في ظل كثرة القمع والتعذيب في بلادنا العربية، تصبح الحاجة مُلحة لتعرُّف المنظومة الأمنية، وخصوصاً مكانة الجلاد فيها ذلك الذي يمارس فعل التعذيب.

التعذيب في السجون المصرية ودور الجلاد 
التعذيب في السجون المصرية ودور الجلاد  ()

منظومة التعذيب موجودة ومتغلغلة منذ قرون بغض النظر عن الجنس أو الدين أو العرق، وهي في مجملها مكونة من ثلاثة عناصر هم (الفاعل- الضحية- الجمهور)، يأتي في أسفلها الضحية، والذي دائماً ما يتم وضعه في العملية على الرغم منه، ويربطه بالجاني/الفاعل علاقة معقدة جداً، لكن في أغلب الأوقات دور الضحية يتوقف عند بعض الانتصارات الصغيرة.

الجلاد الفاعل القذر

وموضوعنا هنا هو الفاعل الذي يُعد أحد دعائم آلة التعذيب التي تتكون من عناصر أربعة: النظام السياسي المتبني للعملية، المؤسسة التي تصنع الأفراد، أفراد تصدر الأوامر، وأخيراً الفاعل نفسه.

الفاعل الذي نتعرض له هنا إذن هو الشخص القائم مباشرة بالتعذيب، الفاعل بيده، والذي نستطيع مجازاً تسميته بالجلاد.

ندرة الأبحاث والدراسات

هناك ندرة حقيقية في الدراسات والأبحاث التي تتعرض للجلاد لأسباب عديدة منها ،على سبيل المثال، أن الجلاد لا يشعر باحتياجه لزيارة الطبيب أو المعالج النفسي إلا إذا وجد نفسه معرضاً للعقوبة القانونية.

وهذا يعتبر المهرب الأسهل لإعفائه من المسؤولية. أما إذا تم بالفعل القبض على أحد الجلادين وخضع للتقييم النفسي أثناء المحاكمة، فقد نجد كل المعلومات التي يدلي بها هي عبارة عن تبرير أفعاله وتأكيد بأن لا حيلة له.

فهو بالتأكيد سيحاول التقليل من حجم أفعاله، ولن يعترف بالمزيد، خشية من إضافة عقوبة جديدة، أو تشديد الحالية، أو المنع من أي عفو محتمل.

لهذا السبب دراسته في هذا الوضع ليس لها قيمة كبيرة في أي بحث علمي لإخلالها بعناصر الصدق والدقة والأمانة العلمية. لهذا ولأسباب أخرى تضعف قدرتها على كشف ومتابعة التحولات التي يمر بها الجلاد عن قرب. وهذا يؤدي إلى أن الإسهامات العلمية الحقيقية التي تستطيع إصلاح الأجهزة الأمنية ضعيفة وقليلة.

الطبيعة الظاهرية

في محاولات فهم الجلاد يشير العلماء إلى مصطلح "الطبيعة الظاهرية". نستطيع ملاحظة تطبيق المصطلح ومعناه من خلال متابعة بعض أفراد الأجهزة الأمنية المصرية، فمنهم من قام بممارسة التعذيب بنفسه وأمر به وذلك بشهادات الضحايا. 

وبعض الأحيان تكون ضده أمام المحاكم قضايا عنف وتعذيب، لكن وعلى الرغم من ذلك، تجده يتحدث على التلفاز بشكل طبيعي جداً، وكأنه ناشط حقوقي وليس جلاداً، يتحدث عن حقوق الإنسان بحماس لدرجة أنه ينفي بالأساس وجود تعذيب.

الحاسة الخاصة

يرى العلماء أن القائم بالتعذيب يملك حساسية خاصة تجاه الحقائق التي ترتبط بمعايير القوى، والمعايير التي يتوافق عليها المجتمع، ضمنيّاً أو كليّاً.

بمعنى أن الجلاد من خلال هذه الحاسة الخاصة يستطيع فعل ما يفعل بدون التعرض لأي مشاكل قانونية؛ فهي تجعله يعرف متى وكيف يختار الفرصة المناسبة للقيام بالتعذيب، دون أن يتم القبض عليه؛ فهو يعرف متى يصبح ذلك السلوك غير المشروع بطولة، ودفاعاً عن الوطن، وينال إعجاب الناس، أو على الأقل يغضوا البصر عنه.

الازدواجية

حاول العلماء فهم السبب في ذلك الفارق الكبير والملحوظ بين الشكل الاجتماعي "الطبيعة الظاهرية" التي يظهر بها الجلاد في حياته الخاصة، وبين الشكل الذي يظهر به الجلاد اثناء تعذيب ضحاياه، ومن هنا نحت علماء النفس ما يُسمى "الازدواجية"، أو "الذات الأخرى".

وهي تعني، ببساطة، ظهور ذات أخرى مستقلة عن ذات الجلاد؛ بمعنى أن يصبح الجلاد ذاتين، واحدة للمشاعر الإنسانية والعلاقات الودية، والأخرى للعنف اللا-إنساني.

الحقيقة أن مفهوم الازدواج قد يفسر لنا طبيعة الجلاد بعيداً عن عمله، إلا أنه لم يفسر الطريقة التي تتكون بها هذه الذات الأخرى المتوافقة مع العنف والقهر، ولا طريقة عملها، كما أنه لا يفسر لنا فاعليتها وقدرتها على حماية الجلاد فعلياً من الآثار النفسية التي من الممكن أن تصيبه، لكن الأكيد أن الذات الأخرى هي نتيجة مجموعة عمليات داخلية معقدة جداً.

صورة الجلاد عن نفسه

يرى الجلاد نفسه في العموم أعلى من فئة ضحاياه، الذين هم بالأساس -بالنسبة له- أعداء الشعب والمبادئ والتقاليد والقيم ويجب التخلص منهم في سبيل الله والوطن.

بل يرى نفسه، بعض الأحيان، أعلى من الجميع؛ فهو الأعرف والأصوب والأقوى والأكثر كفاءة وحنكة، والأعلم بمصلحة الجميع. كما أن لديه إيماناً عميقاً وصادقاً بأنه في حرب، ومعركة ضد أعدائه لأجل حماية مبادئ وأهداف عُليا سامية.

تثبت الدراسات والأبحاث أن قسماً كبيراً من الجلادين يظل على قناعته بصواب أفعاله، حتى النهاية مهما كانت النتائج، ولا يكون الأمر محاولة للهروب أو النجاة بقدر ما هو تغيير حقيقي في الوعي، حيث يعاد ترتيب الصورة وعناصرها مرة أخرى بما يحقق الرضا والسلام الداخلي.

ما من نصوص يمكننا من خلالها تكوين فكرة كاملة عن طبيعة الجلاد أو المسؤولين عن المنظومة، وتحديداً المصرية منها وذلك لغياب الكثير من المصادر الموثقة.

فعلى سبيل المثال حبيب العادلي رأس المنظومة الأمنية في عهد الرئيس المخلوع مبارك -والذي قد يكون أشرف بنفسه على جولات تعذيب- لم يكن كثير الظهور في وسائل الإعلام، حتى أثناء محاكمته لم يصدر عنه سوى القليل من التصريحات، لذلك لا نملك عنه سوى بعض الأوصاف التي أدلى بها مقربون، أو بعض المقابلات لأشخاص احتكوا به مباشرة، والتي وصفوه فيها بالغموض. بالإضافة إلى لغة جسده الهادئة جداً أثناء المحاكمة، والتي يظهر عليها الثقة وعدم التوتر.

لا تمثل الهيئة التي ظهر عليها العادلي سوى سنوات قضاها على رأس المنظومة الأمنية، فرغم الموقف العسير الذي يمر به إلا انه على عكس الاحتمالات أظهر لغة جسدية تحمل ثقة وايماناً ويقيناً بسلامة موقفه.

وأخيراً، يبقى كل ما ذُكر مجرد محاولة للتحليل والاستنتاج، ربما لا يتسم بالدقة الواجبة، لكنه سوف يظل هكذا طالما لم تتيسر لنا السبل للقاء هؤلاء الأشخاص عن قرب والتفاعل معهم والتعرف عليهم.

المقال: اعادة عرض وتبسيط لأجزاء من : "كتاب ذاكرة القهر- دراسة حول منظومة التعذيب"تأليف بسمة عبد العزيز، (الطبعة الأولى التنوير/القاهرة 2014)

المصدر: TRT عربي