تستدعي الأرقام المفزعة لحالات انتحار شباب كوريا الجنوبية مؤخراً الانتباه إلى الظروف المزرية والأوضاع المأساوية التي أدت بهذه الفئة العمرية إلى الشعور باليأس في بلد يكاد يكون مقبرة لهم.

"جحيم" و" مقبرة" و"مملكة جهنمية" بهذه الكلمات اختار طيف واسع من شباب كوريا الجنوبية توصيف بلادهم، التي وئدت فيها أحلامهم بالظفر بحياة مستقرة ومنعمة، على حد تعبيرهم. وإن كان الكثير منهم لا يزال يواصل معركته في الاحتجاج والمطالبة بحقوق المواطنة، فقد اختار كثير منهم في المقابل إنهاء حياته بعد أن خيم عليه اليأس في إمكانية تغيير أو إصلاح الوضع الحالي.

ويرى في هذا السياق ناشطون وناقدون، أن مسلسل "لعبة الحبار Squid Game " الذي حقق مؤخراً نجاحاً باهراً وتصدر نسب المشاهدات عالميا، ليس إلا انعكاساً لليأس الذي يعتري الشباب في كوريا الجنوبية من الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشون تحت وطأتها طيلة سنوات وتلتهم معها كل آمالهم وأحلامهم.

الأولى عالمياً في حالات الانتحار

بينما تتصدر كوريا الجنوبية طيلة العقدين الماضيين الترتيب العالمي في معدل حالات الانتحار، وذلك بحوالي 24.6 حالة انتحار لكل 100 ألف شخص عام 2017، تمثل نسبة الشباب فيها نسبة عالية.

ووفقا لمكتب الإحصاء الوطني الكوري، فقد بلغ عدد حالات الانتحار بين عامي 2018 و2019 للشباب الكوريين الذين تقل أعمارهم عن 40 عاماً حوالي 10% من إجمالي عدد الحالات المسجلة. ويشير المكتب إلى أنه منذ عام 2007 كان الانتحار السبب الأول للوفاة في صفوف الشباب.

ويفسر خبراء ومحللون هذه النسب المفزعة بإصابة عدد كبير من الشباب بالاكتئاب واليأس جراء الظروف السيئة التي يواجهونها.

ووفق ما جاء في التقرير ذاته لمكتب الإحصاء الوطني الكوري، فقد بلغت نسبة طلاب المدارس المتوسطة والثانوية الذين أصيبوا بالاكتئاب عام 2019 حوالي 28.2%.

وقدرت نسبة المراهقين الذين يتعاطون الكحول نحو 15% مقابل 6.7% ممن اتجهوا إلى التدخين.

ويشير التقرير إلى أن الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 13 و24 عاماً هم الفئة الأكثر قلقاً بشأن الأعباء الدراسية والتنفاس للحصول على أفضل دراسات أكاديمية ووظائف مستقبلية، ما أدى بغالبيتهم إلى الشعور باليأس والدخول في حالات اكتئاب، فيما أقدم عدد كبير منهم على الانتحار.

واعتبر في هذا السياق المعهد الوطني لسياسة الشباب، أن كوريا الجنوبية هي أول دولة في العالم لتربية الأطفال الأكثر تعاسة.

تعتبر كوريا الجنوبية الدولة الأولى في العالم الأكثر قدرة على تربية أطفال تعساء (Others)

وبينما يمثل الشباب حوالي 15% من إجمالي عدد السكان في كوريا الجنوبية، بما يقارب 7.82 مليون شاب عام 2020، يتوقع خبراء واختصاصيون انخفاضاً كبيراً في هذه الأعداد خلال السنوات القادمة، إذا ما عجزت الدولة عن إيجاد حلول لإيقاف هذا النزيف البشري.

بطالة ومشاكل اقتصادية

بالرغم من تقلص عدد الشباب في كوريا الجنوبية إلا أن عدد العاطلين عن العمل قد ارتفع بنسبة 28.3% سنة 2019، وفق ما جاء في تقرير معهد البحوث الاقتصادية الكوري. ومع انتشار جائحة كورونا وما ترتب عليها من تداعيات اقتصادية، ازداد الوضع سوءاً وارتفعت معدلات البطالة في صفوف الشباب في كوريا الجنوبية، وتشير عدة تقارير إلى أن حوالي 40% من الشباب خريجي الجامعات الجدد قد تخلوا إثر ذلك عن البحث عن وظائف، حيث يكاد يكون الأمر مستحيلاً اليوم أكثر من أي وقت مضى.

ووصف كثير منهم البلاد بأشبه ما يكون بالجحيم الذي لا يمكن التخلص منه إلا بالموت أو الهرب منه.

وإذ تتفاقم مشكلة ارتفاع معدلات البطالة في صفوف الشباب، تطفو مشكلة المحسوبية على السطح والتي تعكس بدورها فجوة كبيرة بين الأغنياء الذين يحظون بجميع الفرص والفقراء الذين يعجزون عن ضمان أبسط حقوقهم.

وقد أشارت عدة تقارير إعلامية على سبيل المثال، أن حوالي 3 من بين كل 4 محامين جرى تعيينهم في مجلس التدقيق والتفتيش، وهو الجهاز الحكومي المسؤول عن مراقبة سلوك الموظفين العموميين، لم يجر تعيينهم بسبب قدراتهم وخبراتهم بل كانوا من أبناء الطبقة العليا، وكبار المسؤولين والمشرعين.

وإلى جانب مشكلة البطالة والمحسوبية وانخفاض الدخل، رفعت الحكومة الحالية أعباء الشباب وذلك عبر فرض مجموعة من العقوبات الضريبية وقواعد الرهن العقاري، ما أدى إلى ارتفاع متوسط سعر الشقق وخاصة في العاصمة سيول. وتزامن مع ذلك ارتفاع كبير في أسعار الإيجارات، ما أجبر الكثير من الشباب على البقاء بدون مأوى. وانخفض تزامناً مع ذلك عدد الزيجات وبالتالي تراجع عدد المواليد بشكل حاد، وسط تباطؤ اقتصادي.

وبالتالي يؤكد خبراء ومحللون، أن أزمة الانتحار والبطالة التي تعصف بكوريا الجنوبية لا تقل خطورة عن بقية التحديات التي تواجهها، وأن حل هذا الإشكال الذي حوّل حياة الشباب الكوري إلى جحيم، رهن القرار والإرادة السياسية في الإصلاح.

TRT عربي
الأكثر تداولاً