مِن رئيسٍ لبلدية ريكولتا في تشيلي إلى مرشح الحزب الشيوعي للانتخابات الرئاسية، مسيرة حافلة عاشها الناشط السياسي التشيلي مِن أصول فلسطينية أوسكار دانيال حذوة، تمكّن خلالها مِن نيل ثقة أفراد الحزب لاختياره كمرشحهم الأول لخوض غمار الانتخابات الرئاسية.

"أن تكون فلسطينياً في الغربة لا يعني أن تأكل الطعام الفلسطيني وأن ترقص الدبكة، بل يجب أن تعرف في أي جانب أنت من الجدار (أي جدار العزل العنصري الإسرائيلي)"، بهذه العبارات أشار دانيال حذوة إلى الدور الذي يجب أن تقوم به الجالية الفلسطينية في الخارج للانتصار لقضيتها. ويتعدى كونها مجموعة من المظاهر التي تميّز الفلسطينيين عن غيرهم، إلى كونها ممارسة فعّالة وحقيقية ضمن المجتمعات التي يُقيمون بها.

وتمكّن الفلسطيني المغترب مِن البرهنة على ذلك والنجاح في الاضطلاع بهذا الدور، فبعد أن عُيّن في السابق رئيساً لبلدية ريكولتا، يتصدّر اسمه اليوم وسائل الإعلام كمرشح لرئاسة تشيلي وسط غضب المناصرين للاحتلال الإسرائيلي هناك.

أوّل عربي كمرشح للحزب الشيوعي للرئاسة

ولد أوسكار دانيال حذوة سنة 1967 بمدينة ريكولتا التابعة لمحافظة سنتياغو، لوالدين فلسطينييْن مسيحييْن تعود جذورهم الأصلية إلى بلدة بيت جالا في الضفة الغربية المحتلة، إلا أنه عاش فترة طويلة مبتعداً عن والده الذي كان حينها مؤيداً للرئيس التشيلي اليميني السابق أوغوستو بينوشيه.

تخرج دانيال من جامعة تشيلي في مجال علم الاجتماع و‌العمارة. وتمكّن مِن الحصول على درجة الماجستير في مجالات عدّة أثرت مسيرته المهنية وأحرز فيها درجات عالية.

وانطلقت مسيرته السياسية من صلب المنظمات الفلسطينية التي ترتبط بمنظمة التحرير الفلسطينية، فشغل منصب رئيس الاتحاد العام للطلاب الفلسطينيين في الفترة الممتدة بين عامي 1987 و1991، كما عمل كمنسق عام لمنظمة الشباب الفلسطيني لأمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي بين عامي 1991 و1993.

ثم انخرط دانيال بعد ذلك في النشاط ضمن الأحزاب اليسارية في تشيلي، فانضم للحزب الشيوعي سنة 1993، وترشح في عدّة دورات انتخابية ليفوز أخيراً سنة 2012 بمنصب رئيس بلدية ريكولتا. ولم تغب بذلك القضية الفلسطينية عن ذهن دانيال حيث أنّ رسوماً لحنظلة وبعض الشعارات واللافتات التي رُفعت قرب مكتب رئاسة البلدية عبّرت بوضوح عن مدى تمسّكه ومناصرته للقضية الفلسطينية.

وفي أبريل/نيسان الماضي تقدّم الحزب الشيوعي بترشيح أوسكار دانيال حذوة لمنصب رئاسة تشيلي، في خطوة اعتُبرت صادمة للكثيرين، حيث إنّها المرة الأولى التي يُرشّح فيها الحزب شخصاً مِن أصول عربية. وكان المركز الصهيوني "ويسنثل" قد صنّف في وقت سابق دانيال واعتبر أنّه "أحد أخطر الحوادث العالمية المعادية للسامية".

وبالرجوع إلى المشهد الانتخابي التشيلي فقد تصدّر حذوة الشهر الماضي نوايا التصويت بنسبة 19.2% وفقاً لاستطلاع رأي نشرته Activa Research. وتعليقاً على هذا النتائج يقول الخبير الاقتصادي غونزالو مارتنر: "الحزب الشيوعي ليس هو من وضع نفسه في قلب المشهد السياسي، بل المرشح الشيوعي للرئاسة".

يتصدر الفلسطيني دانيال حذوة نوايا التصويت للانتخابات الرئاسية في تشيلي (AFP)

وبذلك يبدو أنّ الجالية الفلسطينية في تشيلي في طريقها نحو مزيد من النفوذ في صلب مراكز القرار في الدولة.

القضية الفلسطينية بوصلة الجالية في تشيلي

تعدّ الجالية الفلسطينية في تشيلي أكبر جالية من نوعها في أمريكا اللاتينية، و هي ثاني أكبر وجود للفلسطينيين في الخارج بعد الأردن. وتعود أصول معظمهم إلى بيت لحم، وبيت جالا، وبيت ساحور، و بعض المناطق الأخرى، ويُقدّر تعدادهم بأكثر من 300 ألف فلسطيني من بين 10 ملايين فلسطيني في أنحاء العالم.

وتمكّنت الجالية من تحقيق اندماج نوعي داخل المجتمع التشيلي لتصبح ذات نفوذ اقتصادي وتأثير سياسي كبير.

فعلى غرار نشر صور كاريكاتورية في تشيلي سنة 2014 عن القصف الذي حدث في غزة، اتخذت الجالية الفلسطينية موقفاً حازماً من ذلك، ونشر حينها 9 من أبرز رجال الأعمال الفلسطينيين في تشيلي رسالة يعبّرون عن رفض الجالية لِما أسموه المزاح في مواجهة الموت في غزة.

وعقب أحداث العدوان الأخير على الأراضي الفلسطينية خرجت جماهير غفيرة في مدينة سنتياغو للتنديد بالغارات الجوية الإسرائيلية التي أراقت دماء الفلسطينيين.

وصرّح حينها رئيس الجالية الفلسطينية في تشيلي قائلاً: "نحن أكبر جالية فلسطينية خارج الشرق الأوسط، إننا ننضم إلى المظاهرات التي خرجت في جميع أنحاء العالم، وكذلك لدعم مئات الضحايا المدنيين الفلسطينيين الذين لقوا حتفهم في هذه الهجمات والتفجيرات الإسرائيلية".

يعدّ ترشّح دانيال لمنصب رئاسة تشيلي تثميناً لما حققته الجالية الفلسطينية من انجازات صلب المجتمع التشيلي وما اضطلعت به من أدوار فعّالة، ليصبح بالتالي تحقيق هدفها بمزيد من التمثيل ومزيد من النفوذ داخل مؤسسات الدولة للانتصار لقضيتها الأم أمراً ممكنا .

TRT عربي
الأكثر تداولاً