تابعنا
في ظاهرة مثيرة للقلق، اجتاحت المدارس الثانوية في فرنسا مؤخراً موجات من العنف الشديد والفوضى، وارتفعت حصيلة الضحايا، بخاصة في صفوف المدرسين والإطار التربوي، وسط تباين في التحليلات حول العوامل والأسباب الحقيقية الكامنة وراء هذه الظاهرة.

على أثر التقارير الصادمة التي أظهرت بشكل مروع ارتفاع منسوب العنف والجريمة في فرنسا خلال الفترة الأخيرة، في عدة فضاءات ابتداءً من البيت وصولاً إلى مختلف المؤسسات والمرافق، تتجه الأنظار في هذه المرة إلى المدارس الثانوية.

في السياق ذاته يشير عديد من المصادر الإعلامية المحلية، إلى أن الأهالي والعائلات الفرنسية أصبحت اليوم، تعتبر إرسال أطفالها إلى المدرسة شكلاً من أشكال المخاطرة، في ظل المناخ الذي يسوده مؤخراً العنف والفوضى. وقد وجهت نداءاتها إلى السلطات والجهات المعنية، لتأمين المؤسسات التعليمية وحلّ الإشكال من جذوره.

العنف يعصف بالمدارس الفرنسية

اعتبرت فاليري بيكريس، رئيسة المجلس الجهوي لإقليم إيل دو فرانس، في تصريح إعلامي مؤخراً، أن "الوضع في المدارس الثانوية بات مقلقاً للغاية، إذ تضاعفت أعداد حوادث الاعتداء والعنف بشدة خلال الأيام الماضية في إيل دو فرانس".

وفي هذا السياق كشفت تقارير إعلامية، أن الأجهزة الأمنية سجلت خلال الفترة الأخيرة، مشادات بالسكاكين في مدرسة فان جوخ" الثانوية، كما اعتُديَ على مشرفين في مدرسة "إسكوفيي"، ووقعت مشاجرات ومواجهات مسلحة بين العصابات المتنافسة أمام مدرسة "بول إيليارد" الثانوية، إلى جانب عديد من المناوشات والاعتداءات على المعلمين والمدرسين في عدة مدارس أخرى، في فترات زمنية متلاحقة.

من جانبها تحدثت مديرية الأمن العامّ في العاصمة الفرنسية باريس، عن سعي أجهزتها لاستعادة الأمن في المدرسة الثانوية المهنية، جان بابتيست كورو، التي كانت تعرضت لهجومين متتالين خلال الأسبوع الماضي.

فبعد المشادات والاقتتال بالأسلحة من قبل عصابات متنافسة، أمام محيط المدرسة، أقدم كذلك طالب يبلغ من العمر 15 عاماً، على الاعتداء بالضرب المبرح، على مدرس التربية البدنية الذي طلب منه إزالة قبعته قبل دخول قاعة الألعاب الرياضية، وسط ذعر وخوف كبير في صفوف الطلاب والإطار التربوي.

كما سجل معهد "مونتان" في باريس حادثة مماثلة قبل ذلك بأيام، حين اعتدى طالب على مدرّسته التي طالبته بفروضه، وتدخلت فرق الإسعاف على الفور لإنقاذ المدرسة، فيما تعهدت السلطات بإرسال فريق أمني وفريق للإحاطة النفسية لطلاب المدرسة الذين شهدوا الواقعة.

وفي بيان صحفي أكدت النقابات التعليمية أن هذه الاعتداءات ليست بالحوادث المعزولة على الإطلاق، فقد سُجّل عديد من حوادث اقتحام المدارس بشكل متكرر، إضافة إلى معارك ومشادات بين الطلاب، وإلقاء قنابل الغاز المسيل للدموع في ممرات وأروقة المعاهد وغيرها، بحيث يشعر الطلاب اليوم بالترهيب ولا يشعر المدرسون بالأمان في أثناء أداء فروضهم. وجاء في البيان أن "هذه الأحداث تغذي وتزيد حدة المناخ المثير للقلق في مكان عملنا وفي مهنتنا". وطالبت النقابات أكاديمية باريس بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية والسلطات لاتخاذ الإجراءات والتدابير اللازمة لتأمين الفضاء التربوي.

ووفق ما جاء بمسح مركز SIVIS حول المناخ الدراسي، الذي نُشر مؤخراً، أبلغت المدارس الإعدادية والثانوية عن 10.2 حادثة خطيرة لكل 1000 طالب في الفترة بين عامَي 2020 و2021 مقابل 12.2 بين عامَي 2018 و2019، وقد وقع ربع هذه الحوادث ضد المعلمين والطاقم التربوي.

دعوات لمعالجة الظاهرة

عبّرت إدارة جامعة باريس ومختلف النقابات التعليمية عن إدانتها الشديدة لسلسلة الاعتداءات التي تتعرض لها المدارس الإعدادية والثانوية مؤخراً بشكل مستمر ومروع.

من جانبه شجب النائب جيل لوجيندر هذه الآفة التي تهدّد الأمن والسلم في فرنسا قائلاً: "العنف غير مقبول في أي مكان، حتى في مدارسنا". وأيدت الموقف ذاته رئيسة بلدية باريس والمرشحة الاشتراكية للانتخابات الرئاسية آن هيدالغو قائلة: "أُدين بشدة هذا العنف والتدهور في المناخ العامّ للمدارس".

واعتبرت بيكريس أن استعادة السلطة في المدارس تقف في قائمة الأولويات خلال المرحلة الماضية، وأن عقوبة المدانين أمر ضروري للتصدي لهذه الظاهرة، قائلةً: "ما دام في العنف انزلاق، فيجب أن تكون عقوبة".

وبينما يدق الجميع نواقيس الخطر على انتشار هذه الظاهرة، يعزو خبراء ومحللون أسباب ذلك إلى نقص الموارد البشرية اللازمة في المعاهد، إلى جانب التوتر الذي يعيشه الطلاب بسبب الأزمة الصحية بعد انتشار جائحة كورونا والقيود المترتبة عليها، إضافة إلى أن عدداً من الطلاب يشكو ظروفاً اجتماعية أو اقتصادية جعلتهم فريسة العنف والانحراف.

TRT عربي
الأكثر تداولاً