لا صوت يعلو فوق صوت الحوار في الجزائر باعتباره الخيار الأفضل للخروج من المأزق السياسي الراهن بعد إعلان المجلس الدستوري استحالة إجراء الانتخابات الرئاسية التي كانت مقررة في الرابع من يوليو/تموز القادم لكن هذا الحوار دونه عقبات.

تعالت الأصوات في الأوساط السياسية الجزائرية بالدعوة إلى الحوار بوصفه يشكل الحل الأنجع للخروج من الأزمة السياسية، خاصّةً بعد أن فشلت محاولات السلطة في إقناع الطبقة السياسية والشارع بتنظيم انتخابات رئاسية في موعدها المحدد.

ففي سياق المحاولات لحلحلة الأزمة دعا ممثلو 41 نقابة وجمعية ومنظمة وطنية لعقد ندوة حوار في 15 يونيو/حزيران، من أجل الاتفاق حول خارطة طريق للخروج من الأزمة التي تعاني منها البلاد، ستُطرح لاحقاً على الساحة السياسية.

كما دعت ثمانية أحزاب بارزة من المعارضة خلال اجتماع عقدته بداية يونيو/حزيران إلى عقد مؤتمر حوار وطني لحل الأزمة الراهنة في أقرب الآجال، لكنها لم توضّح طبيعة الجهة التي تدعو وترعى الحوار وأجندته والأطراف التي تشارك فيه.

وكان الرئيس المؤقت عبد القادر بن صالح دعا في خطاب إلى حوار شامل في السادس من يونيو/حزيران بمشاركة كل الأحزاب السياسية مؤكداً تمسكه بإجراء انتخابات رئاسية في الآجال المحددة لكنّ ردود الطبقة السياسية تباينت بشأنه، إذ رحبت به أحزاب الموالاة بينما رفضته أحزاب المعارضة ووصفته بالتحايل السياسي.

في مقالٍ له، قال علي بن فليس، رئيس حزب طلائع الحريات، إنّ الخطاب لم يكن في مستوى الخطورة الاستثنائية التي يواجهها البلد سياسياً ومؤسساتياً ودستورياً بل "زاد من الإحباط وخيبة الأمل".

ردّ الجماهير على خطاب الرئيس بجمعة حاشدة رُددت خلالها المطالب نفسها وهي رحيل بقايا النظام السابق
ردّ الجماهير على خطاب الرئيس بجمعة حاشدة رُددت خلالها المطالب نفسها وهي رحيل بقايا النظام السابق (Reuters)

أما ردّ الجماهير على خطاب الرئيس فكان بجمعة حاشدة رُددت خلالها المطالبُ نفسها، وهي رحيل بقايا النظام السابق وتنصيب هيئة مستقلة لتنظيم الانتخابات الرئاسية.

لكنهم تقبلوا فكرة الحوار التي ينادي بها قائد أركان الجيش قايد صالح شرط أن يجري بعيداً عن رموز النظام السابق.

عقبات واشتراطات

لم تُلقِ المؤسسة العسكرية بالاً للدعوات المتكررة للحوار من طرف المعارضة أو بعض الشخصيات وفعاليات المجتمع المدني وأصرت على الذهاب إلى الانتخابات، لكن بعد أن تبين لها استحالة إجرائها بسبب العزوف عن الترشح وجدت نفسها مضطرة إلى الدعوة لحوار قد ينزع فتيل الأزمة.

لكن الحوار يواجه عقبات أبرزها اشتراط الحراك والمعارضة رحيل رموز النظام السابق وفي مقدمتهم الوزير الأول نور الدين بدوي والرئيس المؤقت عبد القادر بن صالح.

يتوقف نجاح الحراك على السلطة السياسية ونواياها وما يمكن أن تقدمه من تطمينات للمجتمع و"مدى قدرتها على تقديم التنازلات والقبول بالمقترحات التي قدمها الحراك وفاعليات المجتمع المدني" يقول أستاذ علم الاجتماع السياسي ناصر جابي لـTRT عربي مؤكداً ضرورة إبعاد حكومة بدوي وبن صالح وايجاد واجهة سياسية بديلة لإطلاق الحوار.

لم تُلقِ المؤسسة العسكرية بالاً للدعوات المتكررة للحوار من طرف المعارضة أو بعض الشخصيات وفعاليات المجتمع المدني وأصرت على الذهاب إلى الانتخابات
لم تُلقِ المؤسسة العسكرية بالاً للدعوات المتكررة للحوار من طرف المعارضة أو بعض الشخصيات وفعاليات المجتمع المدني وأصرت على الذهاب إلى الانتخابات (AP)

وعليه فإن على السلطة أن تقدّم أوراق استقالات كل من بن صالح وبدوي قرباناً لتثبت حسن النية وتعيد بناء الثقة مع الحراك باعتبار ذلك موقفاً مبدئياً كما يوضح الحقوقي والمحامي وأيقونة الحراك مصطفى بوشاشي لـTRT عربي أن مسألة تمثيل الحراك تشكل عقبة أخرى في وجه الحوار على الرغم من بروز شخصيات كثيرة في بدايته بإمكانها تمثيله في أي اتفاق مع السلطة.

قائد أركان الجيش قايد صالح كان يتحجج في السابق بعدم وجود شخصيات لتحاور معها وهو "شكل آخر من أشكال رفض الحوار على الرغم من أن الحراك أفرز وجوهاً معروفة وعلى الرغم من الاقتراحات الفردية والجماعية لشخصيات وطنية" يضيف ناصر جابي.

وسبق أن اصطدمت فكرة تمثيل الحراك بحملات مضادة رفضت مبدأ تعيين ممثلين عنه، إذ برزت أسماء لشخصيات كثيرة في الحراك الشعبي مع بداياته، لكنها سرعان ما اختفت تحت وقع انتقادات من الشارع أو من جانب رواد حملات مواقع التواصل الاجتماعي.

ويعود ذلك "لاختلاف مكونات الحراك الشعبي الأيديولوجية وألوانه السياسية"، حسب الخبير الدستوري والمحلل السياسي عامر رخيلة في تصريح لـTRT عربي.

وتطرح أحزاب سياسية وشخصيات وطنية فكرة الذهاب إلى مرحلة انتقالية للخروج من الأزمة السياسية، وهو ما ترفضه المؤسسة العسكرية بشدة، وتتحفظ عليه أحزاب وشخصيات وطنية، وترى أنه مشروع فاقد للشرعية الدستورية والقانونية.

ولفت رخيلة إلى أن هناك شخصيات ضمن الحراك ترفض كل الحلول المطروحة من طرف السلطة وتريد حلولاً وفق رؤيتها باستبعاد كل مكونات السلطة القائمة.

واعتبر أن هذا المنطق القائم على الإقصاء الشامل "يتنافى مع مبادئ الحوار والعمل السياسي". معتبراً أن التنازلات ستكون هي الطريق الوحيد لإطلاق حوار يتطلع لتغيير النظام تدريجياً".

هناك شخصيات ضمن الحراك ترفض كل الحلول المطروحة من طرف السلطة وتريد حلولاً وفق رؤيتها باستبعاد كل مكونات السلطة القائمة
هناك شخصيات ضمن الحراك ترفض كل الحلول المطروحة من طرف السلطة وتريد حلولاً وفق رؤيتها باستبعاد كل مكونات السلطة القائمة (Reuters)

حملات تطهير

وأجرى بن صالح حركة تغييرات مسّت مناصب عليا في سلك القضاء وقطاع الخدمات الجامعية كان أبرزها إنهاء مهام الرئيس الأول والنائب العام للمحكمة العليا وكذا رئيس مجلس قضاء العاصمة.

وينظر إلى هذه الخطوة على أنها استكمال لعملية مكافحة الفساد وتطهير مؤسسات الدولة التي باشرتها الدولة مؤخراً وطالت عدداً من رجال الأعمال ومسؤولين كباراً في الدولة والجيش.

تطهير الساحة الاقتصادية وقطاع العدالة من ممارسات النظام السابق تندرج في جزء كبير من مساعي تغيير النظام ومحور رئيسي في تقدير عامر رخيلة، مشيراً إلى أن "المحاكمات الجارية وملفات الفساد المطروحة على العدالة تعد محوراً رئيسياً في أي تغيير قادم".

وتعتبر مكافحة الفساد ومحاسبة المسؤولين عنه أحد مطالب الحراك الشعبي كما بين بوشاشي لـTRT عربي، محذراً في الوقت ذاته من محاولة استخدامها من النظام "للالتفاف على مطالب الشعب بالذهاب إلى ديمقراطية حقيقية".

بين تمسك الجيش برموز النظام السابق بمستند دستوري، ومطلب كتلة سياسية وقطاع شعبي واسع برحيلهم بمستند ثوري وشعبي، تبدو المسافة متباعدة بين طرفي الثقل في المشهد السياسي الجزائري ولا توجد أي وسيلة تقارب للتوصل إلى نقطة تفاهم وطني غير سبيل واحد يرتكز على مبدأين هما الحوار والتنازلات الممكنة.

المصدر: TRT عربي