يعود موضوع الرق في موريتانيا إلى الواجهة بعد أول اعتراف رسمي في تاريخ البلاد بوجودها، إذ أكّد رئيس اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان أحمد سالم بوحبيني وجود 12 حالة رق في الشرق الموريتاني.

نواكشوط ـــ جاء تأكيد رئيس اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان أحمد سالم بوحبيني على وجود حالات رقّ في الشرق الموريتاني، بعد جولة في الداخل الموريتاني زار خلالها برفقة عدد من ممثلي المنظمات الحقوقية عدداً من مدن الداخل الموريتاني.

هرب من العبودية

من منطقة أوتيد أركاز بأقصى الشرق الموريتاني، قَدِم الشاب العشريني أمبارك سالم، وقد أُعلِنَ في مؤتمر صحفي عقدته منظَّمة مشعل الحرية الحقوقية كأحدث حالة استرقاق في البلاد.

من منطقة أوتيد أركاز بأقصى الشرق الموريتاني، قَدِم الشاب العشريني أمبارك سالم، وهو أحدث حالة استرقاق في البلاد
من منطقة أوتيد أركاز بأقصى الشرق الموريتاني، قَدِم الشاب العشريني أمبارك سالم، وهو أحدث حالة استرقاق في البلاد (TRT Arabi)

ويروي الشاب أمبارك لـTRT عربي رحلته مع العبودية، وبكثير من الحرقة والتأثر يقول: "تعرضت للضرب والتعنيف مراراً، فقد كنت راعياً للإبل وقائماً بكل الأعمال الشاقة والصعبة غصباً، وكان سيدي يستخدمني كأجير لبعض الأسر براتب شهري خلال سنوات دون أن أحصل على أي راتب أو مكافأة، وكنت أنام ليلي في شبه عريش، وغذائي بقايا الطعام".

ويضيف أمبارك: "قبل سنتين اعترضت على رعي الإبل فضُرِبت، وعندما غادرت تركت الإبل وهِمت على وجهي لمدة أربعة أيام، أتنقل في فيافي الصحراء الشاسعة وأحمل خوفاً من الملاحقة بحجمها، حتى وصلت إلى أطراف منطقة أمبيكت لحواش، وهناك استقرّ بي المقام، وحصلت على عمل أتقاضى عليه أجراً، حتى توصلت إليّ منظَّمة مشعل الحرية الحقوقية ووصلت إلى العاصمة نواكشوط. أنا اليوم لن أعود إلى تلك الأرض مهما كانت الظروف، وأشعر الآن أنني حر، أنني بشر، أنني إنسان".

العائلة المفقودة

ينتمي أمبارك إلى عائلة من ستة أفراد كلهم أرقَّاء على حدّ تعبيره، وقد فرّقتهم سياط الرق والعبودية بين مراتع الأسياد ومضاربهم، ويقول أمبارك في حديثه مع TRT عربي إن والدته ما زالت على قيد الحياة، وهي في الرق اليوم، وتُعامَل كأَمَة مملوكة لسيدها، بالإضافة إلى إخوته وأبناء خاله.

ينتمي أمبارك إلى عائلة من ستة أفراد كلهم أرقَّاء على حدّ تعبيره، وقد فرّقتهم سياط الرق والعبودية بين مراتع الأسياد ومضاربهم
ينتمي أمبارك إلى عائلة من ستة أفراد كلهم أرقَّاء على حدّ تعبيره، وقد فرّقتهم سياط الرق والعبودية بين مراتع الأسياد ومضاربهم (TRT Arabi)

ويسرد أمبارك بحزن شديد منعه من الذهاب إلى عائلته عندما علم بوفاة والده، فلم يُسمح له بالذهاب "لإلقاء النظرة الأخيرة عليه، أو على الأقل الوقوف على قبره لوداع أخير"، يقول أمبارك بصوت مبحوح لا يخفي تأثره، ويعجز عن التعبير كأن كلمات حزينة دُفِنَت في حنجرته إلى الأبد.

أمبارك لا يكتب ولا يقرأ، ولا يحفظ فاتحة القرآن، وهو أمر نادر جدّاً في موريتانيا، ويطمح أمبارك اليوم إلى ضم عائلته، وتَعلُّم الكتابة والقراءة، والحصول على فرصة عمل يُغنِي بها نفسه ويتمكّن من خلالها من توفير حاجاته كإنسان حر، كإنسان اكتشف نفسه للتوّ بعد عشرين عاماً من المعاناة.

فضاء مشعل الحرية

مشعل الحرية منظَّمة تأسست عام 2016 يرأسها رائد الدفاع عن الأرقَّاء المعلوم ولد محمود، الذي كان أول موريتاني يرفع راية محاربة الرق عام 1986، وهي المنظَّمة التي اكتشفت حالة الرق الجديدة، إضافة إلى الحالات التي اعترف بها رئيس اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان.

يقول مؤسس منظمة مشعل الحرية إن العبودية ما زالت موجودة في موريتانيا، وإنه قدم 109 حالات رق موثَّقة منذ ثمانينيات القرن الماضي
يقول مؤسس منظمة مشعل الحرية إن العبودية ما زالت موجودة في موريتانيا، وإنه قدم 109 حالات رق موثَّقة منذ ثمانينيات القرن الماضي (Getty Images)

ويقول ولد محمود لـTRT عربي إن العبودية ما زالت موجودة في موريتانيا، وإنه قدم 109 حالات رق موثَّقة منذ بدء نضاله ضدّ العبودية في ثمانينيات القرن الماضي.

ويُشِيد ولد محمود بجهود السلطات الموريتانية وبتعاونها معهم في استرداد حرية الأرقَّاء الذين اكتُشِفَت حالاتهم، ويؤكّد في الوقت ذاته أن العبودية في موريتانيا لا يمكن أن تنتهي في ظل البنية التقليدية للمجتمع وانعدام الوعي في بعض المناطق، ويطالب ببذل جهود كبيرة في التوعية بخطورة الرق والعبودية، باعتبارها جريمة ضدّ الإنسانية.

انفتاح ومصارحة

في مؤتمره الصحفي الأخير أكّد رئيس اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان وجود 12 حالة رق، وقد اعتبر عدد من الحقوقيين هذا الاعتراف مرحلة جديدة من المصارحة يمكن اعتبارها مؤشراً جيداً على جدية المساعي الرسمية لمحاربة الرق فعليّاً، كما لم يفوّت رئيس اللجنة تأكيد أن الفكرة التي يتبناها المجتمع الدولي عن الرق في موريتانيا غير سليمة ومبالَغ فيها، وأنه لا وجود في موريتانيا لأسواق للعبيد كما هو متصوَّر في غالبية المجتمع الدولي.

وقال رئيس اللجنة إن الأحكام القضائية التي تصدر من وقت إلى آخر تؤكّد وجود الرق في البلاد، لكنها حالات خجولة ومعزولة ومُخفاة داخل مناطق نائية، وإن اللجنة والسلطات الموريتانية قررتا العمل من أجل تنقية البلاد من آخر ما تبقى من حالات الرق أينما وُجدت.

جريمة لا تسقط بالتقادم

الاستعباد جريمة ضدّ الإنسانية غير قابلة للتقادم، وقد تصل عقوبتها إلى عشر سنوات من السجن النافذ، وتصل الغرامة المالية إلى حدود خمسة عشر ألف دولار، وينصّ القانون الموريتاني على معاقبة كل إنتاج أو عمل ثقافي أو فني يمجِّد الاستعباد بستّ سنوات سجن، ومصادرة العمل.

يقول رئيس اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان بموريتانيا إنه لا وجود هناك لأسواق للعبيد كما هو متصوَّر في غالبية المجتمع الدولي
يقول رئيس اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان بموريتانيا إنه لا وجود هناك لأسواق للعبيد كما هو متصوَّر في غالبية المجتمع الدولي (Getty Images)

وكانت موريتانيا أصدرت قانوناً عام 1981 يحرّم العبودية ويقضي بمحاربتها، بناء على فتوى دينية لعدد من علماء البلاد، ويعرِّف الدستور الموريتاني منذ عام 2011 العبودية كجريمة ضدّ الإنسانية.

نِسَبٌ وجدل

موريتانيا كانت آخر بلد يسنّ قوانين تحريم العبودية وتجريمها، وقد تأثرت صورتها سلباً في المجتمع الدولي لارتباطها بهذا الواقع غير الإنساني.

ورغم الإشادة بالنصوص القانونية في هذا الصدد شكّك كثير من الحقوقيين في قدرة السلطات على تطبيقها، وفي مستوى جدّيتها في الموضوع.

ورغم سَنّ قوانين ضدّ العبودية في عهد النظام السابق، وإنشاء محاكم مختصة لها، ظلّ الخطاب الرسمي ينكر وجودها ويعتبر أن ما يُتداوَل مجرد تضخيم لأهداف سياسية، وأن العبودية مجرد ورقة ضغط على موريتانيا يستغلّها الأوروبيون والعالَم الغربي في مراحل معينة.

وكان الناطق الرسمي السابق للحكومة الموريتانية ورئيس حزب الاتحاد من أجل الجمهورية الحاكم سيدي محمد ولد محم، أكّد في مقابلة صحفية أن مجموعات تمارس العبودية ولا تحظى بتغطية إعلامية أو اهتمام دولي، وتمارس هذه المجموعات، يقول ولد محم، العبودية على طبقات من أبنائها إلى درجة أن العبيد يُدفَنون في مدافن خاصة بهم ولا يُدفَنون مع السادة.

ويقول بعض المنظمات الحقوقية إن نسبة العبودية بلغ 20%، في حين تؤكّد منظَّمة العفو الدولية في تقرير نشرته قبل ثلاث سنوات أن نسبة العبودية في موريتانيا لا تتجاوز 1%.

تآزُر

أعلنت أول حكومة للرئيس الموريتاني الجديد محمد ولد الشيخ الغزواني إنشاء هيئة "تآزر" للتضامن الوطني ومكافحة الإقصاء، وتهدف هذه الهيئة إلى التدخل في المناطق النائية ومساعدة الطبقات الهشة والفقيرة التي تتشكّل أساساً من الأرقَّاء السابقين وضحايا الإرث الإنساني ومخلفاته.

وتبدو المرحلة الجديدة أكثر تصالحاً مع واقع العبودية في موريتانيا وجدِّية في محاربتها حسب بعض الحقوقيين، على ضوء اعتراف رئيس اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان بوجودها والتعهُّد بالعمل على القضاء عليها، وهو ما اعتبره كثير من المنظمات مؤشراً جيداً على جدية المساعي المعلنة، رغم احتفاظ هذه المنظمات بمستوى من الحذر لا يخفى في خطابها الحالي.

المصدر: TRT عربي