بورتريه للممثلة جوزيفين بيكر (AFP)

يعد "البانثيون"، أو مقبرة العظماء الفرنسية، أحد أكبر التشريفات التي يمكن أن تحظى بها شخصية فرنسية، سياسية كانت، علمية أو أدبية. حيث يضم بناؤها الواقع في قلب باريس جثامين 80 بطلاً وطنياً فرنسياً، بينهم العالمة ماري كوريه والكاتب الشهير فيكتور هوغو، إضافة إلى لويس برايل مخترع الكتابة للعميان وجان جوريس مناهض الحرب العالمية الأولى.

فيما تعد سابقة أن ينقل جثمان امرأة ذات بشرة سمراء إلى تلك المقبرة، ذلك ما تمت الموافقة عليه من قبل السلطات الفرنسي، بأن تنقل رفاة الممثلة والمناضلة ضد العنصرية والنازية، جوزيفين بيكر، إلى هناك. في لفتة تكرم ميراث المرأة الزاخر ومساهماتها الإنسانية الكبيرة، كما رد الاعتبار للشخصيات ذات البشرة السمراء.

جوزيفين بيكر إلى "البانثيون"

حسب ما أوردته تقارير إخبارية، ستنضمّ الفنانة الأمريكية الفرنسية جوزفين بيكر، الوجه البارز في المقاومة الفرنسية ومكافحة العنصرية، إلى مقبرة العظماء الفرنسية خريف هذه السنة. ونقلاً عن أوساط الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، فإن بيكر ستنقل إلى هناك في 30 تشرين الثاني/نوفمبر، لتصبح بذلك أول امرأة ذات بشرة سمراء تسكن رفاتها "البانثيون" الشهير.

فيما كانت قد كشفت يومية "لو باريزيان" موافقة الرئيس ماكرون على هذا الإجراء نزولاً عند طلب شخصيات فرنسية وازنة، من بينها الروائي باسكال بروكنر والمغني لوران فولزي والكاتب لوران كوبفرمان، فضلاً عن براين بويون-بيكر أحد أبناء جوزفين بيكر.

ويذكر قبلها أنه جرى إطلاق عارضة مطالبة بإلحاق جثمان بيكر بـ"البانثيون"، حظيت بزخم كبير، إذ جرى توقيعها من قبل أكثر من 34 ألف شخص. حيث تقول هذه العارضة بأن "جوزفين بيكر، الفنانة وأوّل نجمة عالمية سوداء ملهمة الحركة التكعيبية والمقاومة خلال الحرب العالمية الثانية في صفوف الجيش الفرنسي والمناضلة مع مارتن لوثر كينغ من أجل الحقوق المدنية في الولايات المتحدة وأيضاً في فرنسا إلى جانب ما بات يُعرف لاحقاً بالاتحاد الدولي لمناهضة العنصرية ومعاداة السامية.. تستحقّ أن تكون في البانثيون".

هذا ودأبت عائلة بيكر منذ سنة 2013 على المطالبة بضمها إلى "البانثيون"، لكن ضم شخصية إلى هناك يحتاج إلى موافقة رئيس الجمهورية حصراً. فيما شكرت وزيرة الصناعة الفرنسية، أنييس بانييه-روناشيه الرئيس الفرنسي الأحد وقالت إن بيكر "سيدة عظيمة تحب فرنسا". وقالت إحدى الناشطات في حملة المطالبة تلك، جينيفر غيدون، إن القرار رفع مكانة بيكر التي "لا يعرفها البعض إلا كنجمة عالمية".

من تكون جوزيفين بيكر؟

تنحدر جوزيفين بيكر من عائلة عاشت تحت نير العبودية بالجنوب الأمريكي، هي التي ولدت بسانت لويس ميزوري سنة 1906، دفعها فقر عائلتها المدقع إلى محاولات هروب عديدة، كان أولها إلى الزواج وهي في سن 15، ثم الالتحاق بفرقة للمسرحيات الشعبية. هناك ستتلقفها أنظار أحد المنتجين ليجعل منها الممثلة الاستعراضية التي ذاع صيتها في العالم.

انتقلت بيكر إلى باريس وهي في سن التاسعة عشرة، حيث اشتهرت في أوساط العروض الغنائية الاستعراضية المعروفة بـ"روفي نيغر"، التي ساهمت وقتها في رواج الجاز وثقافة الأمريكيين السود في فرنسا. وحظيت بألقاب عدة داخل الوسط الفني، منها "اللؤلؤة السوداء" و"فينوس البرونزية". إضافة إلى كونها الممثلة الاستعراضية الأعلى أجراً في باريس ذلك الوقت.

تخلت بيكر عن جنسيتها الأمريكية مقابل الفرنسية، الأمر الذي سيدفعها بعد سنتين إلى خوض غمار الدفاع عن وطنها الجديد ضد الغزو النازي. فالتحقت بصفوف المقاومة الفرنسية سنة 1939، وكانت عميلة مخابرات استخدمت صلاتها بالمشاهير لجمع معلومات عن تحركات القوات الألمانية كي تمرّرها سرًا مكتوبة بالحبر المخفي على مقطوعات موسيقية. كما عُيّنت أيضاً في مرتبة رفيعة في صفوف الفرق النسائية المعاونة للقوات الجوية الفرنسية. نالت على ذلك الشرف الفرنسي الذي وشحها به الرئيس السابق شارل دوغول، ووساماً عسكرياً آخر وميدالية المقاومة.

بعد ذلك كرَّست بيكر حياتها للنضال داخل حركة المطالبة بالحقوق المدنية ومناهضة العنصرية بأمريكا، حيث ستتعرض لتهديدات كثيرة بالقتل من حركة "كو كلوكس كلان" العنصرية. ومع ذلك أخلصت فنها للدفاع عن تلك القضية، رافضة أن تقدمه لجمهور من داعمي الفصل العنصري. سنة 1963، شاركت جنباً إلى جنب مع زعيم حركة الحقوق المدنية، مارتن لوثر كينغ، في مسيرة واشنطن التي ألقى خلالها خطابه الشهير "لدي حلم". توفيت بيكر عام 1975 وكرمت بجنازة عسكرية.

TRT عربي
الأكثر تداولاً