لا تزال النساء حول العالم يكافحن باستمرار لوضع حد لجميع أنواع العنف الجسدي والنفسي الذي يتعرضن له، على الرغم من القوانين والتشريعات الردعية. ولا يُعَدّ العنف الاقتصادي الذي تتعرض له في بيئة العمل إلا شكلاً آخر من أشكال العنف المسكوت عنه.

بينما استقر في أذهان كثيرين أن العنف الذي يمكن أن تتعرض له المرأة يتلخص في الاعتداء عليها جسدياً أو جنسياً أو نفسياً، تميط المنظمات الحقوقية والناشطون الحقوقيون اللثام عن عنف واضطهاد خفيّ تتعرض له المرأة في بيئة العمل بشكل مستمر.

وعلى الرغم من أن عديداً من القوانين والتشريعات في المجتمعات العربية حاول إلى حد ما التشديد على مبدأ المساواة بين الجنسين في فرص العمل والتشغيل والأجور، فإن كثيراً من أرباب العمل والمسؤولين في المؤسسات والشركات تمكنوا من إيجاد منافذ عديدة لتسليط أنواع مختلفة من التضييق على المرأة العاملة.

وإن كانت المرأة العاملة قد تجد أحياناً صعوبات في التمسك بوظيفتها في ظلّ الظروف القاسية ومعاملات التمييز بين الجنسين، فإن المرأة الحامل قد تجد في ذلك صعوبات مضاعفة، تفاقم تعبها، ليلجأ بعضهن إلى ترك العمل أو مواصلة تحمل هذه الظروف، بلا طائل قانوني لوقف ذلك.

الحمل أو العمل

لا يمكن أن ننكر الجهود الدولية للتركيز على ضرورة منح المرأة حقوقها بلا تمييز بينها وبين الرجل وحمايتها من أنواع العنف كافةً التي تُمارَس ضدّها، إلا أن ذلك لا يزال غير كافٍ في عدة مجتمعات، من بينها بلدان العالم العربي.

وفي الوقت الذي تقرّر فيه المرأة الخروج إلى سوق العمل، فإنها تبدأ مواجهة العقبات باستمرار، وفي الغالب بلا أدنى حق، فيختار بعضهن الخروج من العمل، فيما يقرّر بعضهن الاستمرار والرضوخ للاضطهاد أياً كانت مستوياته وأشكاله.

ويعتبر حقوقيون ومسؤولون، أن من الأهمية بمكان أن تعرف المرأة وتدرك حقوقها الخاصة جيداً، ومن أين يمكنها أن تحصل على المساعدة لإنقاذ نفسها.

وتشير شهادات عديد من النساء العاملات إلى أن التمييز والاضطهاد الاقتصادي الذي تتعرض له المرأة العاملة يبدأ منذ التقييم الأول قبل حصولها على الوظيفة. ويكاد يكون من المستحيل أن تحصل امرأة حامل على وظيفة.

فيما قال بعض السيدات في عدة شهادات إن بعضهن أُجبرَ على توقيع التزام يتعهدن فيه بعدم الإنجاب طوال سنتين أو أكثر، وإلا فسيكُنّ حينها مهدَّدات بالطرد النهائي من العمل، لتقف المرأة في ذلك الموقف بين خيارين أحلاهما مر، إما الوظيفة وإما الحمل، بلا إبداء لأي مراعاة من أصحاب العمل لظروفها وحياتها الخاصة.

ويشير ناشطون وحقوقيون إلى أن بيئة العمل أيضاً في الغالب لا تراعي الفروق الجسمية بين الرجل والمرأة، وهُيّئ أغلبها لمناسبة بنية الرجل، وتجعل بذلك المرأة مضطرة إلى المراهنة على نجاحها وقدرتها على العمل، في ظروف مجحفة، تصبح أعسر مع مجرد حملها وما يتطلبه ذلك من مراعاة خاصة، لأن بعض اللوائح والقوانين في عدة دول يشدّد على ضرورة حماية المرأة الحامل وتجنيبها المخاطر في أثناء أداء مهامِّها، من ذلك حمل الأثقال والتعرض للمواد الكيميائية، أو العمل في بيئة عمل ذات ضغط عالٍ. ويحقّ لها بالتالي رفض أداء أي مهمة تهدّد صحتها، كما يمكن أن تطلب أحياناً تخفيض ساعات العمل.

ولكن مع ذلك فإن عديداً من المؤسسات يتجاهل هذه الحقوق، ويجبر الموظفة الحامل على أداء عدة مهامّ يمكن أن تسبّب خطراً لها أو لطفلها، ويقبل أغلبهن ذلك خوفاً من خسارة وظيفتها.

متاعب أكثر بعد الأمومة

ما إن تتخطى المرأة العاملة مرحلة الحمل وما يمكن أن تتعرض له من صعوبات في بيئة العمل، حتى تدخل مرحلة لا تقلّ صعوبة عن ذلك، هي مرحلة الأمومة. وتبدأ المتاعب بالمفاوضة على إجازة الأمومة.

ورغم أنه في عدة مؤسسات وعدة بلدان في العالم، تُمنح الحامل إجازة قبل أسابيع من موعد الولادة، فإنها في بعض الدول العربية تستمرّ في العمل حتى الساعات الأخيرة قبل الوضع.

وفي حين أن من المتعارف عليه أن تُمنح المرأة بعد إنجابها على الأقلّ شهرين إجازة أمومة، حرمت بعض المؤسسات الموظفات من الراتب طوال إجازة الأمومة، وقرّر بعضها تسريح النساء من العمل حال إنجابهن.

في هذا السياق فإن عديداً من القوانين يحظر على صاحب العمل فصل الموظفة في أثناء الحمل أو إجازة الأمومة إلا إذا ارتكبت خطأً جسيماً أو لأسباب اقتصادية تتعلق بالشركة.

حتى إن عديداً من النساء يعتبرن الإجازة غير كافية لهن لاستعادة نشاطن والعودة لأداء وظائفهن ومهامهن على أحسن وجه، كما تُعَدّ غير كافية للرضيع حديث الولادة، لذلك تكافح المنظمات الحقوقية والنسوية باستمرار لتمديد فترة إجازة الأمومة في بعض الدول العربية على غرار تونس التي تبدو فيها المنظمات الحقوقية نشطة نوعا ما، إلى أربعة أشهر، وفي حال التمديد إلى ستة أشهر تحصل المرأة خلال الشهرين الأخيرين على نصف الراتب دون أن يهدد ذلك باحتمال خسارتها وظيفتها.

وبينما لا تزال شهادات كثيرة تكشف عن عنف واضطهاد لا إنساني خفي تتعرض له المرأة الحامل في بيئة العمل يومياً ويتخذ أشكالاً مختلفة، يتحتم في الوقت ذاته على الجهات التشريعية والحقوقية التشديد في اللوائح والقوانين لضمان عدم استمرار هذه التجاوزات، التي تجعل النساء أمام خيارات صعبة في حياتهن.

TRT عربي
الأكثر تداولاً