تواجه الحكومة الفلسطينية الجديدة برئاسة محمد اشتية عضو اللجنة المركزية لحركة فتح العديد من الأزمات الجغرافية والمالية والداخلية في ظل ممارسات الاحتلال الإسرائيلي الاستيطانية على الأراضي الفلسطينية، ما يضعها أمام امتحان صعب فهل ستتمكن من العبور؟

على مدار تعاقُب 17 حكومة فلسطينية سابقة، شكّل الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية ومواجهة الممارسات الاستيطانية كافة والتهجير والقتل المتعمد ضدّ الفلسطينيين، التحدي الأكبر لجميع الحكومات السابقة، لكن الحكومة الـ18 الجديدة برئاسة محمد اشتية تواجه تحديات مضاعفة وتهديدات خطيرة في الشأن الداخلي والخارجي، وأزمات جيوسياسية ومالية وداخلية تضعها على المحك في مواجهة كل الأطراف.

خطة الحكومة الجديدة وفقاً لما صرّح به رئيس الوزراء محمد اشتية في أول اجتماع للحكومة 15 أبريل/نيسان 2019، تشمل تعزيز صمود الفلسطينيين على الأرض، ورفع المعاناة عنهم، والعمل على تحديد التعامل مع إسرائيل، ومواجهة المستوطنين. ولكن ما أبعاد هذه التحديات؟

أول اجتماع للحكومة الفلسطينية الـ18 الجديدة برئاسة محمد اشتية
أول اجتماع للحكومة الفلسطينية الـ18 الجديدة برئاسة محمد اشتية (Reuters)

تحدي الاحتلال وصفقة القرن:

تشكل خطة السلام الأمريكية-الإسرائيلية المعروفة إعلامياً بصفقة القرن، المذعَن الإعلان عنها خلال الأسابيع المقبلة عقب الانتخابات الإسرائيلية التي أُجرِيَت في 9 أبريل/نيسان 2019 وفاز بها بنيامين نتنياهو، أكبر تحدٍّ خطر ومباشر أمام الحكومة الفلسطينية الجديدة، فهذه الخطة مفروضة عليهم لقبولها بلا أي خيار آخر، والحلول شبه محسومة أمام ضغط خارجي هائل تدعمه الولايات المتحدة وحلفاؤها في الشرق الأوسط كالسعودية ومصر.

تَعهَّد نتنياهو خلال حملته الانتخابية بأنه سيعمل على ضمّ مستوطنات الضفة الغربية، ممَّا يعني القضاء على آمال الفلسطينيين بدولة خاصَّة بهم.

وأكد كلامَه وزيرُ الخارجية الأمريكي مايك بومبيو خلال حديث سابق له لشبكة CNN قال فيه إن حديث نتنياهو حول فرض السيادة الإسرائيلية على مستوطنات الضفة الغربية لن يؤذي خطة واشنطن المنتظرة للسلام، في حين عارضه رئيس الوزراء الفلسطيني الجديد مؤكداً أن "كل ما تفعله إسرائيل والولايات المتحدة يدمر عملية السلام".

التهديد الإسرائيلي والموقف الأمريكي المساند له، لم يتوقف عند ضم مستوطنات الضفة الغربية فقط، بل تعدى ذلك ليشمل القدس الشرقية وقطاع غزة.

فتمثل ذلك في نقل السفارة الأمريكية إلى القدس واعتراف الولايات المتحدة بالقدس عاصمة لإسرائيل، والتهديد الإسرائيلي المتتالي باجتياح قطاع غزة مرة أخرى.

خطة السلام بالقوة التي تفرضها الولايات المتحدة وإسرائيل، تضغط بها على الحكومة الفلسطينية وتهدد دورها على الأراضي الفلسطينية كسلطة تشريعية، بل أيضاً تهدد بقاء الأرض الفلسطينية نفسها وتسعى لسلبها من الفلسطينيين ليعيد التاريخ نفسه بوعد بلفور جديد.

إذ يشير بعض التقارير التي نشرتها صحيفة واشنطن بوست إلى أنه سيتم تعويض الفلسطينيين بمليارات الدولارات، مقابل التنازل عن حق العودة، وإعادة توطينهم خارج أراضيهم.

ويتصاعد الضغط بتواصل عمليات تهويد القدس، والتعدي على المقدسات الدينية، واعتقال عديد من الفلسطينيين وقتلهم في الشوارع عمداً بتهمة "نيتهم تنفيذ عمليات جهادية"، والاستمرار في تضييق الخناق على الفلسطينيين والاستهانة بسلطة الحكومة الفلسطينية وشرعيتها وفقاً لما تسرده الصحف الإسرائيلية من أن الحكومة الفلسطينية عاجزة عن مواجهة إسرائيل.

يشير الصحفي الفلسطيني أدهم مناصرة لـTRTعربي إلى أن "الحكومات الفلسطينية على مر الزمن هي حكومات تكنوقراطية، وليست سياسية، وأزمة صفقة القرن هي أزمة جيوسياسية وستتحقق عاجلاً أم آجلاً، لأن الخطط التي تعلن عنها الحكومة طوال الوقت خطط شفهية، فهل ستواجه الحكومة أزمة صفقة القرن بتصريحات شفهية؟".

تحدي الأزمات المالية:

تواجه حكومة اشتية عدة أزمات مالية متراكمة، منها أزمة نصف الراتب العالق منذ شهرين لموظفي الحكومة بسبب رفض السلطة الفلسطينية تسلم أموال الضرائب التي تجمعها إسرائيل عن البضائع التي تدخل عبرها إلى السوق، لأن إسرائيل خصمت جزءاً منها، في ما يُعَدّ أحد أشكال الضغط الاقتصادي الذي تمارسه إسرائيل بالتعاون مع أمريكا على الفلسطينيين، بالإضافة إلى قطع المساعدات الدولية عن السلطة الفلسطينية التي تحاول إيجاد منافذ جديدة له.

في هذا السياق سيلتقي الرئيس محمود عباس في 21 أبريل/نيسان الجاري، وزراء الخارجية العرب للتباحث حول تفعيل شبكة الأمان العربية، فيما سيجتمع وزير المالية شكري بشارة أيضاً مع الدول المانحة في 30 إبريل/نيسان لطرح الأزمة المالية التي تعاني منها الحكومة الفلسطينية.

لم يتوقف الضغط الإسرائيلي ماليّاً على الفلسطينيين عبر أزمة موظفي الحكومة فقط، بل شمل أيضاً أزمة رواتب أسر المعتقلين الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية، التي تَعهَّد اشتية بمواصلة دعمها رغم كل الضغوط.

أما في الشأن الداخلي فقد ورثت حكومة اشتية أزمة الضمان الاجتماعي والاقتطاع من رواتب العاملين، التي تسببت في مظاهرات شعبية ضدّ الحكومة السابقة وعملت على تأزُّم الثقة بين الحكومة والشارع.

تَحدّي الانقسام الداخلي:

يُعتبر الانقسام الداخلي الذي تعيشه الفصائل الفلسطينية من أكبر التحديات الداخلية التي تواجهها الحكومة الجديدة، في ظل التهديدات الخطيرة التي تواجهها القضية الفلسطينية ككل.

ضمّت الحكومة الجديدة 21 وزيراً، منهم 16وزيراً جديداً، و5 وزراء من الحكومة السابقة احتفظوا بمناصبهم، غالبيتهم من حركة فتح، فيما تَولَّى رئيس الوزراء وزارتي الداخلية والأوقاف إلى حين اختيار وزيرين لشغلهما.

الحكومة الفلسطينية الـ18 الجديدة المكونة من 21 وزيراً
الحكومة الفلسطينية الـ18 الجديدة المكونة من 21 وزيراً (Reuters)

وقبل إعلان التشكيلة الحكومية الجديدة اعترضت كل من حركتي حماس والجهاد الإسلامي على الحكومة الجديدة، وانضمت إليهما الجبهتان الشعبية والديمقراطية لتحرير فلسطين الذين رفضوا جميعهم المشاركة في الحكومة، معتبرين أنها فاقدة للشرعية ولا تمثّل الشعب الفلسطيني، رغم محاولة رئيس الوزراء الفلسطيني الالتفاف حول جميع الفصائل وتشكيل حكومة وطنية والسير في إجراءات المصالحة مع حماس ولكن خطته لم تنجح على ما يبدو.

فجاءت حكومة اشتية الجديدة بوجوه "فتحاوية"، تحتفظ بأهم بالمناصب الحساسة في الدولة بلا أي تغيير، كرياض المالكي وزير الخارجية والمغتربين وشكري بشارة وزير المالية.

هذا ما يؤكده الصحفي الفلسطيني أدهم مناصرة لـTRTعربي أن "بقاء 5 أسماء من الحكومة السابقة، الذين يتولون وزارات سيادية في البلاد هو مربط الفرس، مثل وزير المالية شكري بشارة، الذي كان يجتمع بشكل شهري مع الإسرائيليين للتوقيع على أموال المقاصة قبل رفض السلطة الفلسطينية تسلمها منذ شهرين، ووزير الخارجية رياض المالكي الذي يحضر اجتماعات دورية مع الإسرائيليين، هذه الأسماء لاقت انتقادات واسعة في الشارع الفلسطيني وتساؤلاً مُلِحّاً: إن كانت حكومة اشتية تريد تقزيم الفجوة بينها وبين الشارع، فلماذا تُبقِي على هذه الأسماء؟".

وفي ظل هذا الانقسام الداخلي الممتد منذ عام 2007 تتفاقم الخلافات الفلسطينية دون الوصول إلى حلول واقعية توحّد الصفوف الداخلية الفلسطينية، وهذا ما يبدّد حلم المصالحة الفلسطينية ويزيد شرخ الانقسام في مواجهة عديد من الملفات الخطرة التي تهدد وحدة الأراضي الفلسطينية والخطط الاستيطانية، والتصدي للخطر الأكبر الذي يقرع الأبواب بخطة سلام ستفرض على الفلسطينيين واقعاً جديداً قد يسلبهم وجودهم.

فهل ستتخطى حكومة اشتية هذه التحديات التي تواجهها، أم ستكتفي بالدور الخدماتي؟

المصدر: TRT عربي - وكالات