يشتغل على الدراجات النارية ثلاثية العجلات أشخاص غالبيتهم من شرائح هشَّة (hespress)

فاجعة تلك التي عرفها المغرب نهاية الأسبوع الماضي، إثر مصرع شاب بمدينة سيدي بنور (غرب البلاد)، بعدما أضرم النار في جسده احتجاجاً على مصادرة السلطات عربة كان يستعملها في نقل المسافرين بدون ترخيص قانوني، وفق ما أفاد مصدر في عائلته لوكالة فرانس برس. وصرح شقيق الضحية أن شقيقه ياسين، البالغ من العمر 25 عاماً، توفي السبت "متأثراً بالحروق التي أصيب بها" في مستشفى ابن رشد بالدار البيضاء حيث نقل بعد الحادث.

أثارت حادثة ياسين ردود فعل ممتعضة شملت الرأي العام المغربي ككل، وهمّت على نحو خاص مدينته الأم حيث خرجت مسيرة تضامنية مع عائلة الفقيد. كما عرفت القضية زخماً كبيراً في وسائل التواصل الاجتماعي المغربية. بينما ملابساتها تعيد إلى ساحة النقاش موضوع العربات ثلاثية العجالات، المعروفة محلياً بـ "تريبورتور"، والتي تمثل معضلة كبيرة؛ فمن ناحية تعد مصدر رزق لشريحة واسعة من المجتمع المغربي، ومن ناحية أخرى هي مصدر خطر يهدد سلامة راكبيها ومستعملي الطريق في آن.

لقمة عيش ممتنعة..

حضور الـ"تريبورتور"، أو العربات ثلاثية العجلات، بالمغرب ليس بالقديم. فأول ما صرح لها من قبل الجهات المختصة دخول البلاد كان سنة 2007، وبعدها تزايدت مبيعاتها لتصل الـ8000 سنوياً. فيما يبلغ تعدادها حسب تقديرات وزارة النقل المغربية 120 ألف دراجة تجوب شوارع وطرقات المملكة.

يشتغل على هذه الدراجات النارية أشخاص غالبيتهم من شرائح هشَّة، حيث تستعمل في نقل البضائع والركاب، في بعض المرات لمسافات طويلة. ونظراً لثمنها المنخفض مقارنة مع الشاحنات أو العربات ذات القاطرة، كما استهلاكها الاقتصادي للمحروقات، رأى فيها هؤلاء طوق النجاة من بطالة تتهددهم وانقطاع الرزق في أعمال أخرى. فيما تجد رواجاً بالمناطق الصناعية وفي هوامش المدن الكبيرة كالدار البيضاء حيث يسدون جانباً من أزمة النقل التي تعرفها.

بالمقابل لم يكن نشاط استعمال الـ"تريبورتور" تلقائياً، بل أتى بتشجيع من السلطات المغربية. حيث وزع برنامج "المبادرة الوطنية للتنمية البشرية" عدداً من هذا النوع من الدراجات النارية على المستفيدين من ذوي الدخل المحدود والعاطلين عن العمل. كما مثلت تلك العربات العصب الحيوي لبرامج "مؤسسة محمد السادس" لإعادة إدماج السجناء، بحيث تمنحهم فرصة للولوج إلى دخل يومي يعيلهم ويعيل أسرهم.

سنة 2020، أقرت "الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية" المغربية بأن "سياقة الدراجات ثلاثية العجلات بدون رخصة السياقة يعتبر جنحة يعاقب عليها القانون"، في سعي للوزارة الوصية إلى تنظيم ذلك النشاط الاقتصادي. الأمر الذي دفع أوضاع العاملين عليها إلى هشاشة أكثر، حيث إن أغلبهم لا يستطيعون دفع تكاليف رخص القيادة والتأمينات، أو لا يستطيعون اجتياز امتحانات القيادة لأنهم يجهلون القراءة والكتابة، ما جعلهم يعملون خارج القانون.

الخطر المميت

حسب الإحصائيات فإن 45% من حوادث السير التي حصلت بالمغرب سنة 2020، كانت وراءها دراجات نارية ثلاثية العجلات. وهي المعدّة أساساً لنقل البضائع فأصبحت بسبب أزمة النقل بالمدن الكبرى تنقل الركاب، على الرغم من أن القانون يجرم بشكل قطعي هذا الأمر لما له من أخطار على حياة الناس. بل وبلغ ذلك الخطر حد تخوف شركات التأمين من تأمينها، فأوكلت المهمة لشركات متخصصة في تأمين عربات النقل العمومي، نظراً للمخاطر العالية لهذا النوع من التأمين.

فيما يوضح مسؤول التواصل بجمعية وسطاء ومستثمري التأمين في المغرب بأن "الدراجات ثلاثية العجلات أُحدثت في الأصل لنقل البضائع، قبل أن يجري تحويلها إلى نقل الأشخاص، وعلى هذا الأساس يجري تأمينُها، أي باعتبارها عربات لنقل البضائع وليس الأشخاص؛ وهو ما يعني، عملياً، أنّ الركاب الذين ينقلهم أصحاب "التريبورتورات" غير مشمولين بالتأمين". وبالتالي لا تتسبب هذه العربات لضحاياها أثناء وقوع الحوادث بالموت أو العاهات المستديمة فقط، بل تحرمهم وضعيتها القانونية من تعويضات التأمين كذلك.

هذا إضافة إلى ما كشفه تحقيق سابق للقناة الثانية المغربية، من تلاعبات في قوة محرك هذه الدرجات لكي يصير أكثر سرعة، قد تصل في بعض الأحيان إلى ما فوق 200 كيلومتر في الساعة، الأمر الذي يعد انتحاراً للسائق وقتلاً لركابه ومستعملي الطريق إذا ما نظرنا إلى تصميم هيكل تلك العربات الذي لا يتحمل كل تلك السرعة.

TRT عربي
الأكثر تداولاً