بعد سيطرة دامت عقوداً.. هل بدأت صناعة التكنولوجيا الغربية تتسرب من الصين؟ (Others)
تابعنا

مع تصاعد حدة التوترات بين الصين والولايات المتحدة بشأن جزيرة تايوان وفي ظل استمرار الحرب التجارية المستعرة بين البلدين منذ سنوات، بدأ معظم عمالقة التكنولوجيا العالميين البحث بشكل جدي عن أماكن جديدة خارج الصين لاستئناف إنتاجهم بعيداً عن العقوبات الأمريكية، وحماية لابتكاراتهم التكنولوجية التي تعرضت للنسخ في الصين دون أي مراعاة لحقوق الملكية والفكرية.

آخر هذه الانسحابات ما تناقلته الثلاثاء وكالة بلومبرغ نيوز، حيث أفادت بأن شركة أبل، التي تصنع معظم أجهزة آيفون الخاصة بها في الصين منذ فترة طويلة، تخطط لبدء تصنيع هواتف آيفون 14 في الهند بعد نحو شهرين من الإصدار الأولي للمنتج في الصين.

ووفقاً لبلومبرغ التي نقلت عن أشخاص مطلعين داخل أبل، فإن الشركة تبحث عن بدائل في ظل الصدام بين بكين وواشنطن، وبعد أن أدت عمليات الإغلاق لمواجهة كوفيد-19 إلى تعطيل النشاط الاقتصادي في العملاق الآسيوي. ولذلك بدأت الشركة تعمل مع الموردين لزيادة الإنتاج في الهند وتقليص التأخر في تصنيع أجهزة آيفون الجديدة والتي تراوحت من ستة إلى تسعة أشهر في الإصدارات السابقة.

كيف سيطرت الصين على صناعة التكنولوجيا؟

منذ إطلاقها مشروع الإصلاح الاقتصادي عام 1978، بدأت الصين بتحطيم الأرقام القياسية في شتى المجالات، من النمو والتصنيع والتطور التكنولوجي، وصولاً إلى تصنيفها ثاني أكبر قوة اقتصادية في العالم، وأول دولة مؤخراً من حيث عدد براءات الاختراع المسجلة عالمياً.

وإلى جانب الدعم المالي المباشر والتسهيلات الضريبية التي شجعت عمالقة التكنولوجيا للقدوم وبناء مصانع إنتاج عملاقة فوق الأراضي الصينية، قدمت الحكومة الصينية عبر وسائل أخرى الدعم للمستثمرين الصناعيين والشركات، وبالأخص شركات التكنولوجيا، من خلال فتح سوقها المحلي الضخم واستخدام القوة الشرائية المحلية كمغناطيس لجذب هذه الاستثمارات وغيرها.

وبالإضافة إلى ذلك، تمتلك الصين - أكثر من أي بلد آخر- مهندسين وخبراء تصنيع يقودون من خلفهم قوة عاملة مدربة على أحدث التقنيات يعملون متحدين كقوة جاذبة للصناعات التقنية العالية وللتكنولوجيا فائقة الدقة، وذلك رغم ارتفاع تكاليف الإنتاج ومعدلات الأجور مقارنة بالدول الآسيوية الأخرى، كالهند وفيتنام وغيرها.

وتستحوذ الصين على 80% من المعادن الأرضية النادرة التي تعتبر العصب الرئيس في صناعة الأجهزة الإلكترونية، وكذلك تسيطر عالمياً على معظم خامات الليثيوم اللازمة لصناعة البطاريات، والتي بفضلها تحكم الصين من قبضتها على أكثر من 60% من سوق صناعة البطاريات على مستوى العالم.

"صنع في الصين 2025"

منذ انتخابه رئيساً في مارس/آذار 2013، قرر الرئيس شي جين بينج تغيير العقيدة الصناعية للصين بالشكل الذي يجعلها إحدى الدول الكبرى في مجال التكنولوجيا المتقدمة. ولهذا السبب تحديداً وضعت بكين في عام 2015 خطة استثمارية بقيمة تصل إلى 300 مليار دولار أسمتها استراتيجية "صنع في الصين 2025"، بهدف تحقيق اكتفاء تكنولوجي (عالي الدقة) ذاتي بحلول عام 2025 في سلسلة من الصناعات بالغة الأهمية، من رقائق الكمبيوتر وتقنيات الواقع المعزز إلى السيارات الكهربائية والروبوتات، ومن صناعة الفضاء والصواريخ فائقة السرعة إلى أبحاث الجينات والذكاء الصناعي.

وإيذاناً بانطلاق المرحلة التالية في الاستراتيجية التي دشنتها في عام 2016 تحت مسمى "التطوير المدفوع بالابتكار"، والتي تسعى من خلالها إلى اللحاق بركب الثورة الصناعية الرابعة، باشرت بكين تنفيذ الخطط التي ستمكنها من حجز مكان متقدم لها على قائمة البلدان المبتكرة بحلول عام 2035، والتي إذا ما سارت حسب المخطط ستمكن الصين من أن تغدو "قوة علمية عالمية عُظمى" بحلول عام 2050.

فيما تسلط هذه الاستراتيجيات التي وضعتها بكين في العقد الأخير الضوء على المجالات التكنولوجية التي تسعى الحكومة الصينية إلى توطين صناعتها بشكل كامل لتحقيق الاكتفاء الذاتي. وعلى رأس قائمة هذه المنتجات الحساسة، تأتي أشباه الموصّلات التي تدعمها الحكومة بكل قوة منذ الحظر الذي فرضه ترمب على استخدام معدات الاتصالات السلكية واللاسلكية من قبل الشركات التي ينظر إليها على أنها تهديد للأمن القومي الأمريكي.

عمالقة التكنولوجيا يهربون من الصين

أخبار الانسحاب من الصين لا يقتصر على عمالقة مثل أبل وحسب، بل يمتد إلى شتى القطاعات في عالم التكنولوجيا، سواء المُصنع للمنتجات التقنية أو للشركات التكنولوجية التي تقدم الخدمات عبر الإنترنت مثل ياهو و لينكدإن، والتي قلصت أو سحبت خدماتها بسبب التضييق الذي تمارسة الصين على هذه الشركات حول خصوصية البيانات وكيفية قيام الشركات بجمع البيانات وتخزينها.

وفي سياق متصل، يتجه العديد من عمالقة مصنعي الأجهزة الإلكترونية إلى مغادرة الصين إما بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج أو خوفاً من العقوبات الغربية التي فرضتها الحرب التجارية مع الولايات المتحدة، بالإضافة إلى خوف واشنطن وحلفائها من سرقة الصين للتكنولوجيا الغربية ونسخها وتصديرها وكأنها منتجات صينية.

وإلى جانب ردود الفعل العنيفة وشعور دول صناعية كبرى بالقلق من مساعي الصين نحو السيطرة على مجال التكنولوجيا فائقة الدقة، عجزت الشركات الأجنبية، التي أكلت من كعكة النمو الصيني طوال العقدين الماضيين، عن منافسة الشركات المحلية الصينية سواء في السوق الداخلي أو أسواق المنطقة.

TRT عربي