارج أصعب بكثير من معايشتها على أرض الواقع".

أحمد من تركيا

أحمد النبيه ناشط إعلامي فلسطيني وباحث دراسات عليا مقيم في إسطنبول، يرى أن العالم كله يترقب ما يحدث في القدس وغزة وبالأخص الفلسطينيون أنفسهم فجهودهم تضاعفت بالخارج وهم يتابعون من كثب كل ثانية ولحظة ما يحدث من جرائم الاحتلال الإسرائيلي في كل أنحاء فلسطين.

أحمد الذي حضر ثلاث حروب متتالية وهو في غزة يعلق: "لم يحدث مثل هذه الحرب التي يعيشها الغزيين من قبل، وعندما قُصف منزلنا في 2014 أمام أعنينا وأُصبنا بجراح صبرنا واحتسبنا وعاد البيت أجمل من السابق، لكن العدو هذه المرة يقصف البيوت على رؤوس أصحابهم وكلهم من الأطفال والنساء، وهنا دورنا أن نرصد الانتهاكات الإسرائيلية ونقدم ما بوسعنا من وسائل النشر عبر حسابتنا الشخصية لدعم الفلسطينيين وإيصال أكبر قدر ممكن من الرسائل مثل تفعيل خاصية البث المباشر، والتغريدات، ومشاركة الصور والفيديوهات جميعها خدمةً ونصرةً لبلدنا".

ويقول: "القضية الفلسطينية ستظل القضية الأولى حتى ينال الشعب الفلسطيني حقوقه، وقد اندلعت شرارة الأحداث الحالية من هاشتاغ حي الشيخ جراح وما يفعله المحتل من تهجير الفلسطينيين من بيوتهم، والآن الصورة وصلت واكتملت بفعل جهود كل شاب قاوم بالكلمة -وهو أقل ما نقدمه ونحن بعيدون عن الأهل وموقع الحدث سواء بالقدس أو غزة- وتفعيل البث الحي والهاشتاغ من الفلسطينيين في الخارج والداخل حتى وصلت إلى بقية الشعوب التي أعربت عن تضامنها لينال الشعب الفلسطيني حقوقه حسب التشريعات والقوانين الدولية المتعارف عليها".

نسمة من بلجيكا

نسمة حمتو صحفية كانت تعمل في غزة وهي الآن مقيمة في بلجيكا تتابع كل صاروخ يقصف على أحياء غزة لتعود بها الذاكرة إلى صوت الطائرات الحربية الإسرائيلية الذي لم ينسه أي فلسطيني مغترب عاش تلك اللحظات من الصور والقتل وتهجير العائلات هرباً من الصواريخ، قائلة: "في الحقيقة مرت ثلاثة أعوام منذ غادرتُ غزة ولكن لا يزال قلبي يتوقف مع كل ضربة تتوجه إليها كأننا نعيش معهم، نرى الفيديوهات القصيرة للعائلات المكلومة ونبكي بحرقة لأننا لا نستطيع فعل شيء".

وتقضي نسمة يومها بأكمله تتصفح وسائل التواصل الاجتماعي، حتى باتت لا تغفو إلا وهاتفها النقال بجانبها خوفاً من أن تسمع خبر فقد عزيز من الأقارب والأصدقاء، وتؤكد أن تفاعلاً كبيراً حدث على منصات التواصل الاجتماعي من قبل المواطنين والنشطاء، تنوع بين إعادة نشر الفيديوهات والصور التي تفضح سياسات الاحتلال الهمجية وتعزز ثقافة المقاومة الشعبية بالكلمة.

وتشارك نسمة بوصفها مغتربة فلسطينية كل ما بوسعها للدعم، قائلةً: "أكتب عن شعوري وأنا بعيدة عندما أرى صور الشهداء والجرحى، أحاول إيصال صوت غزة عبر الهاشتاغات، وإيصال صوت غزة إلى العالم، وفضح جرائم المحتل، وإخبار العالم بأن الأطفال والنساء وبيوت المدنيين هي بنك أهداف إسرائيل

وأوضحت نسمة وجود تجاوب مع القضية الفلسطينية من الشعب البلجيكي وأنه يعرف الحقيقة الكاملة تجاه الفلسطينيين، وبرز تضامنه مع الفلسطينيين بمشاركة الصور ونقل الأحداث عبر صفحاتهم، معربة بالقول: "البلجيكيون يعرفون أن غزة لا تمتلك الأسلحة الكافية لمحاربة إسرائيل وأن الأخيرة مدعومة من أمريكا وأعوانها".

وتبين نسمة أن الاحتلال فشل بمحاربة هذه العتبات، وهي منصات التواصل الاجتماعي والنشطاء الفلسطينيون والأوروبيون الذين لهم دور كبير بتوجيه البوصلة نحو ما يحدث بغزة، وهو كفيل بحشد الحراك الشعبي والعالمي، حتى إن كان جسد الفلسطيني بعيداً عن وطنه فبقلبه وعقله يساند أهله بكل الطرق ليوصل رسالتهم وصوتهم إلى العالم.

مفاز من الهند

الفلسطينية في الهند مفاز يوسف التي لا تعرف معنى للراحة والنوم وقلبها لا يزال قلقاً على أهلها بغزة وهي بعيدة لا تمتلك أي شيء لهم غير الصلاة والدعاء، معتبرةً أن هذا شعور أشبه بالعجز وقلة الحيلة.

وأول أمسيات عيد الفطر وعلى أصوات صواريخ الاحتلال الموجهة إلى بيوت الغزيين تتواصل "مفاز" مع إخوتها بغزة وتخاف أي اتصال أو رسالة تأتي فقد تكون خبر استشهاد أحدهم، تقول: "عندما أتحدث مع أهلي يعتصر قلبي ألماً فأصواتهم متعَبة من قلة النوم وكثرة الصراخ تقول لي أختي بصوت مخنوق: (الله كتب لنا عمر جديد إحنا بنموت يختي!)".

وحول المدى الذي يبذله المغترب الفلسطيني لدعم أبناء شعبه عبر منصات المواقع التواصل الاجتماعي تحاول "مفاز" عبر صفحتها بفيسبوك وإنستغرام نقل ما يجري لتصل الصورة الحقيقية إلى أكبر عدد ممكن، كما تؤكد أهمية مواقع التواصل الاجتماعي التي لعبت دوراً كبيراً وفعالاً وأثبتت نجاحها في نقل الرواية الفلسطينية وهو واجب وطني على كل عربي حر أن يساهم في الحملات الإلكترونية لإيصال صوتنا إلى العالم وتكذيب رواية الكيان الصهيوني.

وتؤكد "مفاز" أن القضية الفلسطينية هي قضية عربية وقضية العالم أجمع ونشر ما يجري من ظلم بحق الفلسطينيين هو واجب وطني ليس مقتصراً على الصحفيين والنشطاء بل أمانة في عنق كل مواطن، قائلة: "نحن بحاجة إلى أن نضع أيدينا بأيدي بعضنا في هذه المحنة، والكل يجب أن يشارك على طريقته الخاصة بـ(صورة - كلمة - هاشتاغات - فيديو) لإيصال صوتنا إلى العالم لعله يتحرك ويستفيق من نومه العميق".

وتستعد "مفاز" لكتابة القصص الحية من قطاع غزة وتوثيقها باللغتين الإنجليزية والهندية بإحدى المجلات المحلية التي تحدثت عن تجاوزات الاحتلال الإسرائيلي بالحرب على غزة، ليكون مصدراً تاريخياً للمواطنين الهنود.

ويذكر أن مشكلة متكررة يومياً تعانيها غزة هي انقطاع الكهرباء ينتج عنها انقطاع الإنترنت، وهي الصعوبة الكبرى التي يواجهها معظم الغزيين في الخارج بالتواصل مع أهاليهم، مما يزيد قلقهم عند توقف الاتصال بهم.

سارة من كندا

تسعى الفلسطينية سارة أبو شعبان في كندا عبر حسابها بتويتر لمساندة غزة ونقل ما يجري من أحداث والكتابة باللغة الإنجليزية لفهم ما يجرى من تشويه لحقائق متعلقة بالقضية الفلسطينية منذ النكبة وقيام الكيان الصهيوني على أنقاض فلسطين التاريخية عام 1948، وهو لا يزال يستهدف أراضيهم ومنازلهم بحي الشيخ جراح.

وتتمنى "سارة" أن تعيش الحرب الرابعة كما عاشت الحروب الثلاثة لكن القدر كان الفاصل هذه المرة وما باليد حيلة غير الدعاء لهم، قائلة: "التوتر والغضب ونحن بالغربة يسيطران على شعورنا، شعور قاسٍ لا يوصف كنت أتمنى أن أكون معهم، (اللي بسير عليهم يسير علينا)".

وتعتقد "سارة" أن منصات التواصل الاجتماعي أبرزت بصمة النشطاء وعموم الفلسطينيين ووعيهم بأهمية تحريك القضية وفضح ممارسات الاحتلال والكشف عن بنك الأهداف في غزة الذي كان من الأطفال والنساء، لذلك فإن الهدف الأساسي منها هو العمل من أجل مجابهة الإعلام الإسرائيلي في الغرب بطرق جديدة وأن تضاف أصوات جديدة غير اللغة العربية بلغات عدة لتأييد الرواية الحقيقية الفلسطينية.

TRT عربي