بعد رفض شخصياتٍ بارزة ورؤساء أحزاب في الجزائر خوض غمار الترشح للانتخابات، بات من الممكن الاتجاه نحو تأجيل الانتخابات المُزمع إجراؤها في الرابع من يوليو/ تموز المُقبل.

الجزائر ـــ بعد انتهاء مهلة إيداع الترشيحات، يبدو أن السّلطة في الجزائر تتجه مكرهة نحو تأجيل الانتخابات الرئاسية المزمع إجراؤها في الرابع من يوليو/تموز، وذلك بعد انسحاب الشخصيات الوازنة منها تحت ضغط الحراك الشعبي.

فبعد أن رفضت شخصياتٌ بارزة مثل رئيس حزب طلائع الحريات علي بن فليس، ورئيس حركة مجتمع السلم عبد الرزاق مقري، خوضَ غمار الانتخابات، انضمت إليهم شخصياتٌ أخرى منها رؤساء أحزاب، مثل رئيس جبهة المستقبل عبد العزيز بلعيد ورئيس التحالف الوطني الجمهوري بلقاسم ساحلي والمترشح الحر علي غديري. وبذلك لم يبق على الساحة سوى مترشحين مغمورين.

وأمام هذا الوضع، وفي انتظار إصدار المجلس الدستوري بياناً يعلن فيه عن تأجيل الانتخابات، تطفو على السطح أسئلة حول المخارج القانونية التي يمكن الاستناد إليها في ذلك.

تأجيل الانتخابات؟

انتهت مهلة إيداع الترشيحات للانتخابات الرئاسية في 25 مايو/أيار الجاري. ومن المنتظر أن يصدر المجلس بعد عشرة أيام قراره بشأن تأجيل الانتخابات الرئاسية.

يطالب المحتجون برحيل بقايا رموز النظام والدخول في مرحلة جديدة تقودها شخصيات سياسية نظيفة تحضيراً للانتخابات الرئاسية. 
يطالب المحتجون برحيل بقايا رموز النظام والدخول في مرحلة جديدة تقودها شخصيات سياسية نظيفة تحضيراً للانتخابات الرئاسية.  (AP)

في هذا السياق، يوضح الخبير الدستوري عامر رخيلة في تصريحه لـTRT عربي، أنّ "الحل يكمن في تطبيق المادة 103 من الدستور التي تخول للمجلس الدستوري أن يصدر فتوى قانونية تسمح بتأجيل الانتخابات بحجة عدم استيفاء الشروط القانونية أو غياب المترشحين".

وتنصّ المادة 103 من الدستور الجزائري على إلغاء الانتخابات في حالة عدم وجود مترشّحين.

أستاذ القانون الدستوري طهر الدين يؤكد لـTRT عربي أنّ "السّلطة الحالية قد تلجأ إلى استعمال هذه المادة إذا بقي الوضع على ما هو عليه".

هذا يعني، حسب رأيه، أنّ السلطة ستمدد فترة الرئيس المؤقت عبد القادر إلى غاية إجراء الانتخابات.

مرحلة انتقالية

بينما يتمسك الجيش وبعض الأحزاب الموالية، وفي مقدمتهم حزبا جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي بالحل الدستوري، يدعو الحراك وغالبية أحزاب المعارضة إلى حلّ سياسي.

يؤكد متخصصون أن أحزاب المعارضة الجزائرية تراقب سلوك الشارع وتتصرف وفق ذلك، وستترشح في المرحلة المقبلة. 
يؤكد متخصصون أن أحزاب المعارضة الجزائرية تراقب سلوك الشارع وتتصرف وفق ذلك، وستترشح في المرحلة المقبلة.  (AP)

"المؤسّسة العسكرية قد تلجأ إلى حلول توافقية لكسب رضا الشارع لكن بمنطق السلطة وليس الحراك الشعبي، عبر الإبقاء على الرئيس الحالي وتوسيع الهيئة الرئاسية إلى هيئة تشاورية تشمل شخصيات وطنية لغاية إجراء الانتخابات"، يؤكد طهر الدين عماري.

في نفس الوقت، يطالب المحتجون برحيل بقايا رموز النظام واستقالة البرلمان ليتمّ بعده الدخول في مرحلة انتقالية تقودها شخصيات سياسية "نظيفة" تقوم بتحضير انتخابات تشريعية ورئاسية بعد إصلاح قانون الانتخابات وتعديل الدستور.

ويرى عامر رخيلة أن دعاة المرحلة الانتقالية "تطغى عليهم الرومانسية أكثر من الواقعية السياسية، ويفتقرون إلى الحذاقة السياسية وهم غير مدركين أنهم يتعاملون مع نظام متجذر".

ويضيف: "هناك من يريدون مرحلةً انتقالية وهم لا يملكون أي خارطة طريق أو تصور سياسي لشكل المرحلة السياسية القادمة".

ولفت المتحدث ذاته إلى أنّ أحزاباً سياسية توافق على طرح المرحلة الانتقالية دون أن تبادر بتحديد معالمها.

أمّا رخيلة فيرى أنّ أحزاب المعارضة "تراقب سلوك الشارع وتتصرف وفق ذلك، وسوف تتسابق على الترشح في المرحلة القادمة".

ويجدّد رئيس أركان الجيش قايد صالح، في كل مرّة، تمسّكه بالدستور بدعوى تجنّب الفراغ الدستوري الذي قد يؤدي بالبلاد إلى حالة انسداد سياسي.

من جهته، يستبعد سيف الإسلام بن عطية، ناشط في الحراك الجزائري في تصريحه لـTRT عربي أن تكون هذه مرحلةً انتقالية. كما يرجّح أن النظام سيحتمي مرّة أخرى بالدستور بتقديم "قراءة خاطئة بغرض التمديد للرئيس بن صالح وأنه سيكتفي بتشكيل لجنة مراقبة الانتخابات".

ومنذ استقالة بوتفليقة في 2 أبريل/نيسان الماضي أصمّ القايد صالح آذانه عن مطالب الحراك بتأجيل الانتخابات ورحيل بقايا النظام.

"النظام ليس لديه أي نية في التغيير ويصرّ فقط على مسألة مكافحة الفساد"، يؤكد بن عطية.

من جهته، يرى نوري إدريس، أستاذ علم الاجتماع السياسي، في حديثه لـTRT عربي أن البلاد "تعيش مرحلة انتقالية منذ استقالة عبد العزيز بوتفليقة".

ويضيف: "عشية استقالة بوتفليقة، كانت السلطة مدركةً أنّها لن تستطيع إجراء انتخابات في 4 يوليو، لكنّها لم تكن تريد أن تفوّت على نفسها ورقة الثلاثة أشهر، لتعيد ترتيب نفسها على أمل أن يخفت أو يهدأ الحراك".

وجه وزير الخارجية السابق أحمد طالب الإبراهيمي رسالةً إلى الشعب الجزائري عرض من خلالها رؤيته وإسهاماته وحلوله للأزمة السياسية. 
وجه وزير الخارجية السابق أحمد طالب الإبراهيمي رسالةً إلى الشعب الجزائري عرض من خلالها رؤيته وإسهاماته وحلوله للأزمة السياسية.  (AP)

ويرى المتحدّث ذاته أن السّلطة تريد أن تسيّر المرحلة الانتقالية بنفسها، دون شركاء غير موثوق بهم وبوَلائهم لها.

مبادرة الإبراهيمي

وزير الخارجية الأسبق أحمد طالب الإبراهيمي كان قد وجه رسالةً إلى الشعب الجزائري عرض من خلالها رؤيته وإسهاماته وحلوله للأزمة السياسية.

في هذا السياق، يرى عامر رخيلة أنّ من ينادون بالإبراهيمي في الحراك لا يحظون بموافقة قطاع من الشارع لأنّ هؤلاء يرون فيه عرقلة لطموحاتهم السياسية كما أن "النظام لا يطمئن لشخصياتٍ من أمثال الإبراهيمي".

واعتبر رخيلة أن الإبراهيمي يكرّر تقريباً نفس أسطوانة المعارضة وهذا طرح لا يجد صدى لدى الجيش وما تبقى من النظام".

وكان الإبراهيمي قد نصح في رسالته الجيش بالحوار والتخلي عن المؤسسات والشخصيات المرفوضة شعبياً، كما دعا المعارضة إلى تقديم تنازلات والذهاب إلى مرحلة انتقالية قصيرة تتوج بانتخابات رئاسية وتشريعية.

"السلطة ترفض رفضاً مطلقاً مبادرة الإبراهيمي لكنها في وسط الحراك تلقى ترحيباً واسعاً"، يؤكد نوري تعليقاً على رسالة وزير الخارجية السابق.

ويُعتقد أن جزءاً من هذه المبادرة سيكون متضمناً في أي حلّ سلمي للأزمة الحالية.

وبين سلطةٍ تتدثّر بالدستور خشية الوقوع في فراغٍ دستوري وترفض التنازل عن الحكم، وشارعٍ يضغط من أجل جمهورية جديدة، يرى مراقبون أن حالة الانسداد قد تطول في الجزائر.

المصدر: TRT عربي