متظاهرة كولومبية تروي لـTRT عربي يومها (Luis Robayo/AFP)

مر ما يقارب شهرين على اندلاع الانتفاضة الكولومبية، هذا البلد اللاتيني الذي يعيش على وقعها منذ أن قرَّرت حكومته فرض ضرائب جديدة على المواطن المسحوق أساساً تحت وقع تفشي البطالة وانحدار مستويات العيش، ما دفعه إلى الخروج للتعبير عن غضبه من هذا الواقع. فيما لم يكن رد الحكومة سوى القمع، الذي بلغ حد القنص بالرصاص الحي، والاختفاءات القسرية لمتظاهرين لم يُعرف مصيرهم لحد الآن .

فيما الآمال في التغيير، كل الآمال لا زال يبنيها الشعب الكولومبي على احتجاجاته في الشارع، حتى بعد أن سحبت الحكومة مشروع الزيادات الضريبية التي أقرتها من قبل، لا زال برميل البارود يشتد احتراقه، والعديد من المطالب بقيت معلقة، على رأسها "منح الشباب فرصاً للشغل وإنهاء العنف البوليسي"، كما تقول ستيفاني مالدونادو بيريز، من النشطاء في الاحتجاجات الكولومبية الأخيرة، متحدِّثة لـTRT عربي عن يوميات الاحتجاج بكولومبيا.

ليالي بوغوتا الملتهبة

"من الصعب أن تحافظ على سلامتك النفسية وأنت تشاهد كل شيء حولك ينهار" تخبرنا ستيفاني مالدونادو بيريز (29 سنة)، الشابة الكولومبيَّة من سكان العاصمة بوغوتا، والتي اختارت هي الأخرى أن تكون حنجرة من بين الحناجر التي صدحت حيفاً، تعيشه هي ورفاقها في المواطنة.

مهتمة بالأدب الذي أنهت دراستها الجامعية فيه، وتخرَّجت لتواجه واقع ندرة فرص العمل. وتضيف "كنَّا نتظاهر بسلمية، إلى حين تخللنا رجال شرطة بزي مدني، أخذوا يقمعوننا لتفريق المسيرة، ضرباً بالعصي واللكمات، الذي سرعان ما تحوَّل إلى إطلاق نار عشوائي علينا وعلى المارة والبيوت المحيطة".

متظاهرة كولومبية تروي لـTRT عربي يومها (Others)

قمع وصفه تقريرٌ حديث لـ"هيومان رايتس ووتش بـ"المتكرر والعشوائي، الذي يستهدف المحتجين السلميين، باستعمال القوة المفرطة بما فيها الرصاص الحي".

فيما تحكي ستيفاني عن يومها الاحتجاجي في بوغوتا، حيث "لم يكن هنا مسار محدد للمظاهرة، ولا بؤرة واحدة، ما كان يلزمني المشي لكيلومترات عديدة كي أصل إليها"، فيما لم تكن المسافة العناء الوحيد بل "مناخ بوغوتا المتقلب جداً، بين الصحو والأمطار الغزيرة، كان الإرهاق التام يحل بك عند العودة من المظاهرة"، لكَّن "كل هذا لم يكن ليوقفنا، بل كنا نرافقه بالغناء: لتشرق الشمس أو تمطر السماء، إضرابنا سيستمر".

السماء لم تكن تمطر مطراً فحسب، بل رصاصاً أيضاً وقنابل مسيلة للدموع، لكن عندما يحل الليل "كان يحل معه الرعب"، فتبدأ قوات الشرطة والجيش في تفريق المتظاهرين، وتتصاعد وتيرة المواجهات "حيث يقوم الشباب في الخطوط الأمامية بصد هجومات الشرطة ببسالة، مكونين سداً منيعاً لطالما حل بيننا وبين الموت"، مع ذلك "كانت لحظات مفزعة ونحن نراهم يتساقطون تحت قنص قوات الشرطة، مصابين أو قتلى، كنا نراهم مضرجين بدمائهم، يحملون فوق الأعناق ليحل محلهم آخرون ممكن أن يلقوا المصير نفسه". تقول المتحدِّثة.

وتردف: "بعد نهاية اليوم كنا نعود إلى بيوتنا منهكين، نستعيد كل الأجواء الحماسية التي مرَّت في المظاهرة، وكل الغناء والأشعار والهتافات التي عبَّرنا فيها عن آلامنا. لكن الرعب ظل ثابتاً، حاضراً حتى ونحن على أفرشتنا هانئين، عندما نفكر بأن في مدن ككالي ويومبو القمع هناك يتواصل طوال ساعات اليوم الأربع والعشرين وعلى طول أيام الأسبوع السبعة". تختم ستيفاني حديثها لـTRT عربي.

كالي مدينة الرعب

وتبقى أرقام القتلى والمختطفين محط تضارب بين المصادر، فيما عدَّها تقرير "هيومان رايتس ووتش" بـ"العشرات"، حسب تقرير لـFinancial Times "أغلبهم دون سن الـ25، وأصغرهم لم يتعدَ الـ13 ربيعاً". في حين أن أكثر مدينة شهدت قمعاً دموياً طوال فترة الاحتجاج هذه، كانت كالي، المدينة ذات 2.3 مليون نسمة والواقعة جنوب غرب البلاد.

حيث يورد تقرير Financial Times ذاته عن أحد النشطاء الحقوقيين بكالي، أنها "كانت البؤرة الرئيسية للاحتجاجات التي اجتاحت البلاد"، بالمقابل كان قمعها هو الأعنف حيث "كان هنالك عدد كبير من قوات الأمن مدججين بالسلاح، يتجوَّلون بين أزقتها ويطلقون النار على المدنيين الذين كانوا يمارسون حقَّهم الشرعي في الاحتجاج". كما شوهد كذلك أشخاص بلباس مدني يطلقون النار أيضاً على المتظاهرين.

فيما يرجع مراقبون التصاعد الكبير للعنف في كالي، إلى الفقر والتفاوتات الطبقية المتفشيَّة بين ساكنتها، بشكل يفوق باقي المدن الكولومبيَّة. وإلى انتشار العصابات الإجرامية بها وكارتيلات الاتجار بالمخدرات، إذ تعدُّ أحد أهم المراكز لتهريب الكوكايين، فيما تتقاطع مصالح هذه العصابات في كثير من المرات مع مصالح الطبقة السياسية. هكذا ترجع هويَّة أصحاب الزي المدني الذين قمعوا المحتجين إلى رجال تلك العصابات الإجرامية.

وتبرِّر الحكومة ببوغوتا القمع والتقتيل الذي حدث بكونه راجعاً إلى اختراق المظاهرات من طرف مخربي جماعة FARC اليسارية المتمردة، والتي طبع تمردها المسلَّح فترة حقبة طويلة من تاريخ البلاد الدموي، إلى حدود سنة 2016 مع توقيعها معاهدة سلام مع الحكومة وقتها.

TRT عربي
الأكثر تداولاً