بعد توقيع المجلس العسكري السوداني للوثيقة الدستورية في 4 من أغسطس/آب، برز سؤال حول مدى إمكانية تحقق حلم الثوار بمدنية الدولة.

منذ الإطاحة بالرئيس السوداني عمر البشير في 11 أبريل/نيسان الماضي، ظلّ الثوار في السودان يرفعون شعاراً يدعو لبناء الدولة المدنية، ويحرِّض على قطع الطريق أمام تمدد العسكر خلال الفترة الانتقالية، وهو ما قاد إلى بروز سؤال حول مدى إمكانية تحقق حلم الثوار الداعي لمدنية الدولة، في ظل الوثيقة الدستورية التي وقّعها المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير في 4 أغسطس/آب، لتكون حاكمة خلال مرحلة الانتقال.

يبدو أن الطريق أمام الوثيقة الدستورية التي وقّع عليها الطرفان بالأحرف الأولى، لن يكون سالكاً على نحو ما تشتهي المكونات الثورية، فقد أعلن الحزب الشيوعي، أحد أبرز مكونات قوى الحرية والتغيير، التي تقود الاحتجاجات في السودان، رفضه للوثيقة، وأكد أنه لن يكون جزءاً من أي حكومة تتشكل وفقاً لها، ودعا لمواصلة التصعيد بمختلف الأشكال حتى ينتزع الشعب السوداني الحكم المدني الديمقراطي.

"إنّ مفاوضي الحرية والتغيير قدموا تنازلات كبيرة، كرّست عدداً من السلطات في يد العسكريين، وهو ما يُجافي مدنية الدولة التي تطالب بها المكونات الثورية"، يؤكد عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي صديق يوسف.

ولفت صديق، في حديثه لـTRT عربي، إلى أن الوثيقة الدستورية أعطت العسكريين حق تعيين وزيري الدفاع والداخلية، بجانب أنها أوكلت إدارة الشأن العسكري والأمني للمجلس السيادي، بالتشاور مع مجلس الوزراء، منوهاً بأن ذلك لم يكن متفقاً حوله داخل قوى الحرية والتغيير.

"منحت الوثيقة المجلس السيادي حق تكوين أهم المفوضيات، بخاصة مفوضية الدستور والسلام والانتخابات، التي يتأسس عليها بناء الحكم المدني الديمقراطي". يضيف يوسف.

ويرى متتبعون للشأن السوداني أن الوثيقة الدستورية أحدثت شرخاً كبيراً داخل قوى الحرية والتغيير، وأفقدتها واحدة من أهم مزاياها التي أدت إلى سقوط النظام، وهي العمل الجبهوي من خلال تحالف عريض متناغم.

في هذا السياق، يرى أستاذ العلوم السياسية بالجامعات السودانية عثمان أبو نمر، أن قوى الحرية والتغيير مطالَبة بعملية إصلاح واسعة تعيد إليها تماسكها، وإلا ستجد نفسها أمام غضب الشارع الذي بدأ يتذمر من بروز الخلافات بين تلك المكونات.

يبدو أن الطريق أمام الوثيقة الدستورية التي وقّع عليها الطرفان بالأحرف الأولى، لن يكون سالكاً على نحو ما تشتهي المكونات الثورية
يبدو أن الطريق أمام الوثيقة الدستورية التي وقّع عليها الطرفان بالأحرف الأولى، لن يكون سالكاً على نحو ما تشتهي المكونات الثورية (مواقع التواصل الاجتماعي)

ولفت عثمان، في حديثه لـTRT عربي، إلى أن عدداً من الحركات المسلحة التي تعد جزءاً من قوى الحرية والتغيير، تحفّظت على الوثيقة الدستورية، ما يهدد فرص بناء الدولة المدنية الديمقراطية في السودان.

وكانت الجبهة الثورية المكونة من حركة تحرير السودان بقيادة مني اركو مناوي وحركة العدل والمساواة بقيادة د. جبريل إبراهيم وحركة تحرير السودان بقيادة مالك عقار، أعلنت رفضها الوثيقة الدستورية التي وُقعت بالأحرف الأولى بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير.

وطالبت الجبهة الثورية بتضمين وثيقة السلام والتحول الديمقراطي، التي توصلت إليها مع قوى الحرية والتغيير، ضمن بنود الوثيقة الدستورية، بناء على توصيات المحادثات التي جرت بينهما في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، 24 يوليو/تموز الماضي.

طوق نجاة

الوصول إلى محطة توقيع الوثيقة الدستورية بالأحرف الأولى بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير، لم يكن أمراً سهلاً، فقد جاء عقب خلافات كبيرة، تخللها مقتل أكثر من 120 من المعتصمين في عملية فض الاعتصام من أمام القيادة العامة للجيش السوداني، 3 يونيو/حزيران الماضي، وهو ما يجعل التوصل إلى أي اتفاق بين الطرفين يصب في صالح الاستقرار، وفقاً لمختصين.

ويرى المحلل السياسي عثمان المرضي، أن الاتفاق بين الطرفين أبعد السودان عن شبح الحرب الأهلية، إذ وصلت الأوضاع بين المجلس العسكري وقوى الحرية إلى درجة من الاحتقان، كان من غير المستبعد معها أن تحمل بعض المكونات الثورية السلاح، بخاصة عقب فض الاعتصام بطريقة وحشية.

وقال المرضي، لـTRTعربي، إن الوثيقة الدستورية تصلح كأساس لبناء الدولة المدنية التي ينشدها الثوار، خصوصاً إذا تمكن المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير من استعادة الثقة الكاملة بينهما، لإدارة المرحلة الانتقالية، وفقاً لشراكة حقيقية وصادقة.

لكن أستاذ العلوم السياسية بالجامعات السودانية عثمان أبو نمر، استبعد حدوث اتفاق كامل بين الطرفين، متوقعاً أن يكون أداء الحكومة خلال المرحلة الانتقالية كما لو أنها ناتجة عن ائتلاف، وليس عن شراكة في قيادة التغيير والثورة، منوهاً بأن ذلك ربما يجعل كل طرف يضع العصا في دولاب العمل، لإظهار الطرف الآخر في مظهر المقصِّر والفاشل.

تحديات في الطريق

يُجمع عدد من المختصين والخبراء على أن مهمة الحكومة الانتقالية المقبلة، لن تكون سهلة، بخاصة في ظل التعقيدات التي أسهمت بصورة مباشرة في سقوط النظام السابق.

وأشار أبو نمر إلى أن الحكومة المقبلة ستكون مواجهة بجملة من التحديات أبرزها الأزمة الاقتصادية وتحقيق السلام، لا سيما مع الحركة الشعبية بقيادة عبد العزيز الحلو، وحركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور، الذي يرفض الجلوس إلى المفاوضات كلياً، بحجة أن المجلس العسكري ليس سوى امتداد لنظام الرئيس المعزول عمر البشير.

وقريباً من حديث عثمان أبو نمر، فإن المحلل السياسي عثمان المرضي، توقّع حدوث أزمات إدارية، بسبب تداخل المهام بين المجلس السيادي ومجلس الوزراء، خصوصاً حول الملفات الأمنية، إذ يشترك المجلسان في إدارتها.

وأشار المرضي إلى أن الأحزاب التي كانت متحالفة مع النظام السابق، ربما تتحول إلى مربع المعارضة، ما قد يؤثر على أداء الحكومة، مؤكداً أن إمكانية حدوث قطيعة بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير خلال الفترة الانتقالية، تظل واردة بشدة، بخاصة في ظل غياب الثقة الكاملة بينها.

المصدر: TRT عربي