مع استمرار انتشار فيروس كورونا وذهاب العديد من الدول إلى خيار الحجر المنزلي والحفاظ على التباعد الاجتماعي بدأ العديد من الأشخاص بمشاركة يومياتهم وتجاربهم في ظل الجائحة على العديد من منصات التواصل الاجتماعي.

في الوقت الذي بدأ يشتكي الكثيرون منّا من العزلة وأوقات الفراغ وما يصاحبها من مللٍ وتكرارٍ في الأيام والفاعليّات، امتلأت تلك المنصات بالنصائح والمشورات حول كيفية استغلال الوقت وملئه بما يعود بالفائدة علينا. فامتلأت الحسابات بقوائم الأفلام والمسلسلات والكتب والروايات والجولات الافتراضية للمتاحف والأماكن حول العالم وغيرها الكثير من الفاعليات والأنشطة البيتية.

في المقابل، الكثير من الأصوات بدأت تهاجم تلك النصائح وتدعو بدورها إلى تجاهلها. وسرعان ما رأى بعضهم أن كل تلك النصائح والقوائم، في حين أنها قد تحوي المفيد فإنها قد تزيد مستويات القلق التي نتعرّض لها هذه الفترة، بحجّة أنّها قد تعزّز فينا فكرةَ أنّه ينبغي علينا فعل الكثير في الوقت الذي نجد أنفسنا فيه عاجزين عن فعلِ شيءٍ، في ظلّ الضبابية والظروف المحبِطة التي تُحيط بنا.

آخرون من جهةٍ ثانية حملوا على عاتقهم تقديم النُصح بالكسل وعدم الإنجاز ورفض أي توصيات بالإنجاز والاشتغال على النفس بمسؤولية تضعُ الغد في عين الاعتبار. فلا حاجة في رأيهم إلى أيّ قلقٍ أو ضغطٍ نفسي قد يجلبه أي فعلٍ الآن.

الإنجاز والروتين لصحةٍ نفسية أفضل

ربّما تضعنا الأصوات التي تنصحنا بالإنجاز بالفعل تحت ضغطٍ وقلقٍ نفسيّين وتوقعنا في فخّ المقارنة السلبية مع الآخرين، باعتقادنا أنّ غيرَنا دائم الإنتاج ويعرف كيف يستغلّ وقته وعزلته في أمورٍ مفيدة في حين أنّنا عاجزون عن ذلك. يجب علينا ألّا ننسى أنّ هذا هو ما تكون عليه صفحات التواصل الاجتماعيّ من دون أن تعكس الواقع الفعلي. المقارنة وقلق الإنجاز هو آخر ما نحتاج إليه الآن.

ربّما تضعنا الأصوات التي تنصحنا بالإنجاز بالفعل تحت ضغطٍ وقلقٍ نفسيّين وتوقعنا في فخّ المقارنة السلبية مع الآخرين
ربّما تضعنا الأصوات التي تنصحنا بالإنجاز بالفعل تحت ضغطٍ وقلقٍ نفسيّين وتوقعنا في فخّ المقارنة السلبية مع الآخرين (AFP)

لكنّ هذا لا يعني أبدًا أنّ الكسل والإهمال هما ما نحتاج إليه في هذه المرحلة. ونظراً إلى أنّ الحجر المنزلي قد أدّى إلى فقدان الروتين المعتاد لدى الكثير من الأشخاص، بما فيه من الذهاب إلى العمل واللقاءات الاجتماعية والأنشطة اليوميّة التي لم تعد متاحة، مثل الذهاب إلى صالة الألعاب الرياضية أو الخروج للمشي أو التسوّق أو الأكل في الخارج وما إلى ذلك، إلّا أنّ هذا لا ينفي أبدًا أنّ نشاطاتٍ فردية أو عائلية يمكن لها أنْ ترتّب بعض الفوضى الحاصلة، مثل الطبخ أو القراءة أو التمرين البدنيّ أو تعلّم المهارات المختلفة التي بات من السهل علينا تعلّمها في فضاء الإنترنت.

في حديثه مع TRT عربي، يرى الباحث في علم النفس مجد السليتي أنّ الكثيرين يتحدّثون عن القلق باعتباره اضطرابٌ نفسيّ ينبغي التخلّص منه والهرب من مسبّباته. لكنّه، أي القلق، استجابة صحّية وطبيعية في أوقات الأزمات علينا تقبّله والتعامل معه بدلاً من إنكاره أو محاولة تشتيت انتباهنا عنه عبر الكسل وتضييع الوقت والانشغال بالملهيات اللحظية. بل إنّ القلقهو ما يجعل المرءَ أكثر مسؤوليةً في التعامل مع هذه الجائحة.

ويُضيف أنّ الروتين المُنتِج والواضح هو من أكثر الأمور التي تزداد أهميّتها في ظلّ الحجر الصحي والبقاء في البيت لفترةٍ طويلة. ففقدان السيطرة وغياب الهدف والإنجاز لن يخفّف من ضغوطاتنا النفسية بخاصة أنّ المستقبل يبدو ضبابياً للجميع وأنّ الشعور بالجدوى ينعدم أو يكاد ينعدم بين الكثير من الأفراد في هذه الظروف الصعبة.

من وجهة نظره، فالشعور بالإنجاز وعدم إهدار الوقت يخدم في صميم صحتنا النفسية ولا يزيد ضغوطاتنا كما يقول الكثيرون. فليس من الضروريإرهاق النفس للشعور بالإنجاز، كل ما في الأمر هو حاجتنا إلى وجود خطوات ولو صغيرة، نظامٍ يومي، إنتاج وعمل وفائدة من أي نوع بالحد الأدنى. مؤكّداً أنّ الروتين المُنتِج يعني اتّزاناً وثباتاً وصحةً نفسية أفضل، وأنّ وجود أفعال ما منتجة وذات معنى (على الصعيد الفردي) يعدّ أمراً مهمّاً لتجاوز الأزمة على المدى البعيد.

الشعور بالإنجاز وعدم إهدار الوقت يخدم في صميم صحتنا النفسية ولا يزيد ضغوطاتنا كما يقول الكثيرون
الشعور بالإنجاز وعدم إهدار الوقت يخدم في صميم صحتنا النفسية ولا يزيد ضغوطاتنا كما يقول الكثيرون (Reuters)

لطالما كانت العزلة وسيلةً مهمّة لسبر أغوارنا ودواخلنا، لذلك علينا البحث عمّا يُناسبنا بعيداً عن الضجة التي تحدثها مواقع التواصل والأصوات أو الآراء الكثيرة التي تُسبغها علينا يومياً. يتطلّب الأمر منّا قبول الملل والفراغ الذي بدأنا نشعر به فجأة من دون أيّة مقدمات ومن دون الحاجة إلى اعتبارهما حالاتٍ سلبيّة أو أنه يجب علينا التخلّص منها بأيّ طريقةٍ كانت.

يمكننا أنْ ننظر إلى هذا الملل على أنه إشارة للتفكير بأنفسنا وبما نفعله في الحياة ولسماع أصواتنا الداخلية التي بالكاد نسمعها في أنماط الحياة الصاخبة والمتسارعة من حولنا والتي كنّا نعيشها قبل بدء الجائحة. في لحظات الملل والفراغ سنكتشف نوع الأفلام التي نحبّها، أو الأدب الذي يمكننا قراءته، والأشخاص الذين نودّ فعلاً التواصل معهم تواصلاً حقيقياً. ربما قد تغيّر منّا هذه المرحلة، بمللها وفراغها، وتدعنا نعيد ترتيب أولويات كل ما نفكر به وما نفعله وما نعتقده عن أنفسنا والآخرين من حولنا.

المصدر: TRT عربي