في أعلى هرم الدولة التونسية، تتصارع العائلة السياسية نفسها التي جمعها الرئيس الباجي قايد السبسي عام 2014 تحت سقف "مواجهة الإسلاميين". مرّ ذلك الزمن، وتفرّقت أيادي العائلة "بين القبائل"، وتعاركت فيما بينها حتى بدت تونس حبيسة "صراع قصور".

لا تعود أسباب احتدام الصراع إلى وصول يوسف الشاهد، إلى قصر القصبة الحكومي في صيف 2016
لا تعود أسباب احتدام الصراع إلى وصول يوسف الشاهد، إلى قصر القصبة الحكومي في صيف 2016 (AFP)

يستعر الصراع على السلطة في تونس مع اقتراب الانتخابات العامة المتوقع إجراؤها في نهاية العام الجاري. آخر المؤشرات ظهرت في بداية الأسبوع، مع ولادة مشروع سياسي جديد، يحمل اسم "تحيا تونس"، ولا يُخفي علاقته برئيس الحكومة يوسف الشاهد.

لا يزال هذا المشروع الحزبي ينتظر انعقاد مؤتمره التأسيسي في شهر مارس/آذار المقبل، مواصلاً في هذه الأثناء مفاوضاته مع شخصيات سياسية، بغية جمعها تحت عباءته و"توحيد العائلة الوسطية الديمقراطية"، كما يقول منسقه العام سليم العزابي.

بيد أن رئيس الجمهورية الباجي قايد السبسي، سارع إلى انتقاده، واتهام عرّابه يوسف الشاهد، بالسعي لـ"البقاء في السلطة"، وبالتحالف "سراً" مع حزب النهضة بهدف الفوز برئاسة الجمهورية، وهو الأمر الذي ترد عليه النهضة، في تصريح إلى TRT عربي، قائلة إنه "ليس من المناسب التعامل مع أحداث التاريخ بمنطق المؤامرات والغرف المغلقة والبحث عن كبش فداء هرباً من تحمّل المسؤولية".

يفتح هذا المشهد على عدد من الأسئلة المرتبطة، أولاً بمشروع "تحيا تونس" نفسه، وثانياً بهوية أطراف الصراع السياسي، "المرئيين منهم وغير المرئيين"، وثالثاً بالمجال السياسي نفسه الذي تدور ضمنه صراعات السلطة بعد أكثر من ثماني سنوات على سقوط حكم الرئيس زين العابدين بن علي.

تحيا تونس: ولادة مأزومة

نشأ "تحيا تونس" في سياق أزمة سياسية، أساسها الصراع الذي استجدّ بين يوسف الشاهد وحزبه نداء تونس، وانعكاسات هذا الصراع على التوافق الثنائي المستمر منذ ما بعد انتخابات 2014 بين النهضة والنداء.

وصل هذا الصراع السياسي، بغياب محكمة دستورية، إلى حدود التجاذب على خلفية الصلاحيات الممنوحة وفق دستور 2014 للرئيس الجالس في قصر قرطاج الرئاسي وتلك الممنوحة لرئيس الحكومة الجالس في قصر القصبة. كما أنه وصل إلى حدود إعلان أمين عام نداء تونس سليم الرياحي، تقدّمه بشكوى إلى القضاء العسكري يتهم فيها رئيس الحكومة بالتخطيط مع آخرين للانقلاب على الرئيس الباجي قايد السبسي.

أسباب احتدام الصراع لا تعود إلى وصول يوسف الشاهد، إلى القصبة في صيف 2016. فهو حلّ مكان سلفه الحبيب الصيد، بتوافق بين النداء والنهضة، وجاء نتيجة رغبة الأول بالإتيان بـ"شخصية أكثر مرونة من الصيد"، كما تقول عدة مصادر في حديثها إلى TRT عربي.

ما خلط الأوراق لاحقاً وأشعل الصراع، ابتعاد الشاهد تدريجياً عن كنف الرئيس السبسي، بسبب خلافه مع نجل الأخير والمدير التنفيذي الحالي لنداء تونس حافظ قايد السبسي، وتحوّله مع الوقت إلى شخصية إضافية ضمن لائحة المنشقين عن النداء. (سوف تضم هذه اللائحة أيضاً المنسق العام الحالي لـ"تحيا تونس" سليم العزابي، الذي سبق أن عمل مديراً للديوان الرئاسي ومديراً تنفيذياً لحملة الباجي قايد السبسي، الرئاسية عام2014).

بمرور الوقت، كان منسوب الاحتقان يرتفع بسبب قدرة الشاهد على التشبّث بالحكم، ونجاحه، منذ ربيع العام الماضي، في تحويل معركة إطاحته من رئاسة الحكومة برغبة مستجدة من حزبه السابق، إلى نقطة خلافية بين شريكي الحكم، النداء والنهضة.

استقبل الشارع هذا الحدث ببرود تامّ، إذ إنّ المواطنين منشغلون بصعوبة العيش التي تزداد يوماً بعد يوم وسط لا مبالاة الحكومة وانشغالها عنهم بالصراعات الحزبية

عادل الحاج سالم ــ صحفي تونسي

طيلة عام 2018، سوف تعيش تونس حبيسة هذا المشهد السياسي الذي تحرّكه صراعات رأس هرم السلطة، بعيداً عن مسارات الانتقال الديمقراطي. وفي هذا الصدد، يقول أستاذ علم الاجتماع السياسي فؤاد غربالي، لـTRT عربي، إنّ "تشكّل تحيا تونس، جاء في سياق تأزّم الانتقال الديمقراطي وفشل تجربة التوافق بين النهضة والنداء". ويضيف أنّه نتيجة لذلك "فهو حزب وُلد من رحم الفشل".

تجاذبات وأيادٍ "غير مرئية"

بولادة "تحيا تونس"، بدا الشارع التونسي منقسماً بين مرحب بهذا الحدث وآخر منتقد، أو حتى غير مبالٍ. وعلى الرغم من أن يوسف الشاهد لم يحضر الاجتماع الأول الذي انعقد في مدينة المنستير يوم الإثنين الماضي، وأنّ قيادات هذا المشروع تسعى لإبعاده عن الصورة مكتفيةً بإعلان دعمها له، فقد أصبح الحديث عن أن الشاهد عرّاب "تحيا تونس"، حديثاً عاماً في تونس، ولا يحتاج إلى تأكيد.

ويشرح الكاتب الصحفي عادل الحاج سالم، في حديث إلى TRT عربي، أنّ "الشارع استقبل هذا الحدث ببرود تامّ، إذ إنّ المواطنين منشغلون بصعوبة العيش التي تزداد يوماً بعد يوم وسط لا مبالاة الحكومة وانشغالها عنهم بالصراعات الحزبية بين النداء وتفرّعاته من ناحية والنهضة من ناحية أخرى، والصراعات السياسية بين مختلف مكوّنات المشهد السياسي، والصراع الاجتماعي المنفجر بين الحكومة واتّحاد الشغل".

وبينما يشير الحاج سالم إلى أنّ "السؤال الغالب عند التونسيين هذه الأيام، يدور حول مدى مشروعية أن يتولّى رئيس حكومة تأسيس حزب جديد"، فإنّه يقول "من المنتظر أن يسعى هذا الحزب، بقيادة الشاهد، إلى تجميع الندائيين الذين أسّسوا حتى الآن ثلاثة أحزاب، بخلاف حزبهم الأمّ".

من جهة رئاسة الجمهورية، سارع الرئيس الباجي قائد السبسي، إلى انتقاد الحدث. فقال في حوار أخير، إنّ حزب النهضة "مسيطر على المشهد السياسي التونسي، باعتبار أنه المساند الرئيس للحكومة، ورئيسها"، وأضاف أنّ رئيس النهضة "راشد الغنوشي سيدعمه (للشاهد) في السرّ ليترشّح لرئاسة الجمهورية".

غير أنّ القيادي في النهضة عبد الحميد الجلاصي، يردّ على تصريحات الرئيس التونسي و"الأصدقاء في نداء تونس"، بالقول إنّه "ليس من المناسب التعامل مع أحداث التاريخ بمنطق المؤامرات والغرف المغلقة والبحث عن كبش فداء هرباً من تحمّل المسؤولية". ويضيف في حديث إلى TRT عربي، "نحن لا نمتلك هذه القدرة الخارقة على التحكم في المشهد الحزبي، ولم نحدد موقفنا بعد من الرئاسيات"، مرجّحاً أن تصب "اتهامات" الرئيس السبسي في خانة "التكتيك للتخلص من منافس قد يكون مزعجاً إذا استقرت نية السيد الباجي على إعادة الترشح، وهو احتمال لا تستبعده صالونات السياسة في تونس".

ما هو مزعج أنّ حزب الشاهد لم يولد على قاعدة برنامج واضح من شأنه إعطاء الأمل للتونسيين، فكل ما في الأمر هو تجمع لأشخاص لهم طموحات سياسية

فؤاد غربالي - أستاذ علم الاجتماع السياسي

هذه التجاذبات المرشحة للتصاعد، يتجاوزها فؤاد غربالي في سياق حديثه إلى TRT عربي، ويقول إنّ "ما هو مزعج أنّ حزب الشاهد لم يولد على قاعدة برنامج واضح من شأنه إعطاء الأمل للتونسيين". ووفقاً له، فإنّ "كل ما في الأمر هو تجمع لأشخاص لهم طموحات سياسية تُشكّل جزءاً من رغبتهم الملحّة في الاستفادة من الريع الذي أصبحت تتيحه الممارسة السياسية في تونس".

يحيل حديث غربالي إلى البحث عن الشخصيات الداعمة لهذا المشروع. فثمة مساحة في تونس "غير مرئية" للتنافس السياسي، يمكن الإشارة إليها بالحديث عن "الأموال، والولاءات المناطقية والعشائرية والعائلية، والتأثيرات الخارجية، والتكوينات النفسية الفردية، وملفات الابتزاز"، اقتباساً من مقالة للصحفي تيري بريزيون، بعنوان "تونس: الانقلاب العسكري شائعة، لكن الأزمة السياسية حقيقة"، نشرها إبان إقالة الشاهد لوزير الداخلية السابق لطفي براهم، بداية الصيف الماضي.

"لوبيات دعم"؟

قبل أشهر قليلة، كان بعض المطلعين على السياسة التونسية، يُقدّرون بأنّ "الشاهد قد لا ينشئ حزباً، وقد لا يترشح للانتخابات الرئاسية، وإنّما سوف يعمل على التحوّل إلى أحد أطراف لوبيات الساحل القوية والنافذة في الحياة السياسية التونسية". ويعني هؤلاء بذلك أن "يصبح الشاهد أحد حكّام تونس غير المرئيين".

غير أنّه مع ولادة المشروع السياسي، تخفُتُ هذه الترجيحات، بانتظار خطوة الشاهد المقبلة. وبدلاً منها، تبرز أحاديث أخرى عن "مموّلي" المشروع، وتجري الإشارة إلى عائلة المبروك التي ينتمي إليها صهر بن علي السابق مروان المبروك، وإلى وزير النقل في عهد بن علي عبد الرحيم الزواري، وإلى ما يُسمى بـ"لوبي فرنسا" الذي يضم شركات كبيرة ورجال أعمال.

في هذا الصدد، ثمة ثقل كبير لرجال الأعمال والنافذين الموصوفين تجاوزاً بـ"السواحلية"، في إشارة إلى منطقة الساحل التي شكّلت خزان الدولة التونسية وحكّامها. ويشرح الصحفي محمد رامي عبد المولى، لـTRT عربي، أنّه خلال الاجتماع في مدينة المنستير "حضر رجال أعمال سواحلية من الحجم الثقيل، مثل النائب زهرة إدريس (سياحة وعقارات وبنوك)، ورئيس بلدية سوسة حسين جنيح (تجارة وصناعات ومالك القناة التاسعة)، وهما أبناء عائلتين متصاهرتين لهما أيضاً نفوذ كبير في المجال الرياضي بحكم إدارة أكبر الفرق في الجهة: النجم الرياضي الساحلي".

جدير بالذكر أن السبسي والشاهد لا ينتميان إلى عائلات الساحل، وإنما إلى ما يسمى بالعائلات البلدية. وتاريخياً، تُعدُّ هذه العائلات من نخبة مدينة تونس الاقتصادية، كما الدينية (سابقاً في ظل جامع الزيتونة)، ومن حاشية الباي (الملك).

من المبكر الحديث عن نجاح تحيا تونس في استمالة نخب الساحل وناخبيه، فهو يحاول إرضاء عدة أطراف في نفس الوقت، وهذا الأمر له تكلفته

محمد رامي عبد المولى

يضيف رامي عبد المولى أنّ "هناك حديثاً عن دعم رجل الأعمال مروان المبروك وعائلته للحزب الجديد، ويرى كثيرون أن الدور الذي لعبه الشاهد في إقناع الاتحاد الأوروبي برفع تجميد أموال المبروك دليلاً على ذلك". ولكنّ الصحفي التونسي يستدرك في سياق حديثه بأنه "من المبكر الحديث عن نجاح تحيا تونس في استمالة نخب الساحل وناخبيه، فهو يحاول إرضاء عدة أطراف في نفس الوقت، وهذا الأمر له تكلفته، كما أنّ الباجي قايد السبسي وعائلته (البرجوازية البلدية) لديهم أيضاً علاقات مصاهرة وبيزنس قوية وقديمة مع كبار البرجوازية الساحلية".

عودةٌ إلى تقاليد راسخة

كان أستاذ العلوم السياسية التونسي حمّادي الرديسي، وهو أحد الذين ساهموا في تأسيس نداء تونس، يرى أنّ الأزمة الحقيقية لذلك الحزب بدأت حين "خرج السبسي منه، وذهب إلى القصر". وكان الرديسي ينظر إلى السبسي بوصفه "شخصاً كاريزماتياً في غير زمانه".

كان ذلك الحديث في بدايات عام 2015، وقد مرّ الكثير من الوقت عليه، وخرج الشاهد وغيره على حزبهم الأم. وفي هذه الأثناء، بات واضحاً أن رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة يتنافسان إلى حد بعيد على نفس الفئة الناخبة والداعمة.

حتى إن اختيار مدينة المنستير للإعلان عن هذا المشروع "لم يكن اعتباطياً"، كما يقول محمد رامي عبد المولى، شارحاً أنه"في نفس المحافظة، تم عام 1934 إعلان ولادة الحزب الحر الدستوري الجديد (بزعامة بورقيبة)، وتنظيم أول اجتماع شعبي كبير لحركة نداء تونس في مارس/آذار 2013". ويرى عبد المولى أنّ "قيادات الحزب الجديد، وعلى رأسهم الشاهد، يريدون تأكيد أنهم امتداد للحركة الدستورية الوطنية الحداثية وبديل عن نداء قايد السبسي الذي يبدو كمركب يغرق كل يوم أكثر".

هذا المشهد الذي تعيشه تونس اليوم، وطبيعة التحالفات السياسية والزبائنية التي تنتظر الانتخابات المقبلة (في حال تمّت بتاريخها)، يبقيان كل حراك سياسي يدور في البلاد، لصيقاً بقصري قرطاج والقصبة، وبقصور النافذين بدرجة أقل. وفي هذا الدوران حول قصور الحكم عودة إلى تقاليد راسخة في تونس ما قبل2011، وقبل رحيل بن علي.

على هذا الصعيد، يشير رئيس تحرير صحيفة المغرب التونسية زياد كريشان، إلى ضرورة "تحييد كامل وكلي للدولة، لا فقط بأجهزتها، بل وأساساً برمزيتها"، فيما يبقى السؤال، هل يخرج الباجي ورجاله هذه المرة من القصر إلى الحزب؟ أو هل ينجح الشاهد في الخروج من القصبة والذهاب إلى قرطاج؟.

شخصية الشاهد ومسيرته، يعكسان في جانب منهما مهام المرحلة المقبلة وخصائص من سيتولّى تنفيذ متطلباتها

محمد سميح - صحفي تونسي

أسئلة لا تزال عصيّة على الإجابة، ولكنْ في هذه الأثناء، فإن غالبية المعطيات تشير إلى أن هذا الصراع لا يتعدى كونه بين أقطاب "مرئية وغير مرئية"، فيما يخشى كثر توجهات رئيس الحكومة وتطلعاته، من دون تأييد الرئيس السبسي. وهنا يقول الصحفي محمد سميح، إن "شخصية الشاهد ومسيرته، وهو كاتب الدولة السابق للصيد البحري والموظف السابق في السفارة الأمريكية، يعكسان في جانب منهما مهام المرحلة المقبلة وخصائص من سيتولّى تنفيذ متطلباتها". ويوضح لـTRT عربي أن "مسيرته الأكاديمية، وتموقعه الإيديولوجي الذي ترجمته سياساته القائمة على التحالف مع رجال الأعمال والمراهنة عليهم في مقابل اختيار التصعيد مع النقابات، يتناغمان بشكل واضح مع التوجّه الاقتصادي القائم على تحرير الاقتصاد وإقالة الدولة من دورها والذي تسارعت وتيرته منذ خمس سنوات".

في انتظار ما ستؤول إليه التطورات، فحول قصور الحكم التونسي، عاد حجر الرحى ليدور. برغم مرور أكثر من ثمانية أعوام على رحيل بن علي.

المصدر: TRT عربي