تسود مخاوف حول خروج بولندا من الاتحاد الأوروبي (Kacper Pempel/Reuters)

أثار حكم المحكمة الدستورية في بولندا بعلوية قوانين البلاد على قوانين الاتحاد الأوروبي أزمة دبلوماسية حادة بين بروكسيل ووارسو. ما جعل عدداً من المراقبين يقرؤون في الخطوة مرحلة أولى للبلاد في مسار مغادرتها الاتحاد الأوروبي.

ويأتي قرار المحمة المذكورة بعد أن رفع رئيس الوزراء البولندي ماتيوس مورافسكي القضية لحسم ذلك الخلاف المستمر بين بلاده والاتحاد، بعد أن قضت محكمة العدل الأوروبية في وقت سابق بأن آلية البلاد لتأديب القضاء ستنتهك قوانين الاتحاد الأوروبي، مصدرة أمراً بتعليقها. كما يأتي القرار البولندي بعد أسبوعين من تغريم المحكمة الأوروبية بولندا بنصف مليون يورو يومياً إثر إصرارها على مواصلة استغلال منجم تورو للفحم، ما أجج التوتر بين الجانبين.

هذا وقال مورافسكي مرحّباً بالقرار: "نريد مجتمعاً يسوده الاحترام لا تجمعاً لأشخاص متساويين وأكثر تساوياً. هذا هو مجتمعنا واتحادنا". وأضاف: "هذا هو نوع الاتحاد الذي نريده وهذا هو نوع الاتحاد الذي سننشئه". قبل أن يؤكد أن بلاده تريد البقاء في "أسرة الأمم الأوروبية".

على بولندا الولاء!

من جهة أخرى ردَّت ألمانيا وفرنسا على التحرك البولندي بأن بولندا لديها التزام أخلاقي وقانوني لاحترام القواعد المشتركة للاتحاد الأوروبي الذي انضمت إليه عام 2004. وقال وزيرا خارجية البلدين هايكو ماس وجان إيف لودريان في بيان مشترك لهما إن "العضوية في الاتحاد الأوروبي تتماشى مع الولاء الكامل غير المقيّد للقيم والقواعد المشتركة"، وهذا ما "ينطبق أيضاً على بولندا التي تحتلّ مكانة مركزية للغاية داخل الاتحاد الأوروبي (..) هذا لا يعني مجرّد التزام أخلاقي، إنّه يعني أيضاً التزاماً قانونياً".

في ذات السياق حذَّرت لوكسمبورغ على لسان وزير خارجيتها جان أسيلبورن، بولندا، "من اللعب بالنار". وقال أسلبورن إن "التطورات في بولندا مقلقة جداً (...) يتعين علينا القول بوضوح إن هذه الحكومة البولندية تلعب بالنار". مضيفاً أن "سيادة القانون الأوروبي أساسية لتكامل أوروبا والتعايش في أوروبا. إذا جرى انتهاك هذا المبدأ فإن أوروبا كما نعرفها، كما تأسست بمعاهدات روما، ستنتهي".

بالمقابل خرجت يوم الأحد مظاهرات عارمة بشوارع وارسو رافضة مغادرة البلاد الاتحاد الأوروبي بعد أن سادت المخاوف من حصول ذلك بعد قرار المحكمة الدستورية. وردد المحتجون: "نحن أوروبا وسنبقى في أوروبا!"، رافعين لافتات كتب عليها: "لا للبوليكسيت".

مغادرون محتملون!

بعد أن استهلَّت بريطانيا مسيرة مغادرة الاتحاد الأوروبي تسود مخاوف من لحاق كل من بولندا والمجر بها إثر تزايد الشقاقات بين حكومتَي البلدين اليمينيتين المتطرفتين وبروكسل. هذا وتعود جذور الأزمة إلى تهديد الحكومتين بعرقلة الميزانية الأوروبية البالغة 1.82 تريليون يورو رداً على ربط الاتحاد حزمة إعاناته لتخطي الجائحة الصحية بمبدأ "سيادة القانون الأوروبي".

في نفس السياق سبق لرئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان أن شبَّه الاتحاد الأوروبي بالاتحاد السوفيتي، قائلاً إن قانون موازنة الاتحاد الأوروبي للظروف يشبه "الابتزاز الآيديولوجي" الذي مارسه الاتحاد السوفيتي في السابق. كما دأب على تصوير بروكسل قوة أجنبية استبدادية تهدف إلى سلب المجر إرادتها، بخاصة في ما يتعلق بشؤون الهجرة.

في أغسطس/آب 2020 عرفت إيطاليا تأسيس حزب "إيطاليكسيت" الذي ينادي بخروج البلاد من الاتحاد الأوروبي. وعلَّق مؤسس الحزب جيانلويجي باراغوني عقب ذاك: "أقول لا لهذا الشكل من الاتحاد الأوروبي، وبدأت من بلدي إيطاليا كونها تملك كل السيادة والقوة للمنافسة في كلّ الأسواق".

وينادي حزب "إيطاليكسيت" بخروج إيطاليا من الاتحاد الأوروبي لأن "الإيطاليين يستحقون بلداً مستقلاً مسترجعاً كامل سيادته قادراً على تقرير مصيره الخاص"، حسب ما أورد في بيانه التأسيسي. بداية بالسيادة المالية التي "هي عماد استقلال البلاد"، بحيث "لا يمكنها أن تستمر في نفس الاعتباطية والرضوخ لقرارات المؤسسات الخارجية".

فرنسا هي الأخرى تعرف تنامي المنادين بـ"الفريكسيت"، على رأسهم المرشَّح الرئاسي والمفاوض الأوروبي السابق في اتفاق البريكسيت مشيل بارنييه الذي سبق له أن أعلن تشككه من الاتحاد الأوروبي ولمح لدعم قرار خروج بلاده منه. وسبق لبارنييه أن صرَّح قائلاً: "يمكننا استنباط بعض الدروس عن بريكست لإفادتنا. لقد تأخر الوقت كثيراً لبريطانيا، لكن ليس لنا".

وأضاف المرشح الرئاسي: "يمكننا أن نجد هنا في فرنسا في المناطق الشمالية والشرقية (…) مواطنين يريدون مغادرة الاتحاد الأوروبي ويقولون إنَّ الاتحاد الأوروبي لم يستجب للرغبات المشروعة للمواطنين لأنه لا توجد حماية للحدود الخارجية فإنَّ تدفقات الهجرة تؤثر فينا". قبل أن يؤكد أن على فرنسا "تعلُّم الدروس من العوامل التي أدت إلى النتيجة 52-48 عبر قناة المانش"، في إشارة إلى نتيجة استفتاء الخروج البريطاني.

منضمون محتملون؟

بالمقابل لا يزال الاتحاد الأوروبي يطمح بتوسيع رقعته بضم دول البلقان البالغ عددها ستة هي ألبانيا والبوسنة وصربيا ومونتينيغرو وجمهورية مقدونيا الشمالية وكوسوفو، إذ سبق أن أبلغ القادة الأوروبيون نظراءهم من هذه الدول خلال قمة عُقدت في سلوفينيا أن الاتحاد لا يزال ملتزماً عملية ضمّ بلادهم. غير أن ملفات الضم هذه ظلت مجمدة لم تشهد أي تقدم ملموس.

هذا وتسعى المفوضية الأوروبية لإظهار أنها لا تزال أفضل خيار استراتيجي للمنطقة. وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون ديرلاين عند وصولها إلى القمة: "نريد توجيه رسالة واضحة جداً، وهذه الرسالة هي أن غرب البلقان ينتمي إلى الاتحاد الأوروبي. نحن نريدهم ضمن الاتحاد الأوروبي". مضيفة: "نحن عائلة أوروبية واحدة وأنا مقتنعة بأننا نتشارك المصير نفسه".

وتعرف منطقة غرب البلقان تنافساً بين الاتحاد الأوروبي من جهة والصين وروسيا من جهة أخرى. وقال رئيس صربيا ألكسندر فوسيتش: "لا أوهام لديّ بشأن انضمام سريع إلى الاتحاد الأوروبي"، مشيراً إلى أن "الاحتياجات السياسية للاتحاد الأوروبي تشدّد على أن التوسع نحو البلقان ليس مسألة مهيمنة أو شعبية".

TRT عربي
الأكثر تداولاً