يوصف بانكسي بأوصاف متناقضة، المُخرّب الثائر، أو صاحب الموقف السياسي المُحب للتدمير. يحرص على غموض شخصيته، ليس فقط لأنها طريقة بارعة في لفت الانتباه، بل لأنه يتكلم من خلال الجدران التي تخاطب ساكني المدن بلغة خاصة ومشفّرة لا تمر على أعين الرقيب.

تُعرض اللوحة الممزقة التي تحول اسمها من
تُعرض اللوحة الممزقة التي تحول اسمها من "فتاة البالون" إلى "حُب في السلة" داخل متحف بوردا الألماني (AP)

يُجيد فنان الجرافيتي، مجهول الهوية والمعروف ببانكسي، التلاعب بالسلطة ومؤسساتها الرسمية المتمثلة في المعارض والمتاحف بذكاء يثير الإعجاب ويطرح العديد من التساؤلات.

يصعب حصره في تعريف محدد، فلا يمكن الاكتفاء بوصفه فنان الجرافيتي، أو الناشط السياسي، أو الثائر الرافض لهيمنة السلطة أينما كانت، ويمتلك القدرة على التعبير عن ذلك الرفض من خلال الدمج بين رؤيته الذاتية للعالم وأعماله الفنية بطريقة بارعة، فقد تمكّن بانكسي من إرباك الجميع.

لغز فتاة بانكسي

أقام متحف فريدر بوردا في ألمانيا معرضاً يتضمن مجموعة من لوحات بانكسي، وعلى رأسها اللوحة الشهيرة فتاة البالون، التي تحوّل اسمها إلى حُب في السلة عقب تدميرها ذاتياً في واقعة هزت الأوساط الفنية البرجوازية في لندن، فما تفاصيل الحكاية؟.

تسعى مؤسسات السلطة مُمثلة في المتاحف والمزادات لاحتواء فن بانكسي الجامح، بعدما حظي بشهرة واسعة ونجح في اجتذاب فضول الجماهير حول العالم من خلال رسوماته التي زيّنت جدران عواصم عربية وعالمية متعددة بطابعها الخاص والاستثنائي.

عرضت دار سوثبيز للمزادات في لندن لوحة فتاة البالون في أكتوبر/تشرين الأول 2018، وما إن تم الإعلان عن بيعها مقابل 1.4 مليون دولار حتى تفاجأ الحاضرون بتدمير اللوحة لنفسها ذاتياً حين بدأت تتساقط الأوراق وهي تخرج من إطار اللوحة.

لم يفهم أحد ما حدث في البداية، وإن بدا الذهول على الوجوه الإرستقراطية التي خالفت أعراف الإتيكيت المتفق عليها وارتفعت صيحاتها المرتبكة أمام المشهد.

قد لا يشير اسم بانكسي إلى شخص محدد، بل إلى مجموعة من الفنانين يتشاركون نفس الأفكار والمواقف السياسية والشكل الفني

الصحفي كريج ويليامز

لاحقاً، نشر بانكسي فيديو لتوضيح الأمر على موقعه الإلكتروني بعنوان مزِّق الحُب Shred The Love، أرفقه بعبارة تقول "لقد نجح الأمر في البروفات السابقة.."، وأوضح فيه أنه وضع آلة لتقطيع الورق داخل إطار اللوحة منذ عدة سنوات، واحتوى الفيديو على لقطات للمزاد لم تظهر في الصور الرئيسية للحدث، ما يعني أن بانكسي أو أحد أتباعه كان حاضراً، حيث قام بالضغط على ريموت كنترول لحظة إعلان بيع اللوحة كي تتمزّق بهذه الطريقة، كما أوضح بانكسي في الفيديو أن اللوحة كان من المفترض أن تتمزق كلياً وهو ما لم يحدث بسبب عطل ما.

في وصف الفيديو قال بانكسي: "يظن بعض الناس أن اللوحة لم تتمزّق فعلاً، لقد تمزقت. يظن بعض الناس أن إدارة المزاد لها علاقة بالأمر، ليس لها علاقة".

أعلنت إدارة المتحف بعد الحدث أن اللوحة تغير اسمها إلى حُب في السلة وقرر المشتري الذي طلب عدم الإفصاح عن اسمه، المُضيّ في عملية شراء اللوحة حيث تنبأ بأن قيمتها سوف تزداد، وهو ما عبّر عنه ألكس برانزيك، مدير دار سوثبي بقوله "بانكسي لم يدمر عملاً فنياً أثناء المزاد، بل قام بخلق عمل جديد".

وصف هينينج شابير، مدير متحف فريدر بوردا الألماني، بانكسي بقوله "بانكسي فنان خطِر، ذو ميول تخريبية، لكنه أيضاً ذكي جداً ويجيد استخدام الكوميديا السوداء ببراعة على طريقته الخاصة".

تُعرض اللوحة إذن في المتحف الألماني وهي ممزقة جزئياً، بعدما اتفقت إدارة المتحف مع المشتري على فتح الإطار للتأكد من عدم وجود ألاعيب جديدة، في إشارة للحدث الذي وصفته وسائل الإعلام بـ"أكبر مزحة في تاريخ عالم الفن والمعارض" وفقاً لـCNN.

من هو بانكسي؟

يُعرّف بانكسي نفسه من خلال التمسّك بالغموض وإعلان الرفض. على موقعه الإلكتروني يقول في التعريف "بانكسي غير موجود على فيسبوك، أو تويتر، ولا يتم تمثيله من خلال أي معرض فني تجاري".

يوصف بانكسي بأوصاف متناقضة، المُخرّب الثائر، أو صاحب الموقف السياسي المُحب للتدمير، لذا فهو يحرص على غموض شخصيته، ليس فقط لأنها طريقة بارعة في لفت الانتباه، بل أيضاً لكونها جزءاً من رسالته الفنية التي يعبر عنها بطرق استثنائية وغير مسبوقة، من خلال الجدران التي تتكلم وتخاطب ساكني المدن بلغة خاصة ومشفرة لا تمر على أعين الرقيب قبل السماح لها بالخروج إلى العالم.

يُرجّح الصحفي كريج ويليامز نظرية تختلف عن السائد حول هوية بانكسي، حيث يقترح أن الاسم لا يُشير إلى شخص محدد، بل إلى مجموعة من الفنانين يتشاركون نفس الأفكار والمواقف السياسية والشكل الفني، وفقاً لصحيفة الإندبندنت البريطانية.

إحدى جداريات بانكسي التي عُرضت في موسكو 
إحدى جداريات بانكسي التي عُرضت في موسكو  (AFP)

فن المشاع الإبداعي

تتناقض المتاحف والمعارض الفنية بطبيعتها مع جوهر فن الشوارع، الذي يؤكد على انتمائه إلى المارّة والعابرين دون تمييز، وعلى تحرّره من سلطة المؤسسات وتدخّلها توجيهاً أو قمعاً في العملية الفنية وبالتالي في إحكام السيطرة على الأفكار التي يطرحها العمل الفني.

تعود فكرة الرسم على الجدران تاريخياً إلى زمن الإنسان الأول، حيث تدل الرسومات التي تُركت على جدران الكهوف أنها كانت أول وأهم الطرق التعبيرية التي تعكس، ليس فقط رغبة الإنسان في الخلود وفي رواية تفاصيل حياته ومشاهدها المختلفة، بل أيضاً رغبته في التواصل مع القادمين من المستقبل، أي التحايل على وعي الإنسان منذ لحظة ولادته بفناءه الحتمي.

عاد فن الرسم على الجدران للظهور في العصر الحديث خلال ستينيات القرن الماضي، تحديداً مع بطله الأول دريل مكّاري الذي اشتُهر باسم كورن بريد Cornbread، وهو الاسم الذي يشير إلى ما حدث له أثناء وجوده داخل إحدى السجون الأمريكية المخصصة للمراهقين، حيث كان يقوم بإزعاج الطاهي يومياً طلباً للخبز الأسمر المطهوّ بالذرة بدلاً من الخبز الأبيض الذي يتم توزيعه عليهم عادةً. مكاري كان أمريكياً ذا بشرة سمراء، ويبدو أن هذه كانت طريقته في إعلان رفضه للتمييز العنصري خلال تلك الفترة.

كورن بريد المعروف كأول فنان غرافيتي في العصر الحديث
كورن بريد المعروف كأول فنان غرافيتي في العصر الحديث ()

لم يحصل مكاري على الخبز الأسمر، لكنه حصل على الاسم، الذي أصبح يشير إلى أول فنان غرافيتي ملأت كلماته جدران فيلادلفيا. تروي الحكاية أن دافعه في البداية كان الإعلان عن حبه لفتاة لا يستطيع الوصول إليها، وهو ما تعكسه عبارته الشهيرة "كورن بريد يُحب سينثيا" التي أغرقت الجدران حينها.

ربما يعكس ذلك اختيار بانكسي لفن الشوارع كأفضل شكل للتعبير عن أفكاره الثورية التي توصف من قِبل المؤسسات الرسمية بالتخريبية، إنه يعيد إلى المدن فضاءها الحر محاولاً انتزاعه من السلطة التي تهدف دائماً إلى تقنين التعبير الفني وحصره في أماكن خاصة تُذكرك منذ دخولك إليها بحدودك داخل المجتمع النظيف والمرتب جيداً، والذي لا ينسى تذكيرك بأن الوسيلة الوحيدة لامتلاك الفكرة والقبض على الشعور هي دفع الأموال الباهظة، وهو ما يرفضه بانكسي بضراوة وذكاء غير مسبوقين دفَعا المؤسسات إلى اللهاث خلفه، في الوقت الذي يبدو فيه كأن استمتاعه باللعبة يتصاعد بقدر ما يثيره من ارتباك وحيرة.

المصدر: TRT عربي