الجنون، الحمق، "قلة الشغل"، تضييع الوقت في التفاهات... اتهامات وأخرى يتعرّض لها المبدعون وذوو الميول الفنية والأدبية في جُلّ بلدان العالم العربي، بل حتى من يقرأ بشراهة يُنظر إليه كشخص فَقدَ عقله.

تتوقف قيمة الإبداع الفني والأدبي في كل بلد على نظرة شعبه إلى الأدباء والمبدعين، ومدى تقدير الدولة لهم. في الكثير من البلدان المتقدمة، يتمتّع المبدع بحقوق من ضمنها قُدرته على العيش من إنتاجه الإبداعي. أما في الدول العربية، فنسمع كثيراً عن تهميش المبدع وإقصائه، وعن عيش الكثير من الأدباء والفنانين في ظروف صعبة.

الجنون، الحمق، "قلة الشغل"، تضييع الوقت في التفاهات... اتهامات ضمن أخرى يتعرّض لها المبدعون وذوو الميول الفنية والأدبية في جُلّ بلدان العالم العربي، بل حتى من يقرأ بشراهة يُنظر إليه كشخص فَقدَ عقله. هكذا ينظُر الكثير من الشعوب العربية إلى الأشخاص الذين يعشقون الإبداع.

انشدادٌ إلى الماضي

منذ نعومة الأظفار، يُربّى الطفلُ في المجتمعات العربية على أن يختار مهنةً كالهندسة والطّب، أو أي عمل يضمنُ له راتباً محترماً، ويُروَّض على عدم الإيمان بميوله الفنّية والإبداعية. السّببُ، في نظر العديد من العائلات، أنّ "الفنّ لا يضمنُ الخبز"، والكتابةُ الأدبية ضربٌ من ضروبِ الجنون. يكبر الطفل"المبدع"، وتموتُ شيئاً فشيئاً بذرةُ الإبداع داخله. بذرةٌ كان من الممكنِ أن تتحوّل إلى زهرةٍ فاتنة.

في هذا السياق، ترى الكاتبة المغربية لطيفة باقا أنّ "ممارس فعل الكتابة الإبداعية في البلدان العربية يجد نفسه داخل دائرة ملتبسة، فهو من جهة، يوجد خارج حضن القبيلة وخارج نسق التشابه، ومن جهة أخرى، لا تنجح الذاكرة الشعبية في تحديد المعنى الذي تحمله كلمة"مبدع". فالكتابة الأدبية مثلاً ليست مهنةً ولا منصباً، وبالتالي لا تعكس سلطةً داخل مجتمع تغلب عليه الأمّية".

أمّا أولئك الذين استطاعوا الإفلاتَ من الأحكام المسبقة، وكبُرت موهبتهم بالتمرّن والعمل الجادّ، فأصبحوا أدباء أو موسيقيين أو رسّامين، فقد ينجح بعضهم في شقّ طريقهم نحو تحقيق الذات عبر الإبداع، لكنّ الكثيرين بقوا مهمّشين منسيين، ولم تعترف بهم بلدانهم أبداً.

لا تنجح الذاكرة الشعبية في تحديد المعنى الذي تحمله كلمة"مبدع" فالكتابة الأدبية مثلاً ليست مهنةً ولا منصباً وبالتالي لا تعكس سلطةً داخل مجتمع تغلب عليه الأمّية.

لطيفة باقا

هذا الوضع يُبيّن بوضوح أنّ المجتمعات العربية بصفة عامة تخافُ الإبداع وتحاصر الخيال. في هذا السياق، يرى الروائي المغربي عبد الكريم الجويطي أنّ "التقليد والتكرار والانشداد المرَضي إلى الماضي داخل هذه المجتمعات يجعلُها تنظر بريبة إلى كلّ من يحمل بذرةَ تجاوُز، وكلّ ما يحرّض على استشراف آفاقٍ جديدة، ولذلك فهي تنظُر إلى الإبداع كشيء مربكٍ لراحة الموتى، ومنغّصٍ لعالمٍ ألِفت أن تكون فيه محاطةً بالأجوبة فقط، بلا قلقٍ ولا سؤال".

ويُضيف الكاتب المغربي في تصريحه لـTRT عربي أنّه "رغم مظاهر الحداثة السطحية، لم تدخل المجتمعات العربية بعدُ إلى عالم المعرفة والقيم الكونية التي تتمحور حول الإنسان كقيمة جوهرية، وكأُسٍّ لكلّ المشاريع والمخطّطات، وكرأس مالٍ حقيقي".

الإبداع.. "قلق وفتنة"

وإذا كانت الثقافة تشكّل حجر الزاوية في إذكاء وعي الشعوب والرّقي بأذواقهم، وإذا كان الإبداع الفنّي هو ذلك البلسم الذي يُشفي الجروح ويكشف مساحات الجمال داخل كلّ إنسان، فإنّه يجعلُ من المفروضِ على جميع الدول أن تمنح جزءاً من اهتمامها للمجال الثقافي، من أجلِ النهضة بالمجتمعات، وتنوير العقليات، وتوعيتها بضرورة الإبداع وأهمية المبدعين.

وعلى الرّغم من أنّ الثقافة والإبداع الفنّي والأدبي كانا دائماً ذلك الحصن المتين الذي يحمي المجتمعات من السقوط في فخّ الغلوّ والتشدّد، فإنّ الحاكمين في البلدان العربية، حسب الشاعر والفنّان التشكيلي المغربي عزيز أزغاي، "ظلّوا ينظرون إلى الثقافة والفكر والإبداع كمصدرٍ للقلق والفتنة، الأمرُ الذي أفرز تاريخاً من سوء الفهم الكبير، كان من نتائجه محاولة تدجين المثقفين والمفكّرين والمبدعين، والعمل على تكريس تقاليد ثقافية تسعى للتدجين أكثر من إشاعة قيم الحداثة والتنوير والحق في الاختلاف".

هذا الوضع، حسب أزغاي، "هو الذي كرّس لعلاقةٍ متوتّرة بين طرفي المعادلة، وهو ما أسهم، في نهاية الأمر، في سيادة ثقافة الخرافة واليأس وتهميش العقل".

أليس مونرو، ألفريده يلينيك وغابرييل غارسيا ماركيز الحاصلين على نوبل في الأدب
أليس مونرو، ألفريده يلينيك وغابرييل غارسيا ماركيز الحاصلين على نوبل في الأدب (TRT Arabi)

وهمُ الجوائز

لا يمكن تقديرُ قيمة المبدع دون إيمان الدولة بأنّه لبنةٌ أساسية في عملية تنوير وعي الأفراد وتقدّم المجتمع. يتطلّب هذا التقدير أحياناً تشجيع الأدباء والفنّانين على المزيد من الإبداع، من خلال منحهم فرصاً أكثر لنشر أعمالهم ومساحاتٍ أكبر للاحتفاء بها.

وتُعدّ الجوائز الإبداعية واحدةً من الطرق التي تشجع المبدع على الجدّ والاجتهاد أكثر في ما يُقدّمه من أعمال.

في مجال الأدب، استُحدِثت الجائزة العالمية للرواية العربية وجائزة كتارا وجائزة نجيب محفوظ وغيرها من الجوائز، لمكافأة المبدعين الجادّين على أعمالهم الروائية. ومع ذلك، ترى الكاتبة والروائية اللبنانية جمانة حدّاد أنّ "الجوائز غير كافية لتقدير المُبدع، فهناك مبدعون مستحقّون كثر لم يحظَ الواحد منهم بجائزة، ما يعني أنها ليست المعيار الإبداعي النقدي والموضوعي والأمثل لتقدير المبدع".

في السياق ذاته، تتساءل الكاتبة اللبنانية في تصريحها لـTRT عربي "هل الجوائز موضوعية؟ هل الهيئات التي تمنح الجوائز هي دائماً تتصف بالكفاءة والموضوعية؟ أليس هناك مواقع نفوذ في مسألة الجوائز الأدبية والفنية؟"

جوائز واقعٍ عربي منحطّ لا يمكن أن تكون في مستوى جوائز الغرب التي تسهر عليها أكاديميات محترمة جوائزنا تشبهنا، وفيها كلّ أعطابنا تجد فيها المنطق القبلي والمحاصصة وإكرام القريب بدل البعيد.

عبد الكريم الجويطي

من جانبه، يرى الكاتب المغربي عبد الكريم الجويطي أنّ"جوائز واقعٍ عربي منحطّ لا يمكن أن تكون في مستوى جوائز الغرب التي تسهر عليها أكاديميات محترمة. جوائزنا تشبهنا، وفيها كلّ أعطابنا، تجد فيها المنطق القبلي والمحاصصة وإكرام القريب بدل البعيد"، مضيفاً أنّ "الجوائز لا تقتل نصّاً ولا تحييه، بل هي تثير الانتباه له فقط، من يفعل ذلك هم القرّاء".

مبدعون في الأكل والصور

على الرّغم من أنّ منطق إحداث الجوائز الأدبية في العالم العربي من السّنن الحميدة التي يجب تثمينها، فإنّ سؤال مصداقية هذه الجوائز وموضوعيتها يجعلنا أمام وضعٍ حيث "يُصبح هذا المنطق نفسه مجرّد وسيلة لتكرير نخبة من المنتفعين، ممن تصبح غايتهم الحصول على بعض الامتيازات المادية الصغيرة"، حسبما يؤكد أزغاي لـTRT عربي.

هذا الوضع يضعُنا أمام مشهدٍ يتكرّر كثيراً في المهرجانات الثقافية والندوات الأدبية في مختلف البلدان العربية، حيث يحتشدُ أشخاصٌ تحت ذريعةِ الاهتمام بالأدب والإبداع، بينما يبحثون، في الحقيقة، عن الشهرة والأضواء. "كتّاب"لا يهتمّون بالكلمة بقدر ما يهتمّون بالتقاط الصّور وتناول الأطباق التي تُقدّم هناك.

يطرحُ هذا الوضع سؤالاً مهمّاً حول تحديد مفهوم المبدع الحقيقي، وكيف يمكن، في هذه الحالة، تقدير جهود المبدعين الحقيقيين؟ ومن أنتج هذا الوضع؟

هناك طرحٌ يقول إنّ المبدعين الحقيقيين والمؤمنين بحرّية الإبداع والتفكير مزعجون للسلطة، لذلك فهي تسعى لتحطيمهم وإحباطهم، بينما يبقى أشباه المبدعين أحراراً في التحرّك في المشهد الأدبي والفنّي كما يشاؤون، ما داموا مجرّد ديكورات للظهور.

حصل الكثير من الكتّاب والشعراء الأوروبيين على جائزة نوبل للأدب، من بينهم الفرنسي غوستاف لوكليزيو والكندية آليس مونرو والنمساوية ألفريدا يلينيك، بينما حصل لحدّ الآن، أديبٌ عربي واحد، وهو نجيب محفوظ، على هذه الجائزة عام 1988. الكثيرون يفسّرون هذا الأمر بكون نوبل تدخل فيها اعتبارات سياسية، وآخرون بضعف مستوى الإنتاجات الأدبية للكتاب العرب. غير أنّ هناك طرحاً آخر يرى أنّ ثمّة مبدعين كُثر في مجال الأدب في العالم العربي، مبدعون لم تفطن بلدانهم إلى موهبتهم، فكيف ينتبه إليهم العالم؟

الإبداع الفتيّ

الشّباب طاقة وثروةٌ وطنية لا يمكن الاستهانة بها، مهما كانت المجالات التي يشتغلون فيها. في مجال الإبداع الأدبي أو الفنّي، يحتاج الشّبابُ إلى تشجيع أكبر، لأنّ نضج الموهبة وتفتّحها وسط عالمٍ مليء بالأشواك والمسؤوليات والمحبطات، يتطلّب التمرين والمتابعة والصبر والمواكبة.

في المجتمعات العربية، يحملُ مُعظم الشباب هَمّ الخبز قبل كلّ شيء. حتى الشباب المبدع يدَعُ موهبته تذبل، ويترك أحلامه وراءه، ويمضي باحثاً عن عملٍ يضمن له قوت العيش، حتى لا يموت جوعاً.

لا أعتقد أنّ هناك خططاً منهجية وتربوية وأكاديمية وثقافية تعتمدها البلدان العربية لتشجيع الشباب على الإبداع.

جمانة حداد

فهل تشدّ البلدان العربية بيد المبدع الشابّ ليستطيع العناية بموهبته وتطوير قدراته؟ تُجيب جمانة حداد "لا أعتقد أنّ هناك خططاً منهجية، تربوية، أكاديمية وثقافية تعتمدها البلدان العربية لتشجيع الشباب على الإبداع، لأنّ الدولة العربية ليست أباً ولا أمّاً للمبدع الشاب الذي يشقّ طريقه في الغالب، بموهبته الشخصية وبمقدرته الذاتية وربّما بتشجيع عائلته له. سوى ذلك، استثناءاتٌ قليلةٌ ونادرة، ما يعني أنّ الدول العربية أرض خصبة لتفشيل المبدعين لا لتحفيزهم".

وإذا كان هناك شبه إجماع على أنّ البلدان العربية لا تحفّز الشباب على الإبداع، فإنّ السّبب في ذلك، في نظر عزيز أزغاي، هو أنّ"أفضل جائزة يمكن أن تقدّمها هذه البلدان لشبابها هي أن تنجح في ضمان مقاعد دراسية لهم، وأن توفّر لهم شغلاً يحفظ كرامتهم، وأيضاً سريراً نظيفاً في مستشفى عمومي يحترم إنسانيتهم".

تكريمٌ بعد فوات الأوان

كثيراً ما نسمعُ عن حدث تكريم كاتبٍ أو فنّان مبدع بعد موته، بينما لم يحظَ في حياته بأيّ احتفاء يُذكر، على الرّغم من أنّ الطبيعي أن يتمّ تكريم المبدعين أثناء حياتهم الإبداعية. نذكر على سبيل المثال الكاتبين المغربيين محمد شكري ومحمد زفزاف اللذين ظلّا بعيدين عن الأضواء والجوائز والصور، لم يتذكّرهما أحد إلا بعد وفاتهما.

محمود درويش، محمد زفزاف ومحمد شكري
محمود درويش، محمد زفزاف ومحمد شكري (TRT Arabi)

قبل وفاته بأشهرٍ قليلة، كُرّم الشاعر الفلسطيني محمود درويش بإطلاق اسمه على أهمّ ميادين رام الله، فقال"ليس من المألوف أن يُكرَّم الأحياء، فالموتى لا يحضرون حفل تأبينهم، وما استمعتُ إليه اليوم هو أفضل تأبين أودّ أن أسمعه في ما بعد".

بالنسبة لعبد الكريم الجويطي، فإنّ "تكريم البلدان العربية لمبدعيها بعد موتهم يرجع إلى كونهم لم يعودوا مزعجين بحضورهم، وكثيراً ما نحتفظ بأحاسيسنا الجميلة تجاه مبدعٍ ما، نستكثر عليه أن نبوح له بها، وننتظر حتى يموت، حتى يصير أعزل، حتى يفقد القدرة على الكلام لنطلق شلّالات الاحتفاء الزائف".

من جهةٍ أخرى، ترى جمانة حداد أنّ "الدول العربية ليست أهلاً لتكريم المبدعين خلال حياتهم، لا فكرياً ولا معنوياً ولا مادياً. هذه الدول تختار العابر لأنها لا تهتمّ بالجوهري، بالصعب والشاق، الدول التي تحتضن مبدعيها، وتكرمهم، وتعلي من شأنهم وتستفيد من عقولهم وضمائرهم ومواهبهم وفاعليتهم، وتنشر أثرهم المضيء والفاعل والخلاق في المجتمع هي دول القيم والأخلاقيات والمعايير، وهذه لا وجود لها تقريباً في عالمنا العربي".

على الرّغم من الطريق المظلمة التي يسير فيها الإبداع في العالم العربي، دون أفق، ولا مستقبل، ولا أمل، فإنّ مبدعين عصاميين كُثراً شقّوا هذه العتمة، وقاوموا الإحباط، مواجهين جميع السّلطات السياسية والدينية والمجتمعية، ليتحوّل إبداعهم إلى بطولة.

المصدر: TRT عربي