لا يحلُم أطفال إدلب السورية إلاّ بشيءٍ واحد: القدرة على متابعة تعليمهم. فقد أدّى قصفُ نظام الأسد إلى التأثير بشدّة على تعليم عشرات الآلاف منهم.

أدّى هجوم نظام الأسد على إدلب إلى عرقلة العملية التعليمية بالنسبة لعشرات الآلاف من الأطفال السّوريين، الذين يواجهون عقباتٍ حقيقية في محاولاتهم للدراسة.

ويقول المعلّمون في إدلب إنَّ حملة القصف التي يشنّها نظام الأسد على المنطقة الخاضعة لسيطرة المعارضة قد أثرت بشدة على تعليم عشراتِ الآلاف من الأطفال السوريين.

ومنذ أواخر أبريل/نيسان الماضي، يستهدف نظام الأسد والطائرات الحربية الروسية مناطق مكتظةً بالسّكان، مما أدى إلى وقوع مئات الخسائر في صفوف المدنيين، وإجبار ما يصل إلى 250 ألف شخص على النزوح.

وتطال الهجمات مناطق خفض التصعيد التي حددت باتفاقٍ بين كلٍ من تركيا وروسيا عام 2017.

جزءٌ كبير من المعرَّضين للخطر جاء إلى إدلب هرباً من قوات الأسد أو من اضطهاد نظامه في مناطق أخرى من سوريا، ممّا يعني أنَّ هذه هي المرة الثانية التي يضطرون فيها للنزوح داخل بلدهم.

أما بالنسبة لصغار السّن، فهذا يعني تضييع سنواتٍ أخرى بسبب الحرب.

أطفال سوريون هاربون من قصف الأسد في إدلب. ماي 2019
أطفال سوريون هاربون من قصف الأسد في إدلب. ماي 2019 (AFP Archive)

في هذا السّياق، يقول خليل سالم البالغ من العمر 17 عاماً، والطالب بالمرحلة الثانية عشرة، لـTRT: "نزحتُ من الغوطة في العام الماضي وفوَّتُ عامين من المدرسة بسبب القصف. بعد أن وصلنا إلى إدلب، تمنيتُ أن أستكمل دراستي هنا في سلام".

ويؤكّد سالم أنَّ دراسته تعطلت "عشرات" المرات منذ بدأت الحرب، آخرُها بعد بداية الهجوم الحالي.

لم تكن ظروف الدراسة بعد الوصول إلى إدلب مثاليةً على الإطلاق بالنسبة له، فقد حلَّت المساجد والبنايات الأخرى محلّ مباني المدارس الأصلية واستضافت عمليات الدراسة؛ إلا أنَّ اندلاع الهجمات مرة أخرى أزال هذا الخيار أيضاً.

ويقول سالم: "اضطررنا لترك منازلنا مرّةً أخرى خلال الأسبوع الماضي، ويبدو أنَّنا سننزحُ إلى الجبال. ولا أعرف متى يمكنني الذهاب إلى المنزل مرّةً أخرى أو متى يمكنني خوض اختباراتي المدرسية. أريد أن أتعلّم، أريد أن ابني مستقبلاً، وأن أكون قادراً على مساعدة عائلتي في المستقبل".

ويضيف: "أتمنى أن أعود إلى المدرسة. أحبّ الرياضيات وأريد أن أدرس الهندسة المدنية في المستقبل؛ لكن متى وكيف سيحدثُ ذلك ... الله أعلم!".

مغلقةٌ بحكم القوة

لم تسلم المدارس من حملات القصف التي يشنّها نظام الأسد وحلفاؤه، بل إنَّها في الحقيقة استُهدفت بشكل منتظم منذ بداية الحرب. وحتى في الأوقات الهادئة نسبياً، يضطرّ المعلّمون والطلبة إلى التعايش مع خطر استهدافهم.

ويقول بهاء بدوي (29 عاماً)، معلّم اللغة العربية من معرَّة النعمان، إنَّ مدرسته اضطُرت للإغلاق بعد شنّ النظام لغاراتٍ على مكانٍ قريب منها.

أطفال سوريون هاربون من قصف الأسد في إدلب. 19ماي 2018
أطفال سوريون هاربون من قصف الأسد في إدلب. 19ماي 2018 (AFP)

يروي القصّة لـTRT قائلاً: "في الأسبوع الماضي أثناء إحدى الحصص، ضربت غارة جوية القرية واضطُررنا لإغلاق المدرسة. كنّا نراجع الدروس استعداداً للاختبارات التي يحين موعدها بعد رمضان؛ لكن ليس بإمكاننا متابعة ذلك بعد الآن".

ويسترسل "لسنا متأكدين من قدرتنا على فتح المدرسة تحت مثل هذه الظروف".

ويضيف بدوي أنَّه يلوم نظام الأسد وحليفته روسيا على هذا الوضع. ويقول: "لا يملكون الشرف ليُبعدوا طائراتهم الحربية عن المدارس والمستشفيات".

المنازل والمساجد

وفقاً لعلاء ظاظا، الذي يرأس منظمة "حُرَّاس" غير الهادفة للربح التي تعمل على حماية الأطفال السّوريين، فإنَّ ما لا يقل عن 187 مدرسة أُغلقت في إدلب وما حولها خلال الأسابيع الستّ الماضية. والأخطر أنَّ هذا الإغلاق يأتي مع اقتراب موسم الاختبارات.

ويقول ظاظا إنَّهم يحاولون تعويض هذا الإغلاق من خلال جمع الطلبة في منازلهم وفي المساجد لضمان استمرار العملية التعليمية.

ويضيف: "تدرّب معلّمونا وعمَّال الطوارئ لدينا على إجراءات التعامل مع وقوع أي هجوم، وهي تتضمن عادةً الاحتماء بالأقبية تحت الأرض لتقليل الخطر المحدق بهم".

ويؤكّد ظاظا أنَّ المتطوعين نجحوا في تأسيس 19 مدرسة طوارئ تخدم 1,100 طالب من النازحين بسبب الصّراع الدائر، مع خططٍ لفتح مدارس صيفية لتعويض مَن فاتتهم بعض الدروس منهم.

لكنه حذَّر من أنّ حملة نظام الأسد قد تترك أثرها لسنواتٍ قادمة، مشيراً إلى الأثر النفسي للحرب.

ووفقاً لمنظمة اليونيسف، فقد فرَّ أكثر من 2.5 مليون طفل سوري من البلاد منذ بداية الصراع. وتقدِّر بعض المنظمات عدد المقتولين بأكثر من 20 ألفاً.

المصدر: TRT عربي