تحدٍ للملك تشارلز.. هل ينفرط عقد المملكة المتحدة بعد رحيل الملكة إليزابيث؟ (Getty Images) (Others)
تابعنا

بدأت إليزابيث الثانية ولايتها ملكة على 32 دولة، لكن العقود السبع التي شهدت فترة توليها عرش المملكة المتحدة كانت شاهدة أيضاً على تقلص سلطاتها وأفول نجم حكمها عن أكثر من نصف الدول التي حكمتها صورياً، إذ توفيت وهي ملكة على 15 دولة فقط، حافظت الملكة فيها على حضور صوري وطباعة وجهها على الأوراق النقدية والعملات المعدنية، فضلاً عن الاجتماع برؤساء وزراء هذه الدول وافتتاح البرلمانات نيابة عنها.

وعندما جرى إعلان تشارلز الثالث ملكاً على بريطانيا يوم السبت، لم يكن ذلك مجرد إضفاء الطابع الرسمي على دوره سيداً على إنجلترا واسكتلندا وويلز وأيرلندا الشمالية، بل جرى إعلانه أيضاً ملكاً على 14 دولة أخرى، بما في ذلك كندا وأستراليا ونيوزيلندا وبعض الجزر في منطقة البحر الكاريبي وجنوب المحيط الهادئ.

وعلى الرغم من أن دور العاهل البريطاني هو دور صوري في الغالب، فإن خبر وفاة الملكة إليزابيث الثانية الأسبوع الماضي قوبل بدعوات أكثر جرأة من أجل الاستقلال الكامل، وذلك وفقاً لتقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية تقول فيه: "من البحر الكاريبي إلى المحيط الهادئ، يتساءل الناس: لماذا نقسم بالولاء لملك في لندن؟".

محو الروابط الاستعمارية

حسب نيويورك تايمز، التوفيق بين ملكة تبدو لطيفة والإرث الاستعماري القاسي للإمبراطورية البريطانية هو اللغز في قلب نفوذ بريطانيا في فترة ما بعد الإمبراطورية. وبينما حكمت العائلة المالكة البريطانية على مزيد من الأراضي والأشخاص أكثر من أي نظام ملكي آخر في التاريخ، وكانت من بين البلدان التي لم تتخلَّ عن التاج مطلقاً، فإن موت الملكة إليزابيث يسرع من الدفع نحو معالجة الماضي بشكل كامل وإزالة بقايا الاستعمار.

أما مجلة وول ستريت قالت: "كانت الملكة إليزابيث شخصية محبوبة، خلال سنواتها السبعين على العرش وفرت إحساساً بالاستقرار والثبات لملايين الأشخاص في جميع أنحاء العالم، وأقامت علاقة شخصية مع عديد من المواطنين العاديين في عشرات الزيارات الرسمية التي أجرتها في الخارج ."ولكن مع تولي الملك تشارلز الأقل شعبية، أصبح أمام الناشطين الجمهوريين فرصة لمناقشة موقفهم دون أن يُنظر إليه على أنه إهانة لملكة محبوبة".

وفي سياق متصل، نشرت مجلة الإيكونيميست البريطانية تقريراً تحت عنوان: "بعض ممالك الملك الجديد قد تصبح جمهوريات" تناولت فيه مواقف بعض الممالك التابعة للتاج البريطاني بعد أن توفيت إليزابيث وتولي تشارلز، حيث أعلنت أنتيغوا وبربودا السبت خططاً لإجراء استفتاء على أن تصبح جمهورية في غضون ثلاث سنوات، فيما احتدم النقاش لسنوات في أستراليا وجزر الباهاما وبليز وكندا وجامايكا، خصوصاً وأن كثيرين يرون أن استمرار الروابط مع ملك بريطانيا استعمار عفى عليه الزمن.

وفي عام 2021، أعلنت رئيسة وزراء بربادوس ميا موتلي انفصالها عن التاج البريطاني بعدما قالت: "حان الوقت لنترك ماضينا الاستعماري بكامله وراءنا". وقبل باربادوس، كانت موريشيوس آخر دولة قطعت علاقاتها مع النظام الملكي البريطاني في عام 1992. وتُهيئ وفاة الملكة فرصة لدول أخرى للانفصال بطريقة دبلوماسية لائقة.

مساعٍ أسترالية للانفصال

وفقاً للتقرير الذي نشرته الإيكونيميست، فإن أستراليا حالة مثيرة للاهتمام بشكل خاص. فلطالما ارتأت أن هذا النفوذ النظري للعاهل البريطاني على شؤونها الوطنية لا يتماشى مع العصر. في عام 1975 أدى الجمود بين مجلس النواب ومجلس الشيوخ إلى أزمة وطنية. لكسرها، أقال الحاكم العام (ممثل الملكة في أستراليا) حينها، السير جون كير، حكومة حزب العمال. كان أنصار حزب العمال في حالة ذهول. وبعد أن عانى عامين من الاحتجاجات والنقد، اضطر السير جون إلى الاستقالة في عام 1977.

وعلى الرغم من السير جون قال إنه لم يبلّغ قصر باكنغهام بقراره إلا بعد اتخاذه، فإن المؤرخة الأسترالية جيني هوكينغ كشفت عام 2020 عن وثائق من القصر تثبت أن السكرتير الخاص للملكة، مارتن تشارترس، أخبر السير جون مقدماً أن لديه سلطة إقالة الحكومة.

خروج هذه الوثائق ذكر بأن النظام الملكي البريطاني، حتى وقت قريب على الأقل كان له تأثير كبير على السياسة الأسترالية، الأمر الذي أعاد تنشيط الجمهورية في البلاد. ومع وجود تشارلز الآن ملكاً لأستراليا، سيتساءل عديد من مواطنيها عما إذا كانت هذه هي اللحظة للتخلي عن النظام الملكي.

وبالرغم من استطلاع للرأي يقول أن نحو ثلث الأستراليين سيدعمون الانفصال وإنشاء نظام جمهوري، فالحديث عن الانفصال أسهل من التنفيذ. فالتحول إلى النظام الجمهوري يتطلب استفتاء لتمريره بأغلبية لا على المستوى الوطني فقط ولكن في أربع ولايات على الأقل من الولايات الفيدرالية الست في أستراليا. ومن الضروري أن تقدم هذه الخطوة أيضاً مقترحاً برئيس بديل للدولة، مثل رئيس منتخب أو معيّن. ففي عام 1999، ورغم استطلاعات الرأي المؤيدة لقيام جمهورية، فشل الاستفتاء بنسبة عشر نقاط مئوية وكان ذلك جزئياً بسبب الانقسامات بين الحركة الجمهورية حول البديل المناسب.

كندا أيضاً تدرس الانفصال

يتوقع خبراء ومحللون أن يعاد فتح النقاش في كندا حول إلغاء الحكم الملكي، بعد وفاة الملكة إليزابيث. ويعارض أغلبية الكنديين، حسب استطلاعات الرأي، أن يصبح الملك تشارلز ملكاً على بلادهم.

وكشف استطلاع للرأي أجري في أبريل/نيسان الماضي أن أغلبية صغيرة من المواطنين، بنسبة وصلت إلى 71% في كيبيك، يرغبون في وضع حد للملكية، التي أصبح دورها اليوم فخرياً إلى حد كبير. و67% من الكنديين يعارضون أن يصبح تشارلز ملكاً على كندا. وقد مرت زيارته للبلاد في مايو/أيار الماضي دون أن يلاحظها أحد تقريباً.

لكن لتحذو حذو بربادوس التي اختارت في 2021 الانفصال عن التاج البريطاني لتصبح جمهورية، يترتب على كندا إجراء تعديلات في العمق للمؤسسات والقانون الدستوري. فكندا تحتاج، عوضاً عن الاستفتاء كما في أستراليا، إلى "موافقة بالإجماع" أي موافقة أغلبية أعضاء مجلس العموم ومجلس الشيوخ وجميع الهيئات التشريعية الإقليمية العشر.

وعلى صعيد متصل، قالت جاسيندا أرديرن، رئيسة وزراء نيوزيلندا، إنها تتوقع أن تصبح بلادها جمهورية "خلال حياتها".

TRT عربي