شهدت السنوات الأخيرة زيادة ملحوظة في المطبوع السردي الإريتري المكتوب باللغة العربية، وبعد أن كان صدور عمل روائي أو قصصي يستغرق عاماً أو أكثر شهدت الفترة 2018-2020 صدور عدد كبير من العناوين الجديدة.

الوتيرة البطيئة في النشر الروائي لازمت المبدعين الإريتريين منذ إصدار محمد سعيد ناود السياسي والأديب (1932-2010) "رحلة الشتاء - صالح" أول رواية إريترية مكتوبة بالعربية رأت النور عام 1978، التي عالجت ترحال بطلها بين إريتريا والسودان في أربعينيات القرن العشرين والاضطرابات السياسية التي شهدتها البلاد، وتلتها بعد عشرين عاماً رواية أحمد عمر شيخ "نوراي" (1997).

والسر في هذه الفجوة الزمنية الطويلة بين الروايتين هو خصوصية التجربة الإريترية وحرب التحرير التي كانت تشهدها البلاد، ووفقاً للقاصّ والناشر إبراهيم إدريس فقد "تراجعت الرواية أمام بروز دور القصيدة التي عبّرَت عن المرحلة بكثافة، إذ طغى فيها الشعر وسيادة القصيدة الإريترية على المشهد الثقافي والتعبوي، وظهرت قصائد الشعراء أحمد سعد هاشم ومحمد محمود الشيخ (مدني)، وعبد الرحمن سكاب، ومحمد الحاج موسى وآخرين".

ومن الملاحظ أنه بعد تحرير البلاد بعام واحد ظهرت أولى المجموعات القصصية المطبوعة "عظام من خزف" (1992) لسعيد أبعري، ومنذ ذلك الحين لم ينقطع تدفق القصة القصيرة الإريترية، مما دعا كثيرين إلى القول إن القصة القصيرة كانت النوع الأدبي السائد، وهو ما يعلق عليه القاصّ والناقد جمال همد قائلاً: "ولا تزال". مضيفاً في حديثه لـTRT عربي أن القصة القصيرة "هي القادرة على إيصال صورة اللوحة السريالية الإريترية بكل عبثيتها وتعقيداتها وكثافة تلاحقها".

ووفقاً لهمد فإن القصة القصيرة ظهرت مكتملة الملامح في إريتريا، ويعزو ذلك إلى مجموعة من العوامل قائلاً: "كان لوجود المشتغلين بالهم القصصي داخل الوطن، في السنوات الأولى بعد التحرير، أثر كبير في صقل التجارب الأدبية، حيث كانت تخضع لما يمكن تسميته مجازاً بالورش الجماعية"، موضحاً أن "الملف الثقافي في جريدة إريتريا الحديثة، ويوم السبت الأدبي، بجانب الإحساس بالسلام والحرية في تلك الفترة، ساهم في النقلة الكبيرة التي شهدتها القصة القصيرة، وبروز أسماء مهمة أمثال خالد محمد طه عبد القادر حكيم جمال همد وشيخ القصاصين عبد الرحيم شنقب وسلمون ترقي وفتحي عثمان ومنى محمد صالح وهدى الرشيد".

الكتابة الروائية تفعل ما غفل عنه كتّاب التاريخ وعجز أن يعلنه أو عجز عنه الساسة وتراكم الرواية والرواة انعكاس لهذه الحقيقة.

إبراهيم إدريس، روائي إريتري

وجدير بالذكر أن إريتريا الواقعة شرقي إفريقيا قاست إحدى أطول ثورات التحرر في العصر الحديث، إذ استمرت ثلاثين عاماً متصلة (1961-1991) لتنال البلاد بعدها بعامين استقلالها التامّ عن إثيوبيا عبر استفتاء أشرفت عليه الأمم المتحدة.

الرواية تتّسع كتابةً ونشراً

"مدّ روائي"، بهذه العبارة المختصرة يوصَّف ما يشهده الفضاء الثقافي من اتجاه متصاعد لكتابة الرواية ونشرها، ولم تكن الساحة الأدبية الإريترية استثناءً من ذلك، إذ تميزت باتساع مساحة الرواية بالإضافة إلى زيادة كبيرة في عدد العناوين المنشورة قصة ورواية، وبنظرة إحصائية بسيطة فإن العناوين المنشورة في الفترة 1995-2020 تزيد بشكل كبير على نظيرتها في 1992-2014.

يعزو إبراهيم إدريس ذلك إلى عوامل، منها أن "الكتابة الروائية تفعل ما غفل عنه كتّاب التاريخ وعجز أن يعلنه أو عجز عنه الساسة، وتراكم الرواية والرواة انعكاس لهذه الحقيقة"، مضيفاً في حديثه لـTRT عربي أن ظاهرة الحكي في إريتريا "تجاوزت مرحلة "الشفاهة والشفهايين"، وبحضور كم هائل من المهمومين بالكتابة كتعبير عن الذات الفردية والجماعية فمن الموضوعي بمكان أن يتقدم كثير من الكتابات والكتّاب الذين دعموا انتشار الظاهرة".

ويرى إبراهيم أن التفات الناشرين إلى الكتابة القادمة من منطقة القرن الإفريقي وحوض النيل شجّع الأدباء الإريتريين على الكتابة، وهو ما يوافقه همد موضحاً لـTRT عربي أن "سبل النشر والتوزيع المتاحة الآن وسهولة الوصول إليها، ووسائل التواصل الاجتماعي، كل هذا أدَّى إلى بروز الزيادة الكمية الملحوظة مؤخَّراً".

من جانب آخر يضيف همد أن "الإنجاز الروائي لأبو بكر كهال وحجي جابر وقدرتهما، من خلال عدد من الروايات، على احتلال مكانة مناسبة في عالم الرواية العربية اليوم، دفع عدداً من الكتّاب إلى ولوج عالم النشر الأدبي".

الإنجاز الروائي لأبو بكر كهال وحجي جابر وقدرتهما، من خلال عدد من الروايات، على احتلال مكانة مناسبة في عالم الرواية العربية اليوم دفع عدداً من الكتّاب إلى ولوج عالم النشر الأدبي.

جمال همد، قاص وناقد إريتري

جدير بالذكر أن روايات أبو بكر كهال وحجي جابر قوبلت بحفاوة في أوساط أدبية متنوعة، فقد تُرجمت "تاتينكات إفريقية" إلى لغات منها الإنجليزية والتركية، وفازت "سمراويت" لجابر بجائزة الشارقة للإبداع العربي عام 2011، كما نالت "رغوة سوداء" لنفس الروائي جائزة كتارا للرواية العربية عام 2019.

ولكن أين قلم المرأة؟

ويبقى غياب العنصر النسائي ضمن هذا المدّ مثاراً للتساؤل، وهو ما تجيب عنه الأديبة حنان محمد صالح قائلة لـTRT عربي: "غياب المرأة الإريترية في هذا المجال هو انعكاس لغيابها في مجالات أخرى ولاكتفائها بالدور التقليدي المنوط بالمرأة".

وتضيف صاحبة "حكاياتنا بنكهة القهوة": "ربما وقف خجل المرأة وخوفها من عدم التفاعل الإيجابي مع موهبتها، حائلاً بينها وبين النشر، لا سيما وأن الكتابة موهبة لكنها تتطور بالتجربة والممارسة".

ووفقاً لحنان فإن ذلك انعكس في النهاية في تناول الأعمال الأدبية للمرأة وقضاياها بشكل كبير، "فهناك تفاصيل في حياة المرأة لن يستطيع فهمها والبوح بها غير امرأة مثلها".

ورغم التنوع اللغوي الذي تتمتع به إريتريا، إذ يتحدث أبناؤها 9 لهجات محلية، فإن العربية تُعَدّ إحدى اللغتين الرسميتين في البلاد، وعلى ما تعانيه من تهميش كُتب بها نتاج متنوع بين أدب وتاريخ وسياسة.

ثيمات وتحديات

حرب التحرير واللجوء المتطاول ومفارقات ما قبل التحرير وما بعده والهجرة غير الشرعية وما تحتوي عليه من مخاطر وحياة الشتات... ثيمات محورية في المُنتَج السردي الإريتري بالعربية، تعكس تكسُّر الأحلام الكبيرة التي قادت سفينة التحرير على صخور شواطئ الدولة الوطنية، فحسب تصنيفات المنظمات المعنية بحقوق الإنسان تُعَدّ إريتريا ضمن أسوأ منتهكيها في عالم اليوم، وهو ما ينعكس في الإحصائيات الدولية حول الأعداد الكبيرة من اللاجئين في دول الجوار والمهجر.

ربما وقف خجل المرأة وخوفها من عدم التفاعل الإيجابي مع موهبتها، حائلاً بينها وبين النشر لا سيما وأن الكتابة موهبة لكنها تتطور بالتجربة والممارسة.

حنان محمد صالح، أديبة إريترية

ضمن هؤلاء المهاجرين قسراً يأتي الأدباء الإريتريون، وهو ما يفرض عليهم تحدي الترجمة الأدبية للتحولات التي يمر بها المجتمع الإريتري في داخل البلاد.

ووفقاً للقاص والروائي مصطفى محمد محمود طه فإن تحدياً من نوع آخر يرتبط من جهة بالعثور على الناشر الجيد القادر على توزيع العمل الأدبي في عالم القارئين بالعربية، ومن جهة أخرى بافتقار معظم دور النشر إلى المُراجِع الأدبي القادر على تقديم رؤى نقدية مُعِينة للكاتب على بلورة رسالته وإيصالها.

بجانب ذلك يذكر صاحب "حكايات كولونيالي" في إفادته لـTRT عربي، أن هموم الحياة المعيشية تستنزف وقت الكاتب وجهده، وتَحُول دون تفرُّغه للقراءة والإبداع، فكتابة الرواية حسب طه "ما بتأكّل عيش".

جمال همد يرى أن تحدِّياً يرتبط بإتقان الحرفة الأدبية لا بد أن يعمل الروائيون والقصاص الإريتريون على تجاوزه، مضيفاً لـTRT عربي: "بعض الروايات التي اطّلعتُ عليها تعاني من مشكلات بنيوية وفي الجملة السردية، وكثير منها يفتقر إلى الخيال والمخيِّلة، كما أن الاستعجال في الكتابة والنشر واضحان، بما يُوقِع العمل في فخ التقريرية، وكان هذا على حساب السرد الروائي".

ورغم قناعته أن زيادة الكمّ لا بد أن تؤدِّي إلى تطوُّر كيفي، فإنه يطالب الروائيين بـ"التروي وأن يشتغلوا على أعمالهم بشكل أفضل"، خاتماً بأن "نبل المقصد لا يؤدِّي بالضرورة إلى بروز عمل فني متكامل".

المصدر: TRT عربي