تدعم المؤسسة العسكرية الجزائرية الحراك في خطوة لقطع الطريق أمام الدولة العميقة من إحكام سيطرتها على المشهد السياسي، في المقابل تحاول الأخيرة استعادة سيطرتها على مفاصل الدولة بعد رحيل بوتفليقة، فمن سيربح معركة النفوذ على المشهد الجزائري؟

بعد إكماله دورة هامَّة في تاريخ البلاد السياسي انتهت باستقالة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، يدخل الحراك الجزائري المتواصل منذ شهرين في مهمة جديدة، يسعى فيها للقضاء على وجود أي رموز من نظام بوتفليقة أو ما يطلق عليه الجزائريون "العصابة"، متمسكين بشعارهم في كل جمعة، وهو "رحيل الباءات الثلاثة"، أي بن صالح الرئيس المؤقت، وبدوي رئيس الوزراء، وبلعيز رئيس المجلس الدستوري الذي استقال الأسبوع الماضي.

تؤيد المؤسسة العسكرية الحراك في مسعاه لمنع رجال الدولة العميقة من إحكام سيطرتهم على المشهد السياسي، وليبقى محافظاً على دوره كفاعل أساسي في تشكيل الدولة الجزائرية. وفي المقابل تحاول الدولة العميقة استعادة سيطرتها على مفاصل الدولة بعد تلقّيها هزة قوية بعد استقالة بوتفليقة، ليحتدّ الصراع بين الجناحين في إدارة المشهد السياسي الجزائري في الوقت الراهن.

سقوط أول "باء"

الطيب بلعيز، رئيس المجلس الدستوري، أعلى هيئة قضائية، قدم استقالته الأسبوع الماضي، في أول يوم بدأت فيه مراجعة القوائم الانتخابية وبعد إعلان رؤساء بلديات وقضاة رفضهم الإشراف أو تنظيم العملية الانتخابية المزمع عقدها في يوليو/تموز المقبل.

كما عزفت شخصيات سياسية عن الترشح، احتجاجاً على إشراف رموز النظام السابق على إدارة المرحلة الانتقالية أو إجراء الانتخابات الرئاسية. واعتبرت أن أي نتيجة لهذا الاستحقاق ستكون محسومة سلفاً لصالح رموز النظام.

وفي السياق نفسه يرجّح محللون أن استقالة بلعيز جاءت تحت ضغط عسكري، إذ قدّمها قبل ساعتين من بيان للفريق قايد صالح رئيس أركان الجيش الجزائري، لتسقط بذلك أول "باء".

عبد القادر بن صالح، الرئيس المؤقت، أحد الباءات التي يطالب الجزائريون برحيلها، وجّه دعوات للأحزاب السياسية والجمعيات المدنية وشخصيات مستقلة، للمشاركة في ندوة سياسية تشاورية من المقرر عقدها اليوم، ورفضت القوى السياسية المعارضة حضورها.

وتعليقاً على ذلك يقول محمد باشوش الباحث السياسي الجزائري في حديثه لـTRT عربي "إنه في ظل رفض أكبر القوى المعارضة لهذه الدعوة فلا يمكن ضمان نجاح نتائج هذه المشاورات التي لا بد أن تجرى بموافقة مشاركة الأطياف السياسية كافة، فعبر هذه الندوة يسعى بن صالح لإضفاء الشرعية على وجوده في ظل استمرار الرفض الشعبي له، وهو أحد رموز نظام بوتفليقة".

لطالما كان الجيش هو الفاعل الأساسي في الدولة الجزائرية، وبعد بوتفليقة بات يدرك أن الدولة العميقة تريد أن تسترجع دورها الذي تحلحل بعده، من خلال بعض الولاءات داخل السلطة التي لا تزال لديها، وقوتها الناعمة وارتباطاتها الخارجية مع فرنسا

محمد باشوش - باحث سياسي جزائري

صراع الجيش والدولة العميقة

خرج رئيس أركان الجيش القايد صالح في بيان الأسبوع الفائت بعد استقالة بلعيز، موجهاً تحذيراً شديد اللهجة إلى الدولة العميقة الممثلة في قائد المخابرات السابق محمد مدين المعروف بالجنرال توفيق، وهدد باتخاذ إجراءات قانونية صارمة ضده ووجّه إليه اتهامات بالتآمر على الشعب والعمل ضدّ إرادته، ولمّح إلى أن كل الخيارات متاحة لحل عاجل للأزمة السياسية التي تعصف بالبلاد، ليبرز صراع الجيش والدولة العميقة إلى السطح.

فضلاً عن تصريحه بأن شخصيات من النظام تلاحقهم تهم فساد وسوف يقدمون للمحاكمة، وما هي إلا أيام حتى تستدعي محكمة جزائرية رئيس الوزراء السابق أحمد أويحيى ووزير المالية الحالي محمد لوكال للتحقيق في اتهامات بتبديد المال العام السبت الماضي.

يعتقد إدريس ربوح المحلل السياسي الجزائري، في حديثه لـTRT عربي، أن "الجيش يستوعب المطالب الشعبية، وهو الأقرب للحراك، وهو يهدف بذلك إلى هزيمة الدولة العميقة الممثلة في طرفين هما الجنرال توفيق والسعيد بوتفليقة".

ويتابع ربوح "فالجنرال توفيق رأس المخابرات الجزائرية لمدة 25 عاماً قبل إقالته في 2015، ولديه شبكة كبيرة من الموالين في الدولة موزَّعة في الأحزاب السياسية والإعلام وعالم المال، والسعيد بوتفليقة له علاقات قوية برجال أعمال ويتلقى دعماً خارجياً فرنسياً، وكل هذه الشبكات تتآمر على الحراك".

دعم الولايات المتحدة للجيش يكسبها أرضية مقابل النفوذ الفرنسي، ولا يمكن التغافل عن الدور الخارجي في إدارة المشهد السياسي الجزائري

إدريس ربوح-محلل سياسي جزائري

ويعلّق باشوش "لطالما كان الجيش هو الفاعل الأساسي في الدولة الجزائرية، وبعد بوتفليقة بات يدرك أن الدولة العميقة تريد أن تسترجع دورها الذي تحلحل بعده، من خلال بعض الولاءات داخل السلطة التي لا تزال لديها، وقوتها الناعمة وارتباطاتها الخارجية مع فرنسا".

مضيفاً أن "الجيش يحاول الحفاظ على دوره الرئيسي بأن يكون الضامن لأي عملية سياسية خلال الفترة المقبلة، فالمؤشرات الآن تؤكد اشتداد الصراع بين الطرفين".

دور خارجي؟

منذ استقلال الجزائر عن الاستعمار الفرنسي عام 1962 لم يتغير توجه الرؤساء الذين تعاقبوا على حكم البلاد فيما يخص علاقاتها مع الخارج، لتقع ضمن دائرة النفوذ الفرنسي طوال هذه السنوات، ففرنسا لديها ارتباطات قوية بالدولة العميقة ورجال الاعمال الذين يضمنون استمرار نفوذها السياسي والاقتصادي داخل البلاد.

ويرى ربوح "إن الصراع الدائر بين الدولة والجيش يرتكن إلى دعم خارجي، فمن جهة تدعم فرنسا الدولة العميقة تخوفاً من خسارة الجزائر والتي تعني خسارتها لكل أفريقيا".

ومن جهة أخرى، "تدعم الولايات المتحدة تحرك الجيش حفاظاً على مصالحها الأمنية والاقتصادية، المتمثلة في أمن المتوسط والسيطرة على أمن الصحراء ومكافحة الإرهاب، واستقرار أعمال شركاتها العاملة في قطاع النفط".

وفي إشارة إلى حالة المنافسة بين الطرفين، يتوقع ربوح "أن دعم الولايات المتحدة للجيش سيكسبها أرضية مقابل النفوذ الفرنسي، وبالتالي لا يمكن التغافل عن الدور الخارجي في إدارة المشهد السياسي الجزائري".

إجراء الانتخابات الرئاسية في وقتها مرتهن بسرعة الاستجابة للمطالب السياسية في التخلص من رموز نظام بوتفليقة والدولة العميقة

إدريس ربوح-محلل سياسي جزائري

سيناريوهات قادمة

الجزائر على موعد مع انتخابات رئاسية في يوليو/تموز المقبل ولكن يبقى السؤال: هل يمكن إجراؤها في ظل الاحتقان الذي تشهده؟

يعتقد ربوح أن إجراء الانتخابات الرئاسية في وقتها مرتهن بسرعة الاستجابة للمطالب السياسية في التخلص من رموز نظام بوتفليقة والدولة العميقة، فالدستور يوفر كل الآليات والأدوات التي ستنقل البلاد الى الديمقراطية الحقيقية وذلك بتشكيل لجنة انتخابية تشرف على الانتخابات، تضم شخصيات لم تتورط في إفساد البلاد وخراب الديمقراطية.

ويرى باشوش أنه "من المرتقب أن يشتد الصراع السياسي، وقد تستنفد البلاد قدرتها على إجراء الانتخابات في وقتها، فالمؤسسة العسكرية ستحرص قطع الطريق أمام توغل رموز نظام بوتفليقة مما يؤشر لمزيد من الإزاحات لكبار المناصب في الدولة ولا يستبعد منها رئيس الحكومة، وفي هذا الإطار تعد استقالة بلعيز مؤشراً مبدئياً على انتصار جناح الجيش".

ويضيف "الجيش لا يحرص بالضرورة على انتقال ديمقراطي بقدر ما يحرص على سيناريو غير تصادمي مع الحراك لأن الظروف الحالية لن تسمح بأي مفاجآت".

متوقعاً أن يكون "الرئيس القادم رئيس توافقي، بالأساس مع المؤسسة العسكرية، وليس ضرورياً أن يكون من مخرجات صناديق الاقتراع، للحفاظ على هدفه الرئيسي كعنصر أساسي في ترتيب الدولة وللخروج من هذه الأزمة".

قراءات متعددة للمشهد الجزائري بعد مغادرة بوتفليقة هرم السلطة، ووقوع البلاد بين مفترق طرق وخيارات صعبة تحت وقع الضغط الجماهيري وضغط المتطلبات الاقتصادية التي تتضاعف يوماً بعد آخر، في ظلّ تجاذبات داخلية ودولية على النفوذ في الجزائر الجديد.

المصدر: TRT عربي