تحظى المنظمة النقابية التونسية العريقة، الاتحاد العام التونسي للشغل بمكانة مهمة ومؤثرة لدى الشعب التونسي بمختلف أطيافه، وذلك بسبب إرث طويل من المقاومة تمتد جذوره إلى عشرينيات القرن الماضي، ضد قوات الاحتلال الفرنسي.

في ظل أزمة سياسية خانقة تكاد تعصف بالتجربة الديمقراطية ومكتسبات الثورة التونسية، وفي وقت يتطلع فيه الجميع إلى الدور الوطني الذي من الممكن أن يلعبه الاتحاد العام التونسي للشغل، لتجنيب البلاد مزالق الخلافات وحدة الصراعات، تمر في هذه الأيام الذكرى 74 لأهم المحطات التاريخية التي شهدتها هذه المنظمة النقابية منذ نشأتها، وهي ذكرى أعنف إضراب عام أطلقه الاتحاد يوم 5 أغسطس/آب 1947، في مواجهة الاستعمار الفرنسي، وأودى حينها بحياة عشرات القتلى في تونس.

ظروف نشأة الاتحاد العام التونسي للشغل

يعتبر النقابي التونسي محمد علي الحامي أول من زرع بذور المنظمة النقابية في تونس، حين أعلن عن تأسيس جامعة عموم العملة التونسية في يناير/كانون الثاني 1925. وانضم إليه العديد من الشباب المقاومين والناشطين، إلا أن المنظمة تعرضت لاضطهاد قوات المستعمر الفرنسي، وشُتت أعضاؤها وواجه الحامي على إثرها عقوبة النفي.

ومع تردي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية وانتشار الأوبئة، في بلد يعيش فيه سكانه تحت سطوة المحتل، اندلعت من جديد شرارة الاحتجاج فأسفرت عن سقوط قتلى في صفوف عمال المناجم في ثلاثينيات القرن الماضي، وإضرابات عمال موانئ مدينتي تونس وبنزرت. فأعيد إثر هذه الأحداث، إحياء العمل النقابي من جديد وذلك بتأسيس المنظمة النقابية الثانية في تاريخ تونس والتي تستمد أفكارها من منظمة الحامي على يد بلقاسم القناوي سنة 1937 وسميت حينها بجامعة عموم العملة التونسيين. ولم تختلف تجربة القناوي عن تجربة الحامي كثيراً حيث سرعان ما وُئدت المنظمة النقابية على يد الاحتلال الفرنسي مجدداً.

وفي هذه الأثناء لمع نجم فرحات حشاد الزعيم النقابي الشهر في تونسي، والذي التف حوله الكثيرون، وتمكن من توجيه العمل النقابي انطلاقاً من الخبرة الواسعة التي اكتسبها في صفوف المنظمات النقابية الفرنسية CGT، والتي قرر لاحقاً رفقة مجموعة كبيرة من التونسيين الانسلاخ منها وتأسيس هيكل نقابي تونسي ينتصر لحقوق العمال والكادحين ويشارك في مقاومة الاحتلال الفرنسي.

فتأسس الاتحاد العام التونسي للشغل في 20 يناير/كانون الثاني 1946 ليرأسه الشيخ الزيتوني محمد الفاضل بن عاشور وتولى حينها فرحات حشاد أمانته العامة. ولعب الاتحاد دوراً ريادياً في الكفاح الاجتماعي والوطني. وعرفته ميادين النضال ضد الاحتلال الفرنسي للحصول على الاستقلال.

كما عمل على توحيد جميع العمال، على النطاق الوطني، والنهوض بأوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية، والدفاع عن مصالحهم المعنوية والمادية، والارتقاء بوعيهم.

وتولى زعيمه فرحات حشاد صاحب المقولة الشهيرة أحبك يا شعب، قيادة الحركة الوطنية لمقاومة المحتل الفرنسي إلى أن جرى اغتياله في ديسمبر/كانون الأول عام 1952.

إضراب 1947.. أول صدام مع الاحتلال الفرنسي

في إطار كفاحه ضد قوات الاحتلال الفرنسي، تعرض الاتحاد العام التونسي للشغل لعدة مواجهات دامية مع سلطات المحتل لعل أهمها أحداث أغسطس/آب 1947 بصفاقس، والتي تعتبر الصدام الأول للنقابة مع الاحتلال. أسفر عن سقوط عشرات القتلى والمصابين.

وانطلقت الحادثة بإعلان الاتحاد عن إضراب عام في كامل البلاد ابتداء من يوم 4 أغسطس/آب، شارك فيه أكثر من 100 ألف شخص، وذلك على خلفية رفض المقيم العام تلبية مطالب الاتحاد المتمثلة أساساً في الحدّ الأدنى الحيوي وتحسين الأجور في الفلاحة والحظائر في غضون شهر.

إلا أن الوضع كان أكثر سوءاً في مدينة صفاقس، حيث احتدمت مصادمات بين قوات الاحتلال والمضربين الذين قدر عددهم أمام محطة القطار حيث اندلعت المواجهات بنحو 3000 و4000 عامل، تعرضوا لإصابات أسفرت عن مقتل حوالي 29 شخصاً وإصابة أكثر من 150 جريحاً وكان من بينهم الكاتب العام للاتحاد الجهوي آنذاك النقابي الحبيب عاشور.

ومنذ حقبة الاستعمار الفرنسي إلى اليوم، يواصل الاتحاد العام التونسي للشغل لعب دور مهم ومؤثر على الساحة السياسية في تونس، رجح فيها الكفة في عدة محطات في اتجاه مواقف معينة، ويتطلع اليوم الكثيرون إلى مدى فاعليته في المشاركة في حل الأزمة السياسية والاقتصادية بتونس.

TRT عربي
الأكثر تداولاً