بنغلاديش (TRT Arabi)

الفقر والكوارث الطبيعية المتكرِّرة وغيرها من المعضلات الاجتماعية والاقتصادية، لم يكن ممكناً لأيٍّ من ذلك أن يؤثِّر في الاحتفال التقليدي بعيد الفطر في بنغلاديش، الواقعة في دلتا جنوب آسيا، على مدار أجيالٍ عديدة.

تتمثَّل ثقافة العيد في البلاد في الزيارات العائلية، فيستقبل الناس أقاربهم وجيرانهم، ويرحِّبون بالمحتاجين، بتقديم أطعمة منزلية لذيذة، بخاصة طبق البايش، وهو نوعٌ من الأطعمة الحلوة المصنوعة من الحليب والأرز والسكر والتوابل.

يُرحَّب بأيِّ شخصٍ في هذا اليوم باحتفاءٍ كبيرٍ وودّي. وأولئك الذين ينتمون إلى مجتمعات الأقليات الأخرى، بما في ذلك الهندوس والبوذيون والمسيحيون، يستمتعون أيضاً مع جيرانهم المسلمين في بنغلاديش بهذه المناسبة. ويُظهِر هذا الاحتفال دائماً التسامح والوئام العرقي والتعدُّدية الثقافية السائدة في البلاد.

المواطنون يتسوقون لعيد الفطر (TRT Arabi)

المشهد الأكثر شيوعاً في العيد، في ذلك البلد الذي يبلغ عدد سكَّانه 170 مليون نسمة، هو استيقاظ النساء في ساعةٍ مبكِّرةٍ وبدؤهنّ طهي أطعمة العيد التقليدية، فيما يستحمّ الرجال وأطفالهم بعد صلاة الفجر مباشرةً، ثم يرتدون الزي الوطني (البجاما والبنجابي) والقبعات المُلوَّنة على الرأس، ويذهبون إلى المساجد لأداء صلاة العيد. في عديد من المناطق يستخدم الناس أيضاً الساحات المفتوحة لأداء الصلاة، وعادةً ما يُطلَق على هذه الساحات "مُصلَّى العيد".

بعد صلاة العيد، يحتضن الناس بعضهم بعضاً دون تمييز، ويتبادلون تحيات العيد. ثم يزورون قبور ذويهم. معظم سكَّان بنغلاديش ليس لديهم مقابر عائلية بسبب ندرة الأراضي، وفي كلِّ منطقة فرعية مقبرة مشتركة تتخذ شكلاً مختلفاً في يوم العيد مع قدوم أعداد ضخمة من الناس ليقصدوا ذويهم الراحلين بالدعاء.

متعة الأطفال لا حدود لها في العيد؛ يشتري معظم الآباء، بخاصة المُعوِزُون منهم، ملابس جديدة لأطفالهم في مناسبتين فقط، عيد الفطر وعيد الأضحى. يرتدي جميع الأطفال ملابسهم الجديدة في الصباح الباكر ويتجوّلون طوال اليوم بنشوةٍ عظيمة.

المواطنون يتسوقون لعيد الفطر (TRT Arabi)

يزيِّن الناس منازلهم أيضاً بزيناتٍ ورقية مُلوَّنة، وزهورٍ مزروعة محلياً، مثل زهور القطيفة وغيرها.

مع ذلك، يكون على الأغلبية المسلمة، التي تبلغ 90% من السكَّان في بنغلاديش، أن تبتهج بأكبر احتفالٍ ديني لها هذا العام بشكلٍ مختلف بسبب الجائحة وقتل المسلمين الفلسطينيين على أيدي القوات الإسرائيلية المحتلة في شهر رمضان المبارك.

الأزمة والعيد الذي يقوِّضه الذعر

يحتفل محمد محيي الدين (50 عاماً)، وهو تاجرٌ صغير في منطقةٍ نائية في بنغلاديش، بالعيد كلّ عامٍ باحتفالٍ كبير. لا يشتري ملابس جديدة لأطفاله فحسب، بل يشتري لأطفال الجيران أيضاً. يتبرَّع محيي الدين أيضاً بمبلغٍ كبير من المال للمحتاجين في منطقته. لكن الجائحة غيَّرت السيناريو برمته هذا العام؛ لقد تَكبَّد خسارةً فادحةً في العام الماضي بسبب الإغلاق المُصاحِب للجائحة على مستوى البلاد، وكذلك الأزمة الاقتصادية الشاملة.

فَقَدَ نحو 0.4 مليون عامل مهاجر من بنغلاديش وظائفهم بين مارس/آذار وسبتمبر/أيلول من العام الماضي بسبب الجائحة العالمية، حسب دراسة حديثة (TRT Arabi)

وفقاً لدراسةٍ حديثة، فَقَدَ أكثر من 3% من القوى العاملة في البلاد وظائفهم، بينما أصبح 16.38 مليون شخص فقراء حديثاً خلال الجائحة. إلى جانب ذلك، فَقَدَ نحو 0.4 مليون عامل مهاجر من بنغلاديش وظائفهم بين مارس/آذار وسبتمبر/أيلول من العام الماضي بسبب الجائحة العالمية.

قال محيي الدين: "في العام الماضي، انخفض الدخل إلى أقل من الرُّبع. إن من الصعب عليّ الاحتفال بالعيد مع أفراد عائلتي فقط وتلبية الحد الأدنى من مُتطلَّباتهم"، مضيفاً أنه طوال حياته لم يشهد العيد قط بمثل هذه الأزمة المالية والضغط النفسي.

يشعر الناس بالضغط بسبب تفشِّي الفيروس، مع السلالات الهندية المُكتَشَفة حديثاً. وحذَّرَ وزير الصحة في البلاد يوم الأربعاء 12 مايو/أيار، من مزيدٍ من التدهور على صعيد تفشي الجائحة، إذ غادَرَ عشرات الآلاف من الأشخاص العاصمة دكا ومناطق حضرية أخرى للاحتفال بالعيد في القرى، في انتهاكٍ لطلب الحكومة عدم السفر في إجازة العيد. أُغلِقَت جميع وسائل النقل العامة، لكن الناس سافروا في اندفاعٍ محموم بواسطة الميكروباصات وشاحنات البضائع والعبَّارات. وحتى أمس الأربعاء قُتِلَ خمسة أشخاص بسبب التدافع، وأُصيبَ عشراتٌ آخرون بالمرض على متن عبَّارة.

قال محمد شهيد الإسلام، وهو صاحب وظيفة خاصة في مدينة شيتاغونغ الساحلية الرئيسية في البلاد: "جميع أفراد عائلتي في القرية، وكانوا ينتظرونني طوال العام، لذا فإنه رغم المخاطر والمتاعب، أنا في الطريق إلى عائلتي". وأضاف: "لكنني الآن في حالة ضغطٍ شديد مع أطفالي وأمي العجوز، إذ كان عليّ في طريقي مواجهة التجمُّعات الضخمة دون خيارٍ كبير للحفاظ على تباعدٍ في المسافات".

صدمةٌ بسبب الاعتداءات على المسلمين الفلسطينيين

منذ بداية العدوان الإسرائيلي على فلسطين قبل عقود، ظلَّت بنغلاديش تحتجّ على الاحتلال الصهيوني الإسرائيلي. أصدرت بنغلاديش في الثمانينيات بطاقةً بريدية تدعم الحقوق المشروعة للمسلمين الفلسطينيين وتندِّد بالاعتداءات الإسرائيلية.

منذ بداية العدوان الإسرائيلي على فلسطين قبل عقود، ظلَّت بنغلاديش تحتجّ على الاحتلال الصهيوني الإسرائيلي (TRT Arabi)

ندَّدَت وزارة الخارجية في بيانٍ أصدرته الأسبوع الماضي بشدة بـ"الهجمات الإرهابية والعنف الذي تَعرَّضَ له الأبرياء والمدنيون في الحرم القدسي الشريف". وحثَّت رئيسة الوزراء شيخة حسينة واجد الأربعاء، المجتمع الدولي على اتِّخاذ إجراءاتٍ مُستدامة لإنهاء مثل هذه الأعمال الشائنة في أيِّ وكلِّ مكانٍ في العالم، بما في ذلك فلسطين.

ويشعر شعب بنغلاديش المتديِّن بالفطرة، بالصدمة الشديدة من الاعتداءات الإسرائيلية. وشهدت البلاد في كثيرٍ من الأحيان مظاهراتٍ ضخمة وسلاسل بشرية وأشكالاً أخرى من الاحتجاجات ضد التحرُّكات الإسرائيلية القمعية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

قال الطالب في إحدى الجامعات الخاصة في العاصمة دكا أوليور رحمن: "كيف لي أن أستمتع بالعيد وإخوتي وأخواتي الفلسطينيون يُقتَلون بشكلٍ مُمَنهَج على أيدي القوات الصهيونية اللا إنسانية؟"، وأضاف مستشهداً بحديث الرسول الكريم، أن المجتمع المسلم بأسره في جميع أنحاء العالم كالبنيان المرصوص.

TRT عربي