يواجه قطاعَا الصحة والتعليم عدداً من الإشكالات المتفاقمة، التي يبدو أن مختلف المخططات والبرامج العمومية لم تفلح في حلّها، ما أدّى إلى اشتعال احتجاجاتٍ قوية في القطاعين.

يُرتقب أن يعرف المغرب خلال الشهر المقبل دخولاً سياسياً "ساخناً"، بالنظر إلى حجم الملفات الاجتماعية المطروحة أمام الحكومة المغربية والانتظارات بشأنها، خصوصاً في قطاعَي الصحة والتعليم، اللذين ما فتئا يثيران جدلاً واسعاً بالمغرب مع تعاقب الحكومات والوزراء.

ويواجه قطاعَا الصحة والتعليم عدداً من الإشكالات المتفاقمة، التي يبدو أن مختلف المخططات والبرامج العمومية لم تفلح في حلحلتها، باعتراف من أعلى سلطة في المملكة، ليظل المغرب يتذيل المؤشرات الدولية في هذين المجالين الحيويين.

وشهد القطاعان خلال السنوات الماضية عدداً من الاحتجاجات، إذ لا يكاد يمر أسبوع دون أن يخوض العاملون في المجالين إضرابات ومسيرات احتجاجية والتهديد بخطوات تصعيدية، آخرها إقدام أزيد من 306 أطباء مغاربة على تقديم استقالتهم الأسبوع الماضي.

الصحة.. "موت سريري"

خلال السنتين الأخيرتين، وصل عدد الأطباء الذين قدموا استقالات إلى حوالي ألف طبيب، بعدد من جهات المملكة، احتجاجاً على ظروف عملهم والقطاع الصحي عامة الذي وصفوه بالكارثي، معتبرين أنه "لا يرقى إلى تطلعات المواطنين وحقهم في الصحة الذي يكفله الدستور".

يطالب الطلبة بجعل التكوين الطبي في القطاع العام موازياً للقطاع الخاص دون تداخل بينهما.
يطالب الطلبة بجعل التكوين الطبي في القطاع العام موازياً للقطاع الخاص دون تداخل بينهما. (Getty Images)

وتهدد استقالات الأطباء "بتعميق" المشاكل التي تئن تحت وطئتها المستشفيات المغربية، خصوصاً مع مقاطعة طلبة كليات الطب والصيدلة وطب الأسنان، الدراسة والامتحانات منذ شهر مارس/آذار الماضي.

في هذا السياق، يقول الكاتب العام الوطني لنقابة أطباء القطاع العام المنتظر العلوي، إن استقالات الأطباء تأتي بعد الوصول إلى النفق المسدود في الحوار بين الوزارة والأطباء، مشيراً إلى أن "مختلف النضالات التصعيدية، تعكس الإيمان بعدالة ملفنا المطلبي، ودرءاً لانهيار المنظومة الصحية الحتمي والوشيك".

وتتواصل احتجاجات أطباء القطاع العام، الذين يحتجون على واقع القطاع الصحي و"عدم استجابة" وزارة الصحة لمطالبهم في تحسين ظروف اشتغالهم وصرف التعويضات والترقيات، إذ لم تنجح جلسات الحوار بين الأطباء والوزارة الوصية، في إنهاء الغليان الذي يطبع المنظومة الصحية منذ سنوات.

يضيف المنتظر العلوي، في تصريح لـTRT عربي، إن الأطباء يحذرون دائماً "من أن أي إصلاح للقطاع لا يضع العنصر البشري كمحور لتطوير القطاع فمصيره الفشل لا محالة وهو للأسف ما وصلت إليه اليوم أوضاع قطاع الصحة العمومي، الذي دخل مرحلة الموت السريري، ما تعكسه جلياً كل مؤشرات المرحلة، من خلال عدم رضا المواطن المغربي عن الخدمات الصحية المقدمة له، والأوضاع الاجتماعية والمهنية للطبيب المغربي.

وإلى جانب احتجاجات الأطباء والطلبة الأطباء، يخوض الممرضون، إضرابات متواصلة، إذ يتهمون وزارة الصحة "بالمماطلة منذ سنوات" في الاستجابة لمطالبهم، ونظمت حركة الممرضين وتقنيي الصحة التصعيد، سلسلة إضرابات واعتصامات جهوية، مطالبين "بالتعويض عن الأخطار المهنية وإحداث هيئة وطنية للممرضين وتقنيي الصحة، والقطع مع سياسة التعاقد بإدماج الممرضين وتقنيي الصحة المعطلين في إطار النظام الأساسي للوظيفة العمومية".

رئيس الشبكة المغربية للدفاع عن الحق في الصحة علي لطفي، قال إن المتضرر الأول من احتجاجات الأطباء والممرضين والسياسة الصحية المتبعة بالمغرب، هم المواطنون المغاربة، الذين لا يجدون من يقدم لهم الخدمات الصحية، ويضطرون إلى الجوء للمستشفيات الخاصة، ما يعكس "انهيار المنظومة الصحية بالمغرب" بشهادة مختلف المنظمات والمؤشرات الدولية.

واعتبر المتحدث في تصريح لـTRT عربي أن معالجة إشكالات المنظومة الصحية بالمغرب يجب أن يكون ضمن أولويات العمل الحكومي، خصوصاً أن القطاع مقبل على خصاص كبير في الموارد البشرية، بسبب الاستقالات ومقاطعة طلبة الطب للدراسة، كما يعرف عدم رضا واسعاً من طرف أغلب المواطنين.

التعليم.. "مراكمة الفشل"

قبيل أسابيع من انطلاق الموسم الدراسي بالمغرب، سيكون الدخول المدرسي والجامعي بالمغرب مغايراً هذه السنة، بعد اعتماد تعديلات جديدة، حملها القانون الإطار المتعلق بمنظومة التربية والتكوين، والذي أثار ويثير جدلاً واسعاً في المغرب، إذ جاء بعدد من الإجراءات الجديدة، أبرزها تدريس المواد العلمية باللغة الفرنسية.

عاش القطاع التعليمي، خلال الموسم الدراسي السابق، على وقع
عاش القطاع التعليمي، خلال الموسم الدراسي السابق، على وقع "صفيح ساخن" بفعل احتجاجات الأساتذة المتعاقدين (AP)

وينتظر مع الدخول السياسي المقبل، أن يحتدم النقاش مجدداً حول القانون الإطار للتربية والتكوين الذي تمت المصادقة عليه في البرلمان، نقاش اعتبره الناشط الحقوقي المغربي خالد بكاري "قد يفضي إلى بناء تقاطبات سياسية وهوياتية وأيديولوجية تخفي رهانات اقتصادية، تقاطبات بين معسكر الفرنكفونية المقرب من أطراف نافذة في السلطة وقريب حتى من القصر، كما له هيمنة على عالمَي الاقتصاد والمقاولات، ومعكسر المدافعين عن التعريب الذي يضم جماعة العدل والإحسان الإسلامية وجناح عبد الإله بنكيران في حزب العدالة والتنمية وتيار السلفية الإصلاحية ومعهم أطراف من اليسار القومي العروبي وحزب الاستقلال".

من جهة أخرى، ينتظر أن تعود النقابات الأكثر تمثيلية في قطاع التعليم إلى التصعيد، على اعتبار أن الملفات النقابية المألوفة المرتبطة بالترقية وتغيير الإطار لبعض الفئات خصوصاً من حاملي الشهادات العليا والحركة الانتقالية لم تعرف أي تقدم في الحوار الاجتماعي القطاعي بين الوزارة الوصية على القطاع.

وأضاف خالد بكاري في تصريح لـTRT عربي أن النقابات، "ستجد نفسها مضطرة إلى التصعيد خصوصاً وأنها تواجه منافسة في تمثيليتها لأسرة التعليم من قِبل التنسيقيات الفئوية (الأساتذة المتعاقدون، هيئة التفتيش التربوي، حاملي الشهادات...).

وعاش القطاع التعليمي، خلال الموسم الدراسي السابق، على وقع "صفيح ساخن" بفعل احتجاجات الأساتذة المتعاقدين، التي استمرت لأشهر وعرفت توقف الدراسة لأسابيع.

وتوقع المتحدث أن يعود ملفّ الأساتذة المتعاقدين بدوره بقوة أكثر، إذ يُنتظر أن يصلها عددها في الموسم الدراسي المقبل لحوالي 90 ألف أستاذ، باعتبار أنهم في الوقت الذي كانوا يطالبون فيه منذ سنتين بالإدماج في سلك الوظيفة العمومية، جاء القانون الإطار ليشرعن صيغة التوظيف عبر التعاقد، كصيغة لحل مشكل الخصاص في الأطر التربوية".

المصدر: TRT عربي