مسرح أوديسا للأوبرا، حيث وضعت أكياس الرمل والحواجز المضادة للدبابات لحماية المعالم التاريخية وقت بدء الهجوم الروسي المنتظر على المدينة الاستراتيجية على ساحل البحر الأسود. (AP)
تابعنا

في أعقاب نجاح الجيش الروسي في إحكام سيطرته على مدينة خيرسون الواقعة جنوبي أوكرانيا، بدأت أنظار سيد الكرملين تتوجه نحو أوديسا الواقعة جنوب غرب البلاد، والتي تُعتبر الحصن الصامد الأخير في وجه الغزو الروسي الذي يستهدف المدن الساحلية وموانيها بهدف قطع أوكرانيا وتجارتها عن العالم الخارجي.

وإلى جانب الدور المحوري الذي تلعبه في سوق صناعة الرقائق الإلكترونية العالمية، تُعتبر مدينة أوديسا أيضاً البوابة الأوكرانية الوحيدة المتبقية التي تطلّ على البحر الأسود، وهي المدينة ذات الثقل التاريخي والاستراتيجي المهمّ للبلاد، فضلاً عن كونها عصب الاقتصاد الأوكراني بفضل مينائها الرئيسي والحيوي الذي تنطلق منه صادرات البلاد إلى دول العالم.

ويرى المحللون إن الاستيلاء على ميناء أوديسا المطل على البحر الأسود سيتيح لروسيا عزل أوكرانيا عن البحر وخنق اقتصادها، فيما حذر مسؤول غربي، نقلت عنه صحيفة The Times البريطانية، من أن سيطرة قوات بوتين على أوديسا ستكون "نصراً استراتيجياً هائلاً" لروسيا، وفي المقابل "عقاباً شديداً" لأوكرانيا.

حرب المواني

بالتزامن مع بدء الغزو الروسي للأراضي الأوكرانية صباح يوم 24 فبراير/شباط، أشعل بوتين حرباً استراتيجية من نوع آخر للسيطرة على المواني الأوكرانية، بغية خنق الاقتصاد الأوكراني وعزل البلاد عن البحر الأسود. فمنذ اليوم الأول للحرب بدأت القوات الروسية والقوات الموالية لها في دونباس التوسع غرباً على طول الساحل جنوب أوكرانيا.

وتكمن أهمية مدن الجنوب الأوكراني في احتوائها على المناطق الصناعية المهمة في البلاد، بالإضافة إلى موانيها التي تربط أوكرانيا ببقية العالم عبر البحر. وللمدن الجنوبية أهمية استراتيجية أخرى للروس، فمدينة خيرسون مثلاً تمثل مصدراً مهمّاً لتزويد شبه جزيرة القرم بالمياة العذبة التي انقطعت عنها بعد ضمِّها عام 2014، فيما تُعتبر مدينة ماريوبول المحاصرة نقطة مهمة لربط شبه جزيرة القرم برياً بمناطق الانفصاليين الموالين لروسيا في دونباس شرقي أوكرانيا.

لكن الخطة الروسية لن تكتمل إلا بالسيطرة على مدينة أوديسا ومينائها الرئيسي الذي يشكّل عصب الاقتصاد الأوكراني، فمنذ احتلال خيرسون، فرض الروس حصاراً برياً وبحرياً خانقاً على المدينة استعداداً لاحتلالها، فيما يتوقع الخبراء أن يكون لسقوطها تداعيات كبيرة، ليس فقط على سير الحرب، بل على سلاسل الإمداد العالمية.

أوديسا.. شريان الحياة

تأسست أوديسا بالقرب من مصب نهر دنيستر عام 1794 على يد الإمبراطورة كاثرين العظيمة، وأصبحت من ذاك الحين واحداً من أعظم مواني الإمبراطورية الروسية. وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي احتفظت المدينة، التي يبلغ عدد سكانها مليون نسمة بالقرب من الحدود الرومانية والمولدوفية، بمكانة خاصة في المخيلة الروسية.

وتحتوي المدينة، التي تقطنها جالية روسية كبيرة، على ميناء عالمي بهندسة معمارية مذهلة تعود إلى القرن التاسع عشر وشواطئ رملية ومناخ البحر الأبيض المتوسط، مما يجعلها ثالث أكبر مدن أوكرانيا، فضلاً عن كونها منتجعاً سياحياً مهماً على البحر الأسود.

في سياق متصل يشير الخبراء إلى أن أوديسا تُعتبر "شريان الحياة الرئيسي" للتجارة البحرية الأوكرانية، إذ تتدفق نسبة 65% تقريباً من التجارة البحرية للبلاد عبر المدينة.

أهمية أوديسا

لا تقتصر أهمية أوديسا الاستراتيجية على الاقتصاد فحسب، بل إن أهميتها العسكرية تحظى باهتمام بالغ أيضاً. فبعد ضم روسيا للقرم عام 2014، فقدت أوكرانيا قاعدتها البحرية في سيفاستوبول، مما اضطرَّها إلى نقل مقر بحريتها إلى أوديسا.

وإذا ما نظرنا إلى أهمية أوديسا ومينائها من النواحي الاقتصادية، نجد أن حرب المواني التي أشعلها بوتين تستهدف الاستيلاء على أكبر مواني أوكرانيا البحرية. فحسب حنا شيلست المديرة في مؤسسة بريزم الفكرية الأوكرانية، فإن 70% من جميع الواردات والصادرات الأوكرانية تنتقل بحرياً، 65% منها تتولاها أوديسا وحدها.

وإلى جانب دورها المحوري في تصدير السلع الزراعية وخامات المعادن، تُعتبر مدينة أوديسا من الأهداف الاستراتيجية لكل من أوكرانيا وروسيا، إذ إن سقوطها بيد الروس سيكون له تداعيات كبيرة على أوكرانيا التي ستصبح دولة غير ساحلية، في المقابل ستحظى روسيا بفرصة استراتيجية للسيطرة على الساحل الشمالي للبحر الأسود.

TRT عربي