زعيم كوريا الجنوبية، بارك تشونغ هي الذي اغتيل على يد رئيس مخابراته عام 1979 (المصدر: foreignaffairs) (Others)

في الـ26 من أكتوبر/تشرين الأول من عام 1979، وبعد انتهاء مأدبة العشاء الأخيرة التي جمعت رئيس كوريا الجنوبية آنذاك بارك تشونغ هي، بصديق طفولته رئيس مخابرات البلاد كيم شي جيو، صاح جيو قائلاً: "أنت أيها الوغد.. اِذهب إلى الجحيم"، وأتبع كلماته رصاصات اخترقت صدر تشونغ هي، وأردته قتيلاً في الحال.

ولغاية يومنا الحالي، تختلف الآراء حول الرئيس بارك تشونغ هي، فبينما يرى البعض أنه صانع النهضة الاقتصادية الشاملة التي شهدتها كوريا الجنوبية من تصنيع ونمو اقتصادي سريع نتيجة قراره الحكيم باتّباع سياسة "التصنيع للتصدير"، يُدين آخرون سياساته الديكتاتورية الاستبدادية المقيّدة للحريات، والتي انتهجها بعد مجيئه إلى السلطة عام 1962.

يُذكر أنّ بارك تشونغ تولّى حُكم كوريا الجنوبية نتيجة الانقلاب العسكري الذي قاده عام 1962، وحكم البلاد بقبضة من حديد بعد انتخابه رسمياً كرئيس منذ عام 1963 وحتى اغتياله ليلة 26 أكتوبر/تشرين الأول 1979.

حياته العسكرية

ولد بارك في 14 نوفمبر/تشرين الثاني 1917، في كيبي. كان الأصغر بين 5 أشقاء وشقيقتين في أسرة يانغبان الفقيرة. وبحسب أصدقائه، فقد كان بارك ذكياً للغاية، أنانياً وطموحاً، وكان نابليون بطل طفولته. وقد أعرب كثيراً عن اشمئزازه من أنه كان عليه أن ينشأ في الريف الفقير والمتخلف في كوريا.

وكشخص نشأ تحت الحكم الياباني، أُعجب بارك بالحداثة اليابانية التي كانت سبباً في تركه مهنة التدريس ودخول أكاديمية تشانغتشون العسكرية التابعة لجيش مانشوكو الإمبراطوري الياباني، إبّان اندلاع الحرب الصينية اليابانية الثانية.

تخرّج على رأس فصله في عام 1942، وتلقى ساعة ذهبية من الإمبراطور بويي نفسه، واعتُرف به كضابط موهوب من مدربيه اليابانيين، الذين أوصوه بإتمام دراسته في أكاديمية الجيش الإمبراطوري الياباني في اليابان.

بعد عودته من اليابان، التحق بارك بالأكاديمية العسكرية الكورية، وتخرّج منها عام 1946 رفقة صديق طفولته، وقاتله لاحقاً، كيم جاي جيو، وأصبح ضابطًا في جيش الشرطة تحت حكومة جيش الولايات المتحدة العسكرية في كوريا الجنوبية.

في أعقاب ذلك، ارتفع بارك بسرعة في التسلسل الهرمي العسكري حتى أصبح رئيساً لأركان الجيش الأول وتولى رئاسة قيادة المنطقة الأولى والسادسة الكورية، والتي منحته مسؤولية الدفاع عن سيول. في عام 1960، أصبح بارك قائداً لقيادة بوسان اللوجستية قبل أن يصبح رئيساً لأركان العمليات في جيش كوريا الجنوبية ونائب قائد الجيش الثاني. وعلى هذا النحو، كان من أقوى الشخصيات وأكثرها نفوذاً في الجيش.

قُتل على يد صديق طفولته

قصّة من النادر تكرارها، خصوصاً وأنّ بارك وكيم قد كانا أصدقاء طفولة قبل أن يشغلا أقوى منصبين في كوريا الجنوبية عقب محاولة الانقلاب الناجحة التي قادها بارك عام 1962، والتي انتهت بتوليه رئاسة البلاد لنحو 18 عاماً، فيما تولى كيم منصب رئيس جهاز الاستخبارات "كيه.سي.آي.إيه".

وكان مساء يوم 26 أكتوبر/تشرين الأول 1979 بمثابة نهاية الطريق المأساوية لحياة الصديقين، إذ أطلق كيم النار على باك بعد أن استضافه على مأدبة عشاء في البيت الأزرق الواقع بالعاصمة سيول، وتنتهي حياة كيم بالإعدام لاحقاً.

بعد مدة قصيرة، أُلقي القبض على كيم شي جيو الذي زعم فى البداية أن إطلاقه النار على رئيس البلاد كان نتيجة انفعال عاطفي، إلا أنّ التحقيقات أظهرت أنه أعدّ مسبقاً لعملية الاغتيال وخطط لها بعناية، وادعى أنه خطط لقتل صديقه حتى يُجنّب كوريا الجنوبية حمام دمٍ كبير كان بارك يخطط له ضد خصومه، وأنه قتله بدافع رغبته في استعادة الديمقراطية في البلاد.

صانع نهضة كوريا الجنوبية

على الرغم من شعبيته العارمة خلال الستينيات، إلا أنّ شعبية بارك بدأت بالانحدار بداية السبعينيات، كاد بسببها أن يخسر انتخابات عام 1971. جراء ذلك، أعلن بارك الأحكام العرفية عام 1972، وعدّل الدستور إلى وثيقة سلطوية للغاية، قُمعت من خلالها المعارضة بقسوة، نظراً لما يتمتع به بارك من سيطرة كاملة على الجيش ووسائل الإعلام.

وخلال العقود التي تلت اغتيال بارك، ساد الإرث الخاص بتطور البلاد على إرث دكتاتوريته التي عظمت في بداية سبعينيات القرن الماضي، ويعود السبب في ذلك إلى عدة عوامل، أبرزها: وسائل الإعلام القومية التي أصرّت على إظهار جانب واحد فقط لبارك باعتباره مُنقذاً وطنياً، كما لعب كبار السن الكوريين دوراً محورياً في تعزيز هذه الصورة عن بارك لإنجازاته الاقتصادية وموقفه القوي ضد الشيوعية.

وبينما أعلنت مجلة "تايم" في عام 1999 اسمه كواحد ضمن أفضل عشرة "آسيويين في القرن العشرين"، ما زال 40% من الكوريين الجنوبيين يرون بارك أفضل رئيس كوري، ووفقاً لمؤسسة "غالوب".

وفي أعقاب افتتاح مكتب ومتحف بارك تشونغ هي الرئاسي عام 2012، أصبحت ابنته الكبرى، بارك جيون هاي، أول رئيسة لكوريا الجنوبية في 25 فبراير/شباط 2013. لكنها عُزلت من منصبها في 10 مارس/آذار 2017 نتيجة لفضيحة استغلال النفوذ، وحُكم عليها لاحقاً بالسجن 27 عاماً.

TRT عربي
الأكثر تداولاً