احتفل أنصار التيار الصدري في العراق بتصدُّرهم النتائج الأولية للانتخابات التشريعية في العراق، وسط جدل واسع حول شكل الحكومة المرتقَبة التي ستتولى تشكيلها أكبر كتلة في البرلمان.

اعتبر التيار الصدري فوزه في انتخابات الدورة الخامسة للبرلمان العراقي التي أُجريَت يوم الأحد 10 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، قبل موعدها المقرر بأشهر، بمثابة "يوم النصر على المليشيات".

وخرج الأنصار إلى الشوارع محتفين بنتائج الفرز الأولية التي أعلنت عنها المفوضية العليا للانتخابات، والتي أظهرت فوز التيار الصدري بـ73 مقعداً في البرلمان القادم من أصل 329 مقعداً. بالتالي فإن مسؤولية تشكيل الحكومة المقبلة ستقع مبدئياً على عاتقهم، من خلال تحديد الآلية المتفق عليها في ذلك.

وفي الوقت الذي لا يزال فيه الناشطون والسياسيون من مختلف التيارات والطوائف العراقية ينددون بنتائج الانتخابات، التي اعتبروها أكبر عملية التفاف وتحايل على الشعب العراقي، على حد تعبيرهم، بدأ قادة التيار الصدري وعلى رأسهم زعيمهم صاحب النفوذ السياسي القوي في العراق مقتدى الصدر، في الوقت ذاته، في الإفصاح عن التوجهات السياسية للمرحلة القادمة، وترويج الحكومة التي سيشكّلونها، والتي ستتعهد، وفق تصريحاتهم الأولية، بمحاربة الفساد وإغلاق جميع أبواب التدخل الخارجي.

لتثار على ضوء هذه النتائج والتصريحات المتتالية، تساؤلات عدة عما إذا كان الصدريون بخلفياتهم الحالية التي أفصحوا عنها مراراً، يعتزمون فعلاً تغيير المشهد السياسي في العراق الذي تعصف به منذ فترة طويلة أزمة الطائفية التي تغذّيها المليشيات الموالية لإيران.

الصدريون.. جذور تاريخية

تعود جذور تسمية التيار الصدري إلى مؤسسه في مدينة النجف العراقية محمد صادق الصدر، والد الزعيم الشيعي الحالي الذي يملك نفوذاً سياسياً وعسكرياً قوياً في العراق مقتدى الصدر.

وكان صادق الصدر خلال تسعينيات القرن الماضي من أشدّ المعارضين الشيعيين لسياسات الرئيس الراحل صدام حسين، التفّ حوله كثير من الأتباع والمقلدين، باعتباره رجل دين عربياً ومرجعاً شيعياً بارزاً في العراق. ووفق ما أشار إليه بعض المصادر التاريخية، فقد تَمكَّن الصدر في ذلك الوقت من تشكيل عديد من الخلايا والشبكات الشيعية المنظمة في جميع أنحاء البلاد، التي أصبحت تقود حراكاً نشطاً، تسبب في إثارة قلق السلطات الرسمية، وملاحقتها بالتالي الصدر وأتباعه والتضييق عليهم.

ويوم 19 فبراير/شباط 1999 تَعرَّض الصدر واثنان من أبنائه، مصطفى ومؤمل، للاغتيال في مدينة النجف، فيما نجا ابنه مقتدى الذي كان حينها أبعد ما يكون عن أي نشاط سياسي.

ومنذ ذلك الحين، ونتيجة حملة الاعتقالات الأمنية الشديدة، توقفت نشاطات التيار الصدري في العراق، أو بالأحرى استمرت تحت غطاء السرية التامة، حتى حلول عام 2003، سنة الاحتلال الأمريكي للعراق والإطاحة بحكم الرئيس الأسبق صدام حسين.

وكان نجل الصدر الأب، مقتدى الصدر، الذي توارى كثيراً عن الأنظار وظلّ بعيداً لفترة طويلة على المشهد العراقي، هو مَن تَولَّى لملمة أطراف التيار الصدري في وسط وجنوب العراق عام 2003، وقد أسعفه في ذلك إرث والده.

وفي هذا السياق يتساءل الكاتب الفرنسي إتيان دو لا بويسي، في كتابه "العبودية المختارة"، عن سبب التفاف أنصار التيار حول شخصية مقتدى الصدر، الذي يُعتبر، على حد تعبيره، لا يملك أي مواهب سياسية أو أدبية أو فلسفية أو أخلاقيّة، بلا ولا دينية، ويستدرك مجيباً عن هذا التساؤل قائلاً: "لا شيء، سوى أن نطفته من صلب أبيه زعيم التيار الصدري".

لكن مقتدى الصدر في ظل الظروف المرتبكة والوضع الاستثنائي في العراق، استطاع أن يكون قائداً سياسياً ودينياً بارزاً، نجح في جذب مزيد من الأنصار بادّعاء الانتصاف لحقوق ومصالح الشيعة الفقراء في العراق.

وأسس الصدر بعد ذلك أجنحة عسكرية تابعة لتياره، تتمثل أساساً في "الجيش المهدي" و"لواء اليوم الموعود" و"سرايا السلام".

فصائل التيار الصدري المسلحة

تحت غطاء محاربة أنصار تنظيم القاعدة في العراق، شنّ الجيش المهدي التابع للتيار الصدري، هجمات عسكرية على عدة مناطق عراقية أسفرت عن سقوط مئات القتلى والجرحى.

ومع اتساع دائرة المواجهات بين الطرفين، اشتعل فتيل حرب طائفية شعواء في العراق عام 2006 أودت بحياة آلاف العراقيين، ودمرت جزءاً كبيراً من البنية التحتية.

وإلى جانب حربه على تنظيم القاعدة، خاض فصيل "جيش المهدي" المسلح، عدة حروب ومواجهات مع القوات العسكرية الأمريكية المتمركزة في العراق، ليُكسِب ذلك زعيمه مقتدى الصدر الذي سمّى نفسه المسؤول الأول عن المقاومة الوطنية العراقية، مزيداً من الشعبية عند شيعة العراق، الذين أصبحوا يدينون له بالولاء التامّ.

وتشير عدة تقارير سياسية وأمنية إلى أن الفصائل المسلحة التابعة للتيار الصدري، تورطت في عدة جرائم حرب أهلية وطائفية، ووُجّهت إليها في ذلك أصابع الاتهام بتصفية المتظاهرين ومن بينهم المحتجون بمدينة الناصرية العراقية. لإجهاض الاحتجاجات ضد الحكومات العراقية، لأن الصدريين شاركوا في جميع الانتخابات العراقية الخمسة، وانضمُّوا إلى عدة ائتلافات حكومية، حتى علّق خبراء ومحللون على ذلك قائلين إن للصدريين قدماً في الحكم وقدماً في المعارضة.

أما على مستوى العلاقات الخارجية، فإن التيار الصدري يعتمد بالأساس على أبناء الداخل العراقي في تكوين فصائله العسكرية وهيئاته السياسية، على عكس بقية التيارات الشيعية في العراق التي تعتمد على الخارج، بخاصة دولة الجوار إيران، وهو ما رجّح انحسار الدور الإيراني في العراق بفوز الصدريين في الانتخابات التشريعية الأخيرة.

وعلى الصعيد ذاته، أكّد مقتدى الصدر أنه لن يسمح بأي تدخل خارجي لأي دولة كانت، مرحّباً بكل سفارات الدول التي لن تتدخل في شؤون العراق الداخلية.

TRT عربي