كيف يمكن فهم تصاعد وحشية جرائم الكراهية تجاه المهاجرين والمسلمين في أوروبا، في سياق صعود الحركات والأحزاب اليمينية واقتراب وصولها إلى البرلمان الأوروبي؟

برينتون تارانت، منفذ الاعتداء الدامي على المصلين
برينتون تارانت، منفذ الاعتداء الدامي على المصلين (TRT Arabi)

يوم الجمعة، 15 مارس/آذار 2019، وبينما كانت مجموعة من المصلّين يقيمون شعائر صلاة الجمعة في مسجد النور بمدينة كرايستشيرش النيوزيلندية، تفاجأوا باقتحام شخص قوي البنية يرتدي ملابس عسكرية وبيده سلاح ناري، حيث فتح النار على الجميع، رجالاً ونساءً وأطفالاً.

خلّف الاعتداء الدامي 50 قتيلاً وعشرات الجرحى في حالة حرجة، وأسقط العالم بأكمله في صدمة مروعة بعدما نقل منفذ الهجوم تلك اللحظات المرعبة في بث حيّ عبر الإنترنت.

صورة توضيحية لمعاني الرموز التي وُجدت على سلاح منفذ الاعتداء الدامي
صورة توضيحية لمعاني الرموز التي وُجدت على سلاح منفذ الاعتداء الدامي (TRT Arabi)

مانفيستو "الرجل الأبيض"

برينتون هاريسون تارانت، الأسترالي الذي قام بالتخطيط للاعتداء وتنفيذه داخل نيوزيلندا، نشر بياناً طويلاً من 74 صفحة على الإنترنت قبل تنفيذ الهجوم بلحظات قليلة.

تضمن ذلك البيان الذي أسماه بـ "مانفيستو الاستبدال العظيم" مجموعة من المفاهيم والرموز والدلالات، وإشارات لأحداث تاريخية. كما كشف فيه عن دوافعه وراء الهجوم، بالإضافة إلى مجموعة من التساؤلات المتوقعة وتقديم إجابات عليها، وأخيراً، تهديدات لشخصيات سياسية من بينهم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان والمستشارة الألمانية أنغيلا ميركل.

كُتب البيان بلغة عنصرية بالغة الإساءة، وأنذر بالخطر العظيم الذي يُهدد نسل "الرجل الأبيض" و "العرق الأوروبي"، بسبب ارتفاع نسب المواليد لدى العرب والمسلمين المهاجرين مقابل تناقص نسب المواليد الأوروبيين، فيما أسماه بـ "الغزو الإسلامي لأوروبا" داعياً إلى "محوه".

بعد المذبحة، وصف رئيس الوزراء الأسترالي سكوت موريسون، مرتكب الاعتداء الدامي بأنه "إرهابي من اليمين المتطرف".

وقف الهجرة مطلب الأحزاب اليمينية

ترفع الحركات اليمينية في مختلف الدول الأوروبية شعارات معاداة الأجانب، وتُصوّر ملف الهجرة بوصفه مشكلة أوروبا الكبرى التي تهدد الاقتصاد في وقت بلغ فيه يأس الطبقة العاملة مداه، ووصل فيه إحباط الرجل الأوروبي من فشل النخب السياسية والمؤسسات إلى ذروته.

شكلّت اللحظة التي وصل فيها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى الحكم في الولايات المتحدة عام 2016، دفعةً قوية للأحزاب اليمينية في أوروبا، حيث عملت منذ ذلك الحين على تكثيف نشاطاتها وتوسيع قاعدتها الجماهيرية استعداداً لانتخابات البرلمان الأوروبي المقبلة في مايو/أيار 2019.

وهي الانتخابات التي يتم تقديمها على أنها الفرصة الأخيرة لإنقاذ أوروبا بالعودة إلى مفاهيم الدولة العِرقية والحفاظ على الهوية المسيحية ورفض العولمة والتعددية الثقافية التي تُشكل تهديداً للقيم الأوروبية، من خلال طرد المهاجرين واللاجئين، بالإضافة إلى تفكيك الاتحاد الأوروبي كي تقوم كل دولة بتطبيق السياسات التي تتناسب مع ظروفها الداخلية.

تصاعد خطاب "طرد اللاجئين والمهاجرين" في أوروبا بعد تنامي شعبية الأحزاب اليمينية التي تسعى لإعادتهم إلى أراضيهم.. فكيف نفهم المنعطف التاريخي الذي تمرّ به السياسة الأوروبية ؟

Posted by ‎عربي TRT‎ on Friday, 22 February 2019

مفهوم الرجل العادي

لقد أجادت الحركات اليمينية ترسيخ مفهوم الرجل العادي، من خلال توظيف الشعبوية Populism لمخاطبة تلك الفئة التي ظلّت منسية لسنوات طويلة في خطاب النخب السياسية الليبرالية واليسارية.

تلك النخب التي ركزت اهتمامها على نقاش الحريات والهويات الفرعية في وقت يعاني فيه الرجل العادي من أزمة اقتصادية طاحنة مستمرة منذ عام 2008، وقد كشفت نتائج الانتخابات المحلية في البلدان الأوروبية خلال السنوات القليلة الماضية عن نجاح الحركات اليمينية في اجتذاب الناس العاديين من خلال تزايد أصوات الناخبين الداعمين لهم.

وهنا، يمكن فهم تبرير اليمين لسياساته من خلال تقديم سردية "نحن نحمي مصالحنا الوطنية والعرقية"، في وقت يشعر فيه الرجل الأوروبي العادي بالعزلة والتهديد، ويجد في خطاب الوطنية، والشعبوية، نوعاً من الحماية والأمل في استعادة السيطرة على زمام الحياة اليومية.

 صورة خاصة تظهر وجه مرتكب المذبحة أثناء زيارته إلى تركيا عام 2016
 صورة خاصة تظهر وجه مرتكب المذبحة أثناء زيارته إلى تركيا عام 2016 (TRT Arabi)

الطبقة العاملة البيضاء

استخدم مرتكب المذبحة النيوزيلندية مصطلح "أنا رجل أبيض عادي" في التعريف بنفسه ضمن البيان الذي نشره، والذي أضاف فيه أنه ابن لأسرة تنتمي للطبقة العاملة.

تستخدم الحركات اليمينية مفهوم "الطبقة العاملة البيضاء" في مخاطبة الرجل العادي، وتقصد به الطبقة العاملة في أوروبا التي تتعرض للتهديد بسبب ضغوط سوق العمل، وهو ما يتم تبريره بازدياد أعداد المهاجرين واللاجئين إلى أوروبا.

لكن، هل توجد فعلاً تلك الطبقة العاملة البيضاء؟

وفقاً للخبير الاقتصادي البريطاني بول ماسون في حديثه لــ TRT فإن ما يسمى بالطبقة العاملة البيضاء ليس سوى وهم.

" لم يرغب أحد في التحدث عن مفهوم الطبقة الاجتماعية لأكثر من 30 عاماً. توني بلير، بيل كلينتون، لقد افترضوا جميعاً أن الفوارق الطبقية ستختفي، حين تتحول المجتمعات تدريجياً إلى أسواق." مضيفاً: "الآن، الجميع يرغب بالتحدث عما يسمى بالطبقة العاملة البيضاء، المشكلة الوحيدة أنها غير موجودة".

وأوضح أنه وفقاً لنشأته وحياته داخل نطاق الحركة العمالية في بريطانيا، فإنها متعددة الأعراق، غالبيتها من النساء، وأقلية فقط من يصفونها بذلك المسمى. ثم أعاد ظهور مفهوم الطبقة مجدداً وتداوله في النقاش المجتمعي إلى "فشل النخب السياسية الحاكمة في مخاطبة الناس العاديين".

تعود إذن التقسيمات العرقية على أساس لون البشرة إلى الواجهة، وتصبح جزءاً من النقاش المجتمعي تحت مسميات جديدة، تحاول تصوير العنصرية على أنها دفاع عن أصحاب الأرض، ذوي البشرة البيضاء.

أهالي ضحايا المذبحة 
أهالي ضحايا المذبحة  (AP)

عودة المُخلّص

تعتبر الخلفيات الثقافية والدينية محفزّات كامنة داخل الشعوب، تنتظر لحظة زمنية مناسبة كي تشتبك مع الفعل السياسي.

تنتمي أوروبا، في الأصل، إلى العقيدة المسيحية، التي تؤمن بفكرة المخلّص.

وهو الخيال الذي تداعبه الحركات والأحزاب اليمينية من خلال تقديم سياساتها بوصفها المنقذ الوحيد لمستقبل أوروبا.

لكن هل يمكن اتخاذ ادعاء اليمين على محمل الجد؟ هذا الادعاء الذي يقدم إجابات سهلة على أسئلة معقدة، مثل اختزال الأزمة الاقتصادية في تدفق اللاجئين والمهاجرين إلى أوروبا، دون إثارة جوانب أخرى أكثر جوهرية، مثل التحديات التي تفرضها التكنولوجيا وإدخال تقنيات الذكاء الصناعي إلى سوق العمل وأثر ذلك على تغير نوع الوظائف والمهارات اللازمة للمستقبل.

إذن، من أجل الحصول على أصوات الناخبين، تقوم الأحزاب اليمينية بتحويل المجتمع إلى ساحة معركة، العدو الأكبر فيها هم الأجانب، وبالتخلص منهم والعودة إلى مفهوم الدولة القومية والحفاظ على الهوية الثقافية والدينية يمكن تحقيق النصر وإنقاذ أوروبا.

المصدر: TRT عربي