لا تسمح فرنسا بعودة أي ممّن يوصفن بـ"نساء داعش" اللاتي يحملن جنسيتها (AFP)

يواجه عدد من العواصم الأوروبية ملفاً شائكاً يتعلّق بعودة "عائلات" ونساء تنظيم داعش الإرهابي. فبعد أن التحقن بصفوف التنظيم في سوريا والعراق، وأنجبن أطفالاً من مقاتليه، تريد بعض هذه النسوة العودة إلى دول أوروبية يحملن جنسياتها، لكنهن يواجهن صعوبات وتعنتاً من عواصم أوروبا، خصوصاً من باريس.

في 13 يناير/كانون الثاني الماضي، سمحت فرنسا بإعادة 7 أطفال من أبناء مقاتلي داعش الفرنسيين، فيما لم يتعدّ عدد الأطفال الذين سمحت فرنسا بعودتهم 35 طفلاً حتى مطلع العام الجاري، بحسب دراسة نشرها المرصد الأوروبي لمكافحة التطرف.

في المقابل لا تسمح فرنسا بعودة أي ممّن يوصفن بـ"نساء داعش" اللاتي يحملن جنسيتها، إذ تواصل حكومة إيمانويل ماكرون تجاهل تقديرات أمنية وحقوقية تحاجج بأن عودتهن هي "الخيار الأكثر أمناً"، وأن ترك النساء والأطفال في سوريا يشكل "خطراً أكبر" ويعدّ انتهاكاً لحقوق مواطنتهم، حسب صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية.

وتنقل الصحيفة عن جان تشارلز بريسارد، مدير "مركز تحليل الإرهاب" في باريس، قوله إن فرنسا تعدّ صاحبة "أكبر مجموعة من المواطنين في مخيمات وسجون سوريا والعراق"، فيما "​​لا تزال 100 امرأة يحملن الجنسية الفرنسية، وأطفالهن الـ200، عالقين في مخيم روج لوحده".

رسالة "المهاجرات الفرنسيات في سوريا"

أمام هذا الواقع، ومن مقرّ احتجازهن في مخيمات بسوريا، وجهت "نسوة داعش" رسالة إلى وزيري الداخلية والخارجية الفرنسيين، حملت عنوان "المهاجرات الفرنسيات في سوريا"، طالبن فيها بإسقاط الجنسية الفرنسية عنهن.

وتبدأ الرسالة بقول هؤلاء النسوة: "هذا طلب رسمي لإسقاط الجنسية تقدّمه المهاجرات الحاملات للجنسية الفرنسية والمقيمات حالياً في سوريا". وتضيف: "فرنسا وضعتنا أمام خيارين٬ أن نحبها أو أن نغادرها. لقد غادرناها دون ندم".

وجهت "نسوة داعش" رسالة إلى وزيري الداخلية والخارجية الفرنسيين، حملت عنوان "المهاجرات الفرنسيات في سوريا" (مواقع التواصل الاجتماعي)

وعلّقت صحيفة لو فيغارو الفرنسية على الرسالة قائلة إنها قد تبدو محاولة من هؤلاء النسوة للضغط على الحكومة الفرنسية، أو قد تكون رسالة يأس وغضب من التعامل الفرنسي مع ملفّهن، أو مجرد دعاية لتنظيم داعش الإرهابي.

الاحتمال الأخير قد يبدو واضحاً من تبرؤ صاحبات الرسالة من نظيراتهن اللاتي هربن من التنظيم بعد فترة من الالتحاق به واللاتي يسعين للعودة إلى فرنسا، لكن الرسالة ترجح فرضية اليأس والغضب حينما تقول: إن "كثيراً من مواطنيكم الفرنسيين لا يريدون عودتنا. نحن أيضاً لا نريد العودة. لم نغادر فرنسا لنعود إليها".

وتشن الرسالة هجوماً قوياً على النظام والمجتمع الفرنسيين، إذ تقول إن ذهابهن إلى سوريا كان بسبب "الاضطهاد" الذي تعرضن له لكونهن مسلمات في فرنسا. مضيفة أنه "حُكم علينا وهُمّشنا بسبب زيّنا وآرائنا واعتناقنا لدين الإسلام".

وتتابع الرسالة بالقول إن هؤلاء النسوة غادرن فرنسا دون نية بالعودة إليها، مضيفة في هجوم على النظام والمجتمع الفرنسيين: "لا نعترف بقوانينكم ولا بتصوركم للحياة… غادرنا فرنسا لنستطيع ممارسة ديننا بحرية".

معضلة أمنية و"أخلاقية" أوروبية

هؤلاء النساء الفرنسيات الموقعات على الرسالة لا يمثلن رأي الكثيرات من نظيراتهن المحتجزات في سوريا، إذ يريد الكثير منهن العودة مع أبنائهن إلى بلدانهن الأوروبية، وبتن يشكلن معضلة أمنية وأخلاقية وحقوقية للحكومات الأوروبية منذ 5 سنوات على الأقل.

وعلى الرغم من أن الحاملين لجنسيات أوروبية لا يمثلون سوى نسبة تعدّ صغيرة من قرابة 60 ألف شخص محتجز في هذه المخيمات، فإن حكوماتهم الأوروبية باتت تواجه ضغوطاً متزايدة لإعادتهم وتقديم البالغين منهم للمحاكمة، لعدم انتهاك التزامات حقوق الإنسان وحقوق المواطنة.

وكانت صحيفة نيويورك تايمز نقلت عن خبراء أمنيين وحقوقيين قولهم إن الحكومات الأوروبية تواجه فعلاً مخاوف أمنية "مشروعة" من وقوع هجمات إرهابية على أراضيها، غير أن تركهم في سوريا سيجلب "مخاطر أكبر" تشمل إمكانية انضمام هؤلاء إلى جماعات "إرهابية" تستهدف أوروبا.

كما أنه من وجهة نظر حقوقية، يعيش أطفال مقاتلي داعش وضعاً مزرياً "لا ذنب لهم فيه"، إذ تقول منظمة أنقذوا الأطفال البريطانية: "لم يرتكبوا جرماً، ويعانون أمراضاً وسوء تغذية ويتعرضون للاعتداء الجنسي. العديد منهم ماتوا".

من جهة أخرى، لا يبدو أن وضع أمهاتهن أحسن حالاً، إذ تقول منظمة ريبريف الحقوقية: إن "العديد من النساء في مخيمي الهول وروج تعرضن للاتجار والاغتصاب، وأجبرن على الزواج والسخرة المنزلية".

وتبدو فرنسا الأكثر تشدداً في رفضها لعودة نساء داعش، إذ نقلت نيويورك تايمز عن مسؤول استخباراتي فرنسي لم تسمه قوله إن مسألة إعادة هؤلاء النساء غير واردة.

كما أن عودة الأطفال إلى فرنسا باتت أمراً شديد الصعوبة، فباريس أعادت 35 طفلاً فقط بعد أن كان مقرراً أن تعيد 160 منهم على الأقل في بداية عام 2019، حسب ما ورد في وثائق استخبارية كشفت عنها صحيفة ليبراسيون الفرنسية.

لكن المخابرات الفرنسية تراجعت عن ذلك، وبررت تراجعها بالقول إن الوضع في مخيمي روج والهول بات "شديد التقلب"، وهو ما دفع الحكومة إلى التخلي عن هذه الخطة بشكل مرحلي.

TRT عربي - وكالات
الأكثر تداولاً