بعد أن علّقت قوى الحرية والتغيير التفاوض مع المجلس العسكري في بداية الشهر الماضي، نجحت الوساطة الإفريقية الإثيوبية أخيراً في إقناع الطرفين للعودة إلى التفاوض.

عشر ساعات فقط، أو تقلّ قليلاً، هي عمر الفترة الزمنية التي احتاجت إليها الوساطة الإفريقية الإثيوبية المشتركة، لإقناع المجلس العسكري الانتقالي وقوى الحرية والتغيير، بالعودة إلى طاولة التفاوض، وطَيّ صفحة الخلاف حول المجلس السيادي، المعنيّ بالشؤون الرئاسية في السودان، خلال الفترة الانتقالية.

وكانت قوى الحرية والتغيير علّقت التفاوض مع المجلس العسكري في الثالث من يونيو/حزيران الماضي، بسبب فضّ الاعتصام الذي أودى بحياة أكثر من 120 من المعتصمين، وفقاً للجنة أطباء السودان المركزية غير الحكومية.

وأفضى اتفاق الطرفين فجر الخامس من يوليو/تموز الماضي، برعاية الوساطة المشتركة، إلى تكوين مجلس سيادي من خمسة مدنيين ومثلهم من العسكريين، على أن يتفق الطرفان على شخص مدني ثامن، ليكون مجموع الأعضاء أحد عشر عضواً.

مخاوف ومهدِّدات

وتخوّف مراقبون ومختصون من تعرُّض الاتفاق لعثرات وعراقيل تهدّد استمراره، بخاصة أن الاتفاق أرجأ تكوين المجلس التشريعي إلى ما بعد تشيكل الحكومة المدنية، بسبب اعتراض المجلس العسكري على النسبة الممنوحة سابقاً لقوى الحرية والتغيير البالغة 67% من جملة أعضاء المجلس التشريعي.

كانت قوى الحرية والتغيير علّقت التفاوض مع المجلس العسكري في الثالث من يونيو/حزيران الماضي، بسبب فضّ الاعتصام
كانت قوى الحرية والتغيير علّقت التفاوض مع المجلس العسكري في الثالث من يونيو/حزيران الماضي، بسبب فضّ الاعتصام (AA)

ويرى المحلل السياسي عثمان المرضي، أن الاتفاق افتقر إلى بعض الإيضاحات المهمة، كما شابته حالة من الغموض حول صلاحيات هياكل السلطة الانتقالية.

ولفت المرضي في حديثه مع TRT عربي، إلى أن تأجيل تكوين المجلس التشريعي، قد يقود إلى بروز خلافات حادة بين بين قوى الحراك الشعبي والمجلس العسكري، وبعض الأحزاب الأخرى الطامحة إلى التمثيل والمشاركة التشريعية.

وقريباً من حديث المرضي، أعلنت تنسيقية القوى الوطنية المكونة من عدد من الأحزاب التي كانت متحالفة مع نظام الرئيس المعزول عمر البشير، رفضها للاتفاق.

وأكدت التنسيقية أنها ستحشد عضويتها، التي قالت إنها تتكون من 179 حزباً وحركة مسلحة وتحالفاً شبابيّاً، لمناهضة الاتفاق وإسقاط الحكومة الناتجة عنه.

لكن الأكاديمي وأستاذ العلوم السياسية بالجامعات السودانية الدكتور الطيب صغيرون، قلّل من فاعلية تلك الأحزاب، مؤكداً أنها لا تملك تأثيراً جماهيرياً كبيراً.

وقال صغيرون لـTRT عربي، إن المهدّد الحقيقي للاتفاق يكمن في غياب الثقة بين المجلس العسكري الانتقالي وقوى الحرية والتغيير، إذ ينظر كل طرف إلى الآخَر بشكوك كبيرة، بخاصة عقب فض الاعتصام بالقوة المميتة.

صراع العسكر والمدنيين

لدى قطاعات واسعة من السودانيين قناعة راسخة بأن الشيطان يكمن دائماً في تفاصيل التفاهمات السياسية. ويستند أصحاب هذا الرأي إلى تجارب سياسية سابقة، تَعثَّر خلالها عدد من الاتفاقات السودانية عندما دخلت حيِّز التنفيذ.

هنا يشير المحلل السياسي عثمان المرضي إلى أنه ما لم تتمكن اللجنة المكلفة صياغة الاتفاق من وضع الضوابط الصارمة التي تحدد الاختصاصات، فإن إمكانية انهيار الاتفاق خلال التنفيذ تبقى واردة بشدة.

كان رئيس المجلس العسكري الانتقالي الفريق أول عبدالفتاح البرهان، كشف عن إحباط محاولة انقلابية عقب اتفاق الخامس من يوليو/تموز الماضي
كان رئيس المجلس العسكري الانتقالي الفريق أول عبدالفتاح البرهان، كشف عن إحباط محاولة انقلابية عقب اتفاق الخامس من يوليو/تموز الماضي (AP)

وأكّد المرضي أن أي خلاف بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير، من شأنه أن يعزّز فرضية ظهور الثورة المضادة، أو الانقلاب العسكري.

وكان رئيس المجلس العسكري الانتقالي الفريق أول عبد الفتاح البرهان، كشف عن إحباط محاولة انقلابية عقب اتفاق الخامس من يوليو/تموز الماضي.

وليس بعيداً عن حديث المرضي، أن أستاذ العلوم السياسية بالجامعات السودانية الدكتور الطيب صغيرون، يرى أن الاتفاق مهدَّد أيضاً بحدوث خلافات بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع التابعة لنائب رئيس المجلس العسكري الانتقالي الفريق أول محمد حمدان حميدتي.

ولم يستبعد صغيرون بروز انشقاقات داخل الجيش السوداني نفسه، بين ضباط موالين للثورة، وآخرين موالين للنظام السابق، إذا لم يكُن تنفيذ الاتفاق مُرضِياً لطموحاتهم.

وأشار الدكتور الطيب إلى أن الجيش السوداني لن يكون بعيداً عن التجاذب والاستقطاب السياسي خلال الفترة الانتقالية، منوهاً بأن ما يُعرَف بالحاضنة الإقليمية للمجلس العسكري الممثَّلة في السعودية والإمارات ومصر، قد تدعم فرضية فضّ الاتفاق في أي لحظة من جانب العسكريين، إذ أصرّت القوى المدنية في الحكومة على هيكلة القوات المسلحة، أو قررت اتخاذ قرار بسحب القوات السودانية من اليمن.

الضائقة الاقتصادية

يُجمِع كثير من السودانيين على أن الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي يمر بها السودان، أسهمت بفاعلية في خروج ونجاح المظاهرات ضد نظام الرئيس المعزل عمر البشير، وبالتالي يرون أن استمرار تلك الأزمة قد يهدّد اتفاق الخامس من يوليو/تموز.

ويرى المحلل السياسي عثمان المرضي أن الخلافات بين قوى الثورة أسهمت في زيادة الأزمات المرتبطة بمعاش الناس، منوهاً بأن حكام السودان الجدد ستواجههم تعقيدات اقتصادية بالغة، قد تعصف بهم بعيداً عن السلطة، ما لم يضعوا الحلول السريعة والفعالة.

بدوره أشار أستاذ العلوم السياسية بالجامعات السودانية الدكتور الطيب صغيرون، إلى أن أكبر مهدّدات الاتفاق تتمثل في الخلافات التي يمكن أن تحدث داخل مكونات الحراك الشعبي، وقال إن ذلك قد يحفز العسكر على الانقضاض على الثورة، بخاصة أن الخلافات بين القوى الثورية بدأت في أثناء التفاوض.

وكانت الجبهة الثورية المكوَّنة من عدة حركات مسلَّحة، سحبت ممثليها من لجان التفاوض التابعة لقوى الحرية والتغيير، بحجة أن الملاحظات التي أبدتها حول التفاوض لم تجد اهتماماً من شركائها في التحالف الثوري.

وتعالت النبرة الناقدة للاتفاق عقب الإعلان عنه رسمياً، إذ رفضت تشكيلات سياسية محسوبة على التيار الثوري، ما تُوُصّل إليه بين المجلس العسكري وقوى الحراك الشعبي.

لكن القيادي في قوى الحرية والتغيير الدكتور إبراهيم الأمين، رأى أن إمكانية تجاوز الخلافات داخل المنظومة الثورية تبقى واردة بشدة.

وقال الأمين لـTRT عربي، إن قوى الحرية والتغيير هي تحالف مكوَّن من عدة أحزاب سياسية تختلف في الرؤى والأفكار، وهذا يعني أن بروز أصوات ناقدة داخلها ليس أمراً مقلقاً، لأنه مؤشر على ممارسة الديمقراطية داخلها.

المصدر: TRT عربي