بغض النظر عن التداعيات التي قد تترتب على تصنيف الحرس الثوري الإيراني على قوائم الإرهاب الأمريكية فإن هذا التصنيف من شأنه أن يرفع من مستوى التوتر الإقليمي، ويزيد من حالة عدم الاستقرار.

تعددت الهدايا الأمريكية التي منحها الرئيس دونالد ترمب لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. من الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأمريكية إليها، إلى إلغاء حل الدولتين، والاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان إلى تصنيف الحرس الثوري الإيراني مؤخراً كمنظمة إرهابية وهو المطلب الذي سعى نتنياهو له على مدار أكثر من عشر سنوات.

هدية إلى السيد نتنياهو

لم يُخفِ نتنياهو مقدار سعادته بالهدية الأخيرة خصوصاً أنها أتت في آخر ساعة قبيل الانتخابات الإسرائيلية المبكرة. فقد أوردت صحيفة واشنطن بوست أن رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو وفي تغريدة له على تويتر باللغة العبرية قال مخاطباً الرئيس ترمب: "شكراً لك لاستجابتك لطلب آخر يخدم دولتنا والإقليم. سوف نستمر في العمل معاً بأي طريقة ضد النظام الإيراني الذي يهدد دولة إسرائيل، والولايات المتحدة والسلام في العالم". وهي نفس التغريدة التي نشرت -وفق الصحيفة- باللغة الإنجليزية ولكن مع حذف عبارة "لاستجابتك لطلب آخر".

لقد بات واضحاً عند الحديث عن السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط ضرورة النظر إلى أجندة الحكومة الإسرائيلية. فمنذ تولي الرئيس دونالد ترمب مهامه الدستورية كرئيس للولايات المتحدة، سعى إلى تبنّي وجهة النظر الإسرائيلية في التعاطي مع قضايا المنطقة خصوصاً تلك التي تتعلق بالقضية الفلسطينية والتعامل مع إيران.

سياسة أمريكية بأجندة إسرائيلية

ومن هنا، فلا بدَّ من وضع تصنيف الحرس الثوري الإيراني كمنظمة إرهابية ضمن سياقه الإقليمي من أجل فهم أوضح لأسباب هذا التصنيف الذي يعدّ الأول من نوعه في حق كيان حكومي بحجم الحرس الثوري الإيراني وتداعياته.

وبالعودة إلى سياسة الولايات المتحدة تجاه الشرق الأوسط والمتطابقة مع الأجندة الإسرائيلية إلى حد كبير، فإن جوهر هذه السياسة يقوم بالأساس على دمج إسرائيل كدولة طبيعية في المنطقة، وفتح باب التطبيع على مصراعيه مع العرب.

لتحقيق هذا الدمج الطبيعي لإسرائيل في المنطقة لا بدَّ من تحقيق شرطين متداخلين إلى حد كبير: أولاً، إنهاء الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني. وثانياً، عزل إيران وتقليم نفوذها في المنطقة.

إنهاء الصراع مع الفلسطينيين

وقد أحدث الرئيس ترمب مقاربة جديدة للتعامل مع الشرط الأول المتمثل في إنهاء الصراع الفلسطيني من خلال ما أطلق عليه بصفقة الحل النهائي والتي تقوم بالأساس على منطق فرض الأمر الواقع في القضايا العالقة بين الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني وهما في الأساس القدس واللاجؤون.

هذا بالإضافة إلى تجاوز حل الدولتين إلى صيغة جديدة تقوم على ضم إسرائيل لأراضي الضفة الغربية، ومنح الفلسطينيين إدارة محلية لتجمعاتهم السكنية الكبرى، وتثبيت الانقسام كأمر واقع بين الضفة وغزة. وهو ما ينهي تماماً حلم الدولة الفلسطينية التي لطالما عدها نتنياهو خطراً على أمن إسرائيل ووجودها.

عزل إيران وتقليم نفوذها

أما الشرط الثاني فيقوم على عزل إيران، وتشديد الحصار عليها، وتقليم نفوذها في المنطقة. وقد كان الرئيس ترمب واضحاً بشكل كافٍ تجاه تعاطيه مع إيران حتى من أيام حملته الانتخابية التي هدد فيها مراراً وتكراراً بعزمه الانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني الذي تم التوصل إليه عام 2015، وإعادة فرض العقوبات عليها.

وتداخل هذا الشرط مع الشرط الأول هو أن التعاطي مع إيران إقليمياً لا بدَّ أن يكون - وفق البيت الأبيض- من خلال إنشاء تحالف بين الدول العربية وإسرائيل، وهو التحالف الذي حاولت الولايات المتحدة البدء به من خلال المؤتمر الذي عقد في وارسو في فبراير/شباط 2019.

وقد أثبت الرئيس ترمب ومنذ توليه مهام منصبه أن وعوده التي قطعها على نفسه ضد إيران لم تكن مجرد بالونات اختبار. فقد انسحبت إدارته من الاتفاق النووي الإيراني الذي يعرف اختصاراً بـJCPOA، وإعادة فرض العقوبات الاقتصادية على إيران بشكل مشدد يشمل غالبية قطاعاتها الحيوية على رأسها القطاع المالي وقطاع الطاقة، وأخيراً تصنيف الحرس الثوري الإيراني على قائمة الإرهاب الأمريكية.

مقاربة ترمب الجديدة تجاه إيران

تأتي هذه الخطوات الأمريكية ضمن مقاربة جديدة تبنّاها الرئيس ترمب تجاه إيران وتقوم على أن التعاطي مع ملف إيران النووي يجب ألا يكون بمنأى عما يراه ترمب سياسة إيران التخريبية في المنطقة ودعمها المتواصل للإرهاب. وهي السياسة التي خالفت النهج الذي تبناه سلفه الرئيس أوباما في التعاطي مع إيران إذ فصل مسألة مشروعها النووي عن سياستها التدخلية في الدول العربية، وهو الفصل الذي ألَّب عليه حلفاءه في المنطقة خصوصاً دول الخليج وعلى رأسهم السعودية، بالإضافة إلى إسرائيل التي وصلت علاقة رئيس وزرائها نتنياهو إلى مستويات غير مسبوقة من التوتر والبرود مع الرئيس أوباما.

إذن يأتي استهداف الحرس الثوري الإيراني من خلال تصنيفه كمنظمة إرهابية ليخدم الهدفين الأساسيين في مقاربة الرئيس ترمب وهما الحد من نفوذ إيران في المنطقة وضرب اقتصادها، وذلك بالنظر إلى الانخراط الكبير للحرس الثوري الإيراني في هذين الملفين بالذات.

الحرس كقوة عسكرية واقتصادية ضاربة

الحرس الثوري الإيراني يعد القوة الضاربة للسياسة الخارجية الإيرانية، فمن خلال قوامه الذي يضمن ما يقرب من 150 ألف عنصر، موزعين على القوة البرية والجوية والبحرية، وقوة العمليات الاستراتيجية الخارجية أو فيلق القدس بقيادة الجنرال قاسم سليماني، استطاع الحرس أن يفرض أجندة إيران على الكثير من دول المنطقة ابتداءً من الحرب الأمريكية على العراق التي فتحت بوابة الوطن العربي الشرقية للتوغل الإيراني من خلال إسقاط نظام صدام حسين، وصولاً إلى ثورات الربيع العربي التي أدت ردود العفل العنيفة من قبل الأنظمة العربية فيها إلى تحويل بعض الدول العربية إلى دول فاشلة تعاني تمزقاً وحروباً أهلية مثل سوريا واليمن.

كما أن الحرس الثوري الإيراني يعد في نظر الكثير من الخبراء امبراطورية اقتصادية واسعة إذ يسيطر على ثلث الاقتصاد الإيراني من خلال انخراطه الواسع في المشاريع الاقتصادية الحيوية المتعلقة بقطاع الاتصالات، والبنية التحتية، وإدارة الكثير من المرافق المحورية كالمطارات والموانئ، واضطلاعه بعملية الاستيراد والتصدير، وإدارة السوق السوداء المتعلقة بتهريب النفط الإيراني من أجل التحايل على العقوبات الدولية.

وبالإضافة إلى مهامه الجوهرية المتعلقة بالملفات الخارجية والاقتصادية، يتحمل الحرس الثوري على عاتقه أيضاً مهمة حماية النظام الإسلامي في إيران والدفاع عنه. فعلى إثر الثورة الإسلامية في إيران، وإنشاء نظام ولاية الفقيه بزعامة المرشد الأعلى روح الله الخميني عام 1979 تمت إعادة ترتيب حدود العلاقة بين الجيش النظامي الإيراني، والحرس الثوري حديث النشأة؛ إذ أوكلت للجيش النظامي حماية حدود البلاد والمحافظة على النظام والسلم الداخليين، في حين أوكلت مهمة حماية النظام السياسي أي نظام ولاية الفقيه إلى الحرس الثوري الأكثر التصاقاً دينياً وإيديولوجياً بالنظام.

وقد ألحقت بالحرس الثوري أيضاً قوات الباسيج الشعبية شبه العسكرية والتي تضم ما يقرب من 100 ألف عنصر في قوامها؛ مهمتهم التعاطي مع المعارضين وقمع المتظاهرين وهو ما تبدّى إبان الحركة الخضراء التي انطلقت اعتراضاً على نتائج الانتخابات الرئاسية عام 2009 والتي جددت للرئيس أحمدي نجاد حينها ولايته الثانية؛ إذ قامت هذه القوات وبدعم من الحرس الثوري بقتل المئات واعتقال عدة آلاف من المتظاهرين الإيرانيين السلميين.

تداعيات تصنيف الحرس إرهابياً

إذن، بالنظر إلى دور الحرس الثوري، ومهماته، وأهميته للنظام الإيراني فإن وضعه على قوائم الإرهاب الأمريكية من شأنه أن تكون له تداعيات كبيرة سواء على سياسة إيران الداخلية أو سياستها الخارجية.

داخلياً، لا يخفي الرئيس ترمب من أن السبب الأول لهذا التصنيف هو ممارسة ضغوط أكبر على الاقتصاد الإيراني الذي دخل مرحلة حرجه بعد إعادة فرض العقوبات الاقتصادية عليها. لقد كانت سياسة ترمب واضحة بهذا الخصوص وهي عزمه على جعل تصدير النفط الإيراني يساوي صفراً وهو الأمر الذي من شأنه أن يجعل الاقتصاد الإيراني على شفير الانهيار بالنظر إلى اعتماده الكبير على صادرات الطاقة في دعم خزينته.

وتشير الأرقام حسب صندوق النقد الدولي إلى أن الاقتصاد الإيراني قد انكمش بنسبة 1.5% حتى نهاية عام 2018، ومن المتوقع أن ينكمش بمقدار 3.6% حتى نهاية عام 2019، ما يجعل نمو الاقتصاد الإيراني يقارب 0%. كذلك فإن الريال الإيراني خسر ثلثي قيمته، ووصل معدل التضخم إلى 3.4%، وانخفضت صادرت إيران من النفط إلى1.7مليون برميل يومياً بعد أن كانت2.7 مليون برميل يومياً.

وتراهن إدارة الرئيس ترمب على أن تدهور الوضع الاقتصادي في إيران من شأنه أن يدفع الشعب إلى التخلي عن النظام، والاندفاع في الشوارع مطالبين بإسقاطه، وقد بدت إرهاصات ذلك من خلال بعض المظاهرات التي خرجت في عدة مناطق في إيران في النصف الثاني من عام 2018، ولكن تعاطي النظام الإيراني الحاسم معها وضع حداً لانتشارها وتفاقمها أكثر.

غير أن الرهان الآخر والمتمثل بزيادة التصدع بين أجنحة النظام أي بين تيار المحافظين والإصلاحيين يبدو أنه ذهب بالاتجاه المعاكس على إثر التضامن الذي أبداه كل من الرئيس حسن روحاني ووزير خارجيته جواد ظريف مع الحرس الثوري. فالسياسة التي أريد منها تعميق الشرخ بين النخبة الإيرانية زادها تقارباً هذا على الرغم من أن الرئيس روحاني الذي يحسب على تيار الإصلاحيين - إلى حد ما - كان من أكثر الرؤساء انتقاداً لتدخل الحرس الثوري في السياسية الإيرانية.

أما على المستوى الخارجي فمن شأن هذا التصنيف أن يضع عمليات الحرس الثوري في المنطقة تحت الاستهداف المباشر للقوات الأمريكية. فالقوات الأمريكية التي ما زالت في خضم حربها ضد الإرهاب في المنطقة قد أضافت إلى قائمة أهدافها كياناً جديداً ينتشر في الكثير من المناطق التي تشهد نشاطاً عسكرياً أمريكياً خصوصاً في سوريا والعراق واليمن. هذا بالإضافة إلى الصعوبات التي ستواجه الحرس الثوري في إدارة شبكة المليشيات والحركات الموالية أو المناصرة أو المتحالفة مع إيران المنتشرة في المنطقة مثل الحوثيين في اليمن وحزب الله في لبنان وحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين.

لا شك أن هذا الوضع من شأنه أن يفرز نتائج غير متوقعة على الصعيد العسكري في ظل اقتراب خطوط المواجهة للقوات المتنازعة بعضها من بعض. فمن جانب، قامت إيران بتصنيف القوات الأمريكية الموجودة في الخليج على قوائم الإرهاب لديها، وهو ما يفتح المجال لاحتمال استهدافها أكثر من ذي قبل، ومن جانب آخر هناك إسرائيل التي ربما تكثف طلعاتها العسكرية في سوريا لضرب القواعد الإيرانية، وربما توسع نطاق عملياتها إلى لبنان أيضاً، الأمر الذي قد يقود إلى رد عسكري إيراني مباشر أو عن طريق وكلائها في المنطقة، ما يجر إسرائيل إلى مواجهة شاملة تقحم فيها الولايات المتحدة.

ويرى الخبراء أن هذا السيناريو وإن كان مستبعداً فيما مضى، فإنه اليوم ممكن أكثر في ضوء السياسات غير المتوقعة للرئيس ترمب والمتساوقة مع وجهة نظر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي يرى في إيران خطراً وجودياً على إسرائيل.

وأخيراً، فإن العديد من الخبراء يرى أنه وبغض النظر عن التداعيات التي قد تترتب على تصنيف الحرس الثوري الإيراني على قوائم الإرهاب الأمريكية فإن هذا التصنيف من شأنه أن يرفع من مستوى التوتر الإقليمي، ويزيد من حالة عدم الاستقرار.

المصدر: TRT عربي