أجرى الجيش الفرنسي أول تجربة تفجير لقنبلة نووية بعرض مياه الأرخبيل، في ما سمي وقتها بتجربة "سونتور" عام 1966 (Gregory Boissy/AFP)

حصيلة ثقيلة هي التي يقف أمامها الرئيس ماكرون وجهاً لوجه مع بدء رحلته لبولينيزيا الفرنسية، خراب في الإنسان والعمران جراء تجارب نووية أجرتها بلاده هناك لمدة ثلاثين سنة، يذهب ضحيَّتها إلى اليوم أكثر من 110 آلاف مصاب بسرطانات مختلفة، في ما يصفه نشطاء وصحافيون بـ"الوباء السرطاني".

وجزر بولينيزيا هي عبارة عن عدد كبير من الجزر الصغيرة التي تتناثر في جنوب المحيط الهادي، ويبلغ عددها حوالي 130 جزيرة بمساحة أراضي يابسة 3660 كم.

منذ مارس/آذار الماضي، وبعد نشر منظَّمة Disclose الصحافية الفرنسية تحقيقاً مطولاً يكشف فظاعات ما قامت به السلطات الفرنسية طوال الفترة الفاصلة بين 1966 و1996، من تجارب نووية في الأرخبيل البولينيزي، صعدت معها حركة ضغط على الحكومة الفرنسية من أجل الاعتذار إلى شعوب تلك الأرض وتعويضهم عن ما طالهم من ضرر.

بالمقابل، تورد وسائل أنباء عزمَ ماكرون على القيام بتلك الخطوة، تبقى تلك الخطوة، إن صح وقوعها، دلالة أخرى عن ازدواجية المعايير الفرنسية؛ إذ لا تعتذر إلا لمن هم محسوبون كمواطنين لها، ومن ناحية أخرى تهمل المتضررين إزاء جرائم من النوعية نفسها ارتكبتها سابقاً في الجزائر.

فظاعات التجارب النووية في بولينيزيا

يكشف تحقيق Disclose الفرنسية عن حجم الدمار الذي لقيه الأرخبيل جراء ثلاثين سنة من التجارب النووية التي كانت تجريها على أراضيه السلطات الفرنسية، حفر موروثها على لحم أصحاب الأرض بسرطانات مختلفة ما زالوا يدفعون ثمنها بأرواحهم.

تعود تفاصيل هذه الكارثة الصحيَّة إلى 2 يوليو/تموز سنة 1966، حين أجرى الجيش الفرنسي أول تجربة تفجير لقنبلة نووية بعرض مياه الأرخبيل، في ما سمي وقتها بتجربة "سونتور"، تبعتها بعد ذلك أكثر من 193 تجربة امتدت إلى حدود 1996. "حسب تحقيقاتنا فـ110 آلاف شخص تعرضوا بشكل خطير للإشعاعات" يقول تحقيق Disclose، ويضيف: "جراء أكثر من 193 تجربة تفجير خطيرة لقنابل نووية في الهواء الطلق في مياه الأرخبيل" مثَّلت "الموروث السامَّ" للجيش الفرنسي هناك.

فيما قالت وثائق الجيش و "المفوضية الفرنسية للطاقة الذريَّة" إنها حرصت على أن لا تطال الإشعاعات الأماكن السكنية، بالرغم من أن التحقيق الصحفي قد كشف أن هذه الاحترازات استهترت بحياة 450 شخصاً يسكنون جزيرة "مانغافيرا"، أهم جزيرة بالأرخبيل من ناحية المساحة، والتي لم تشملها احترازات الإصابة بالتلوُّث. يشدد التحقيق الصحافي على أنهم "لم يكونوا أساساً على علم بما يجري حولهم". 450 نسمة كان ضمنهم 61 طفلاً لا يتجاوز عمرهم الطفل منهم 8 سنوات، حيث "أثر الإشعاعات النووية أكبر عليهم وهم الأكثر عرضة للإصابة بالسرطان".

"عندما حدث الانفجار، أحسسنا كلنا بالرعب من هول ما وقع" يقول أحد ساكنة الجزيرة الذي كان عمره وقت أول تجربة 13 سنة. وإلى حدود أسابيع بعد ذلك، لم تتدخل السلطات الفرنسية في حماية أولئك الضحايا، وبعد أن تحركت كان التلوث قد أصاب ما أصاب؛ من بشر وتربة ومياه. "عندما بدأ أطفالنا يموتون بدأنا آنذاك بطرح الأسئلة" تقول إحدى سكان الجزيرة، مشيرة إلى أن السرطانات بدأت تنتشر بشكل متوارث من الآباء للأبناء، وأن إناث تلك الجزر يسجلون أعلى معدلات الإصابة بسرطان الغدَّة الدرقية في العالم. وبالتالي كان عنان "القاتل الصامت" قد أطلق، متفشياً بين السكان لدرجة يصفها التحقيق بـ "الوباء السرطاني".

اعتذار منتظر وازدواجية في المعايير

حسب ما أعلنته وسائل إعلام فرنسية، فإن الرئيس ماكرون قد بدأ زيارته إلى بولينيزيا، قادماً لها بعد مشاركته في الحفل الافتتاحي للألعاب الأولمبية المقامة حالياً بطوكيو اليابانية، بهدف عرض رؤيته الإستراتيجية لمنطقة جنوب المحيط الهادي بعد التحركات الصينية الأخيرة فيها. غير أن التوتر الحاصل هناك حول ملف التجارب النووية، بعد أن فضحت تحقيقات Disclose هولها، دفع حركة احتجاجية تقوم مطالبة باعتذار وتعويض فرنسي لما طالهم من ضرر.

"نتوقع اعتذاراً من الرئيس"، هكذا عبَّر أوغوست كارلسون، القس ورئيس رابطة ضحايا التجارب النووية ببولينيزيا، مضيفاً أنه "مثلما اعترف بأن الاستعمار في الجزائر كان جريمة، نتوقع منه أيضاً أن يعلن أن (التجارب النووية) جريمة وأنها شكل من أشكال الاستعمار المرتبط بالطاقة النووية هنا في المحيط الهادي". هذا وخرج المتظاهرون بالآلاف في تاهيتي كبرى جزر بولينيزيا الفرنسية تزامناً مع زيارة الرئيس، فيما رفع بعضهم شكواه إلى المحكمة الدولية، كحالة أوسكار تيمارو الذي قدم شكوى ضد فرنسا في 2018 بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية.

قال أوسكار إن "جميع السكان سيتمكنون من تقديم شكوى إلى المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي لأن تقرير Disclose يذكر أن أكثر من مئة ألف شخص طالتهم إشعاعات نووية جراء تجربة سنتور". فيما تعهدت باريس مؤخراً بتسهيل الوصول إلى الأرشيف وتعويض ضحايا التجارب بشكل أفضل، من المحتمل أن يكون ضمنها الاعتذار المطالب به شعبياً.

وتشبه فظاعات ما فعلته فرنسا في بولينيزيا، ما فعله الاحتلال في صحراء الجزائر، التي وصفت بأنها فاقت هيروشيما بأربعة أضعاف مخلفة هي الأخرى ضحايا يكابدون التسمم والسرطانات إلى اليوم، مقابل تعنُّت الجانب الفرنسي في تزويد الدولة الجزائرية بخرائطها كي تعمل على تأمين الأماكن الملوَّثة.

تبدي فرنسا ليونة الآن في تعاطيها مع المطالب البولينيزية، عكس الجزائرية، كون أن تلك الجزر تعد إقليماً فرنسياً يضم قرابة 280 ألف نسمة، لها حقها في التصويت وفي تأثير على الساحة السياسية بالأرض الأم. ورحلة ماكرون إليها قبل أشهر من سباقه الانتخابي نحو ولاية ثانية في الرئاسة، قد تحمل قراءة عزمه على استمالة الأصوات من هناك لصالحه. كما أن المنطقة تعرف استقطاباً كبيراً بعد التحركات الصينية جنوب المحيط الهادي، ما يجعل للمنطقة مكانة استراتيجية، تفضح هي الأخرى ازدواجية المعايير في الاعتراف بخطأ تاريخي من نفس الطَّبيعة.

TRT عربي