تتجه السيدات في قطاع غزة إلى اقتحام مجالات عمل مختلفة من أجل إعالة أسرهن، بخاصّةً في ظلّ الظروف الاقتصادية الصعبة التي يمر منها القطاع منذ 13 عاماً والتي تسمى بسنوات الحصار المريرة.

غزة ــــ تمارس السيدات في غزة مختلف المهن والحرف التي قد تصنّف بمهن خاصة بالرجال من وجه نظر المجتمع، غير أنّهنّ يتحمّلن ذلك، نظراً إلى التحديات التي تقف عائقاً أمام تحقيق النساء لذواتهنّ، وتوفير أساسيات الحياة لأسرهنّ.

لأول مرة في قرية أم النصر البدوية شمال قطاع غزة، توجد ورشة نجارة خاصة بالسيدات.

وعلى الرغم من أنهن لا يخرجن من بيوتهن بحكم العادات والتقاليد، إلا أن الظروف الاقتصادية دفعت هؤلاء النساء للخروج للعمل، وأخرياتٍ للبحث عن ذواتهنّ واستقلاليتهنّ.

قلة فرص الشغل

تخرجت منى النحال في جامعتها منذ أكثر من عشرة أعوام ولم تجد فرصة عمل. فلجأت لأول فرصة تُطرح أمامها وهي النجارة.

تخرجت منى النحال في جامعتها منذ أكثر من عشرة أعوام ولم تجد فرصة عمل. فلجأت لأول فرصة تُطرح أمامها وهي النجارة
تخرجت منى النحال في جامعتها منذ أكثر من عشرة أعوام ولم تجد فرصة عمل. فلجأت لأول فرصة تُطرح أمامها وهي النجارة (TRT Arabi)

تحكي مُنى النحال (33 عاماً) لـTRT عربي: "النجارة ليست مجال دراستي ولا حتى ذلك العمل الذي أحبه، لكنها الفرصة الوحيدة التي ستتيح لي الخروج من البيت والعمل".

وتضيف: "أمارس هذه المهنة منذ أربع سنوات. تدربت في حرفة النجارة وبدأت أتعرف على الماكينات وكيفية استخدامها ومع الوقت والتدريب، أصبحت أتقن هذا العمل وأتعامل معه بشغف. لقد صار جزءاً مني".

قبل أن تبدأ العمل في ورشة النجارة، كان وقت منى فارغاً مملاً، لكنّها أصبحت الآن تشعر بنوعٍ من تحقيق الذات والاعتماد على النفس، وأيضاً تكوين علاقات اجتماعية مع النجارات الأخريات".

تحدّياتٌ كثيرة تلك التي واجهتها منى مع المجتمع، كون العمل الذي تمارسه "خاصّاً" بالرجال. فاستعمال أدوات حادة، من وجهة نظر الكثيرين، لا يناسب النساء، بل إن النساء لن يقوين على ممارسة عمل يتطلب جهداً بدنياً. غير أن منى استطاعت مواجهة هذه النظرة والاستمرار في العمل.

استعمال أدوات حادة مثلا، من وجهة نظر الكثيرين، لا يناسب النساء، بل إن النساء لن يقوين على ممارسة عمل يتطلب جهداً بدنياً
استعمال أدوات حادة مثلا، من وجهة نظر الكثيرين، لا يناسب النساء، بل إن النساء لن يقوين على ممارسة عمل يتطلب جهداً بدنياً (TRT Arabi)

"أكبر تحدٍّ بالنسبة لي هو الاستمرار في العمل. أذكر أنني عندما قررت الالتحاق أول مرّة، استغرب الجميع الفكرة ورفضها، وذلك راجع إلى تصورهم أنني سأشتغل في مكان مزدحم بالرجال".

فتاة تتفوق على شاب في النجارة

غدير تاية (27 عاماً) لم تُنهِ دراستها الجامعية بسبب الظروف الاقتصادية، فتزوجت وأنجبت ثلاثة أطفال وهي لا تزال في عزّ الشباب.

اكتسبت غدير خبرةً مسبقة في مجال النجارة، كون والدها كان يعمل نجاراً. تقول لـTRT عربي: "عندما سمعت بوجود دورة تدريبية في النجارة سعدت كثيراً ولم أتردد في الالتحاق بها على الرغم من رفض زوجي لها في البداية، كونها متعبة ومناسبة للرجال فقط، لكنّ رغبتي في العمل كانت قوية، تمسكت بقراري واستطعت إقناع الجميع بفعل ذلك".

وتضيف بسعادة: "أصبحت الآن عاملةً، لديّ دخل، وامرأة مستقلّة".

اكتسبت غدير خبرةً مسبقة في مجال النجارة، كون والدها كان يعمل نجاراً
اكتسبت غدير خبرةً مسبقة في مجال النجارة، كون والدها كان يعمل نجاراً (TRT Arabi)

تغيرت حياة غدير بشكل كامل بعد حصولها على هذا العمل، حتى شخصيتها تغيرت. تقول: "على خلاف السابق، أشعر أنني إنسان له دور في المجتمع. ولم أعد أعرف معنى الملل. صار يومي يبدأ في السابعة صباحاً. أرتب بيتي، أحضر الطعام لأطفالي، أطمئن عليهم وأخرج من البيت إلى عملي الذي أحبه، ثم أعود إليهم بعد الظهر مليئةً بالطاقة".

الوضع الاقتصادي السيئ الذي تعيشه غدير في بيتها شجعها بشكل آخر على العمل. فهذا يتيح لها مساعدة زوجها في توفير متطلبات البيت ومستلزمات الأطفال. بل إنها تشعر باطمئنان غريب لأنها صارت تستطيع توفير الكثير من الأشياء لأطفالها، وأيضاً بفخر كبير لأنها أصبحت قادرة على إسعادهم وتلبية متطلباتهم.

في رأي غدير، العملُ لا جنس له، ويجب على كل امرأة أن تعمل من أجل أطفالها ومساعدة زوجها وتخفيف العبء عنه.

النجارة لتحقيق الذات

من سوريا إلى فلسطين، عادت أنصاف أبو جراد (38 عاماً) مع أسرتها إلى قطاع غزة منذ تسع سنوات، بسبب الأوضاع السياسية في سوريا

كان حلم عبير أبو دحيل هو الالتحاق بدورة خياطة للعمل في هذا المجال. لكن قلة الفرص في هذا المجال جعلتها تلتحق بدورة النجارة
كان حلم عبير أبو دحيل هو الالتحاق بدورة خياطة للعمل في هذا المجال. لكن قلة الفرص في هذا المجال جعلتها تلتحق بدورة النجارة (TRT Arabi)
كانت الحياة صعبةً جداً عليها في البداية، إذ كانت تعيش ظروفاً اقتصادية صعبة جداً لعدم وجود فرص عمل لها. فاكتفت لمدّة من الوقت، بالبقاء في المنزل دون عمل ولا علاقات اجتماعية.

تحكي أنصاف لـTRT عربي: "عندما جئت إلى غزة لم أستطع التعرف إلى أحد. انعزلتُ داخله حتى علم أخي بالصدفة عن ورشة للنجارة خاصة بالسيدات. أخبرني عنها وشجعني على تعلم الحرفة من أجل الخروج من المنزل والتعرف إلى الناس والاحتكاك معهم بدل البقاء وحدي طوال الوقت".

استغربت أنصاف الفكرة في البداية، واعتبرتها تحدّياً كبيراً، بخاصةً أنه مجال لا تعرف عنه أي شيء.

غير أن التدريب والممارسة اليومية ساعداها كثيراً في تغيير نظرتها إلى هذا العمل. تقول: "مع الممارسة تصير مهنة النجارة ممتعة جداً، تغيرت حياتي وأصبحت قادرة على عول نفسي وتحقيق الاستقلالية".

ترفض أنصاف فكرة التفرقة بين الذكور والإناث في العمل. وتعتبر أن من المهمّ جداً أن يكون للفتاة شخصية مستقلة وحياة عملية، وأن يكون قرار اختيار نوعية العمل قرارها وحدها، فهي التي تقرر إن كان عمل ما يناسبها أم لا، وليس المجتمع.

صديقاتُ النجارة

كان حلم عبير أبو دحيل (20 عاماً) هو الالتحاق بدورة خياطة للعمل في هذا المجال. لكن قلة الفرص في هذا المجال جعلتها تلتحق بدورة النجارة. وهو ما لم تتخيله يوماً في حياتها.

لم تتراجع ليلى عن تحقيق حلمها ولم تتأثر بانتقادات المجتمع لها بسبب الاشتغال فيمهنة رجالية بامتياز، بل استمرت في العمل لأنها مؤمنة بذاتها
لم تتراجع ليلى عن تحقيق حلمها ولم تتأثر بانتقادات المجتمع لها بسبب الاشتغال فيمهنة رجالية بامتياز، بل استمرت في العمل لأنها مؤمنة بذاتها (TRT Arabi)

أحبّت عبير هذا المجال أكثر عندما دخلت غماره. تقول لـTRT عربي: "العمل في النجارة بوجود فتيات أخريات بجانبي رائع جداً، فأنا إنسانة اجتماعية جداً وأحب الناس، وعندما التحقت بالورشة وأصبحت ألتقيهن يومياً سعدت كثيراً وشعرت بأن العمل غير متعب كما يظن البعض، كما استطعت إقناع عائلتي به".

وتضيف: "الجميل في عملي هو أنني استطعت أن أزيح عبئاً كبيراً عن عائلتي المكونة من 18 فرداً، خاصة وأنا والدي لا يملك دخلاً كافياً من أجل توفير احتياجاتنا الأساسية".

نظرة المجتمع

لا تزال العادات والتقاليد التي تفرض سيطرتها على الفتيات في غزة تلقي بانتقاداتها السلبية على ما يقمن به، فالكثيرون يعتبرون خروج النساء للعمل غير محبب. هذا ما واجهته ليلى تاية (33 عاماً)، تقول لـTRT عربي: "هذا العمل الذي يعيبه المجتمع على النساء هو الذي حقق حلمي باستئناف دراستي الجامعية والتي حرمت منها بسبب الظروف المادية الصعبة لعائلتي، عندما التحقت بورشة النجارة استطعت توفير مستلزمات دراستي".

لم تتراجع ليلى عن تحقيق حلمها ولم تتأثر بانتقادات المجتمع لها بسبب الاشتغال في مهنة رجالية بامتياز، بل استمرت في العمل لأنها مؤمنة بذاتها.

تقول حنين السماك مديرة جمعية زينة التعاونية التي تحتضن ورشة النجارة للسيدات لـTRT عربي: "الفكرة انطلقت من زيارة وفد إيطالي لقرية أم النصر والذي وجد روضة للأطفال تفتقر للألعاب القماشية والخشبية فقمنا بدعوة الأهل والسيدات للتفاعل مع أطفالهم ومساعدتهم واقتنعوا بفكرة العمل بهذا المجال، أي مجال صناعة الألعاب الخشبية".

وتضيف: "على الرغم من بعض الصعوبات التي تواجهها السيدات اللواتي يمارسن هذه المهنة، فإن الكثيرين تعودوا على رؤيتهنّ يشتغلن لتخفيف ثقل المسؤوليات على أسرهنّ، وهذا أمر إيجابي جداً".

المصدر: TRT عربي