كشفت مشاهد الاعتداء الوحشية على المهاجرين العالقين على الحدود، الوجه المظلم لأوروبا. فبعد أن أصبحت اليوم قضية اللاجئين ورقة ضغط سياسي بين مختلف الدول والأطراف، قدّمت أوروبا المصلحة الذاتية على المبادئ الإنسانية، بدفع من التيارات المناهضة للهجرة.

لم تكن الأسلاك الشائكة التي اعترضت طالبي اللجوء واحتجزتهم في الغابات طوال أيام في البرد الشديد، أو الرصاصات الطائشة لحرس الحدود التي اصطادتهم، وحملات الاعتقال والترحيل، بالمشاهد المفاجئة، إذ إن السياسات الأوروبية، وفق ما أكده ناقدون وحقوقيون، لم تخلُ في الغالب من المعاملة السيئة للمهاجرين واللاجئين الذين كانوا يحلمون بـ"الجنة الأوروبية" فراراً من جحيم الحروب أو الظروف السيئة في أوطانهم.

وقد تتباين أحياناً سياسات البلدان الأوروبية تجاه اللاجئين، بين من يشيد الجدران ويرفع الأسلاك، ومن يختار توظيف المهاجرين لتغذية الاقتصاد وتعويض انخفاض معدلات الولادة، واستصلاح الأراضي، وفي كلتا الحالتين فإن المحرك الأساسي في ذلك، هو ما تمليه مصلحة هذه البلدان بعيداً عن المبدأ والقيمة الإنسانية، التي طالما ادعت هذه البلدان رفع لوائها في أنحاء العالم.

وإذ يأسف العالم اليوم، أمام المشاهد المأساوية التي تتناقلها وسائل الإعلام، للوضعية المزرية للاجئين الذين تقطعت بهم السبل على الحدود الأوروبية، تدان أوروبا على نطاق واسع بسبب هذه الممارسات الوحشية التي بددت مزاعمها في حماية الإنسان وحفظ كرامته وحقوقه.

اليونان.. تجريم مساعدة المهاجرين

اتساقاً مع الموقف الأوروبي المناهض لموجات اللجوء والهجرة، تتجه اليونان إلى انتهاج سياسة أكثر تشدداً مع المهاجرين وكل من قدم لهم الدعم أو المساعدة.

ووفق ما كشفت عنه جهات مطلعة، قررت الحكومة اليونانية يوم الخميس 18 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، محاكمة عشرات من عمال الإغاثة الذين قدموا المساعدة للمهاجرين وسهلوا دخولهم إلى الأراضي اليونانية بين عامي 2016 و2018، بتهمة التجسس.

وشهدت جزيرة ليسبوس اليونانية تدفق آلاف المهاجرين القادمين عبر بحر إيجة عام 2016. واعترضت حينها القوات وخفر السواحل اليونانية هذه القوارب لمنع دخولها، إلا أن جهات رسمية ادعت بعد ذلك وقوف بعض الأشخاص والأطراف وراء عمليات إغاثة ومساعدة اللاجئين لدخول اليونان، وأصدرت قوانين لاعتقالهم بلا أي إثبات أو دليل رسمي، كما يؤكد محامون مشاركون بالقضية.

وكان من بين الأشخاص المتهمين الذين سيمثلون خلال هذه الفترة أمام القضاء للمحاكمة بتهمة التجسس، السبَّاحة السورية سارة مارديني، شقيقة بطلة السباحة يسرى مارديني، التي أكدت في تصريحات سابقة إلى جانب شاب أيرلندي، أنهم أدّوا في واقع الأمر الأمر عملاً إنسانياً، وأنقذوا القوارب الغارقة التي تقل مئات المهاجرين، وأخطروا بذلك خفر السواحل.

وبعد الاطلاع على التهم الموجهة إلى هذه الشخصيات، والتي تتمحور حول تهم الخيانة والتجسس، قال نيلز موزنيكس، مدير المكتب الإقليمي الأوروبي بمنظمة العفو الدولية، في بيان رسمي: "التهم التي يواجهونها هزلية، وينبغي أن لا يتعرضوا أبداً للمحاكمة".

من جانبه قال فرانسوا كريبو، الخبير في القانون الدولي والمسؤول السابق في الأمم المتحدة المعنيّ بحقوق المهاجرين: "إن تجريم الأنشطة الإنسانية ليس فقط غير عادل ولكنه يأتي أيضاً بنتائج عكسية، فوقف عمليات الإنقاذ لا يمنع الناس من إجراء رحلات خطرة، ولكنه ببساطة يزيد خطورة تلك الرحلات".

ويتزامن رفع القضية التي وصفها البرلمان الأوروبي بأنها "أكبر قضية تجريم للتضامن في أوروبا حالياً"، مع حملات قمع طالبي اللجوء على الحدود الشرقية لأوروبا.

سياسات مدفوعة بتحريض يميني

تُعتبر المشاهد اللا إنسانية على الحدود البيلاروسية-الأوروبية التي يكابدها المهاجرون منذ شهر، وسط تخاذل دولي، وقوانين تجريم التضامن مع اللاجئين التي بدأت تسلكها اليونان، انعكاساً للسياسات اليمينية المتطرفة في هذه الدول.

فقد استولت الحكومات اليمينية التي تملك برامج مناهضة للمهاجرين على السلطة في عدد من الدول الأوروبية، وبدأت تحرض وتدفع في اتجاه سَنّ مزيد من القوانين التي تضيّق على المهاجرين وتفرض مزيداً من القيود، وتبرر القمع والانتهاكات المرتكبة على الحدود بدافع المصلحة الوطنية والحفاظ على السيادة وأمن واستقرار هذه الدول.

وخدمة لهذه السياسة، غذّى مختلف الأحزاب السياسية اليمينية وأبواقها الإعلامية، الغضب الشعبي المتنامي في هذه البلدان من أعداد المهاجرين الذين صُوّروا كأنهم يزاحمونهم في كل شبر من الوطن وفي كل مرفق، إضافة إلى الذعر المدفوع بالهاجس الأمني، لتكسب بذلك هذه الحكومات تأييداً شعبياً نسبياً في استخدام اليد الطولى في قمع اللاجئين وترحيل الفارين منها بغض النظر عن الظروف.

TRT عربي
الأكثر تداولاً