واصلت أسعار النفط العالمية الهبوط للأسبوع الخامس على التوالي، في ظل اتجاه سعودي لخفض الإنتاج على عكس التوجهات السابقة بزيادة الإنتاج تعويضا للنفط الإيراني المتعرض للعقوبات الأميركية، فما مستقبل أسواق النفط العالمية في ظل هذا الوضع المتذبذب؟

أسعار النفط تشهد تقلبات سريعة مؤخراً
أسعار النفط تشهد تقلبات سريعة مؤخراً (Getty Images)

استمر التراجع الكبير غير المسبوق لأسعار النفط العالمية مع انسحاب المستثمرين من السوق نتيجة زيادة المعروض، وتراجع التوقعات بشأن الطلب على الخام. ووصل سعر الخام إلى حوالي 66 دولاراً للبرميل في وقت دعا فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى خفضها أكثر.

وتحاول الولايات المتحدة، أحد أكبر المستهلكين للنفط في العالم، إقناع السعودية ومنظمة الدول المصدرة للبترول (أوبك) خفض إنتاج النفط، حيث أكد ترمب أن "أسعار النفط يجب أن تكون أقل بكثير"، بعدما حصل قبل ذلك على وعد سعودي بموازنة أسعار النفط في الأسواق عقب فرض العقوبات على النفط الإيراني.

إلا أن السعودية قررت فجأة عقب اجتماع اللجنة الوزارية لمراقبة خفض الإنتاج، المؤلفة من أعضاء في منظمة الدول المصدرة للبترول (أوبك)، ومنتجين مستقلين، الاتجاه نحو خفض الإنتاج على عكس الإرادة الأميركية.

ماذا حدث لأسواق النفط؟

وضعت الولايات المتحدة التزاماً على نفسها خلال فرض العقوبات على إيران من خلال تطبيق أقصى الضغوط الاقتصادية دون الإخلال بأسعار النفط في الأسواق.

ولكن خلال الثلث الأول من شهر نوفمبر/تشرين الثاني واصلت أسعار النفط العالمية الهبوط للأسبوع الخامس على التوالي، سواء بالنسبة للبرميل القياسي (برنت) أو الخام الأميركي الخفيف، في ظل ارتفاع المعروض ومخاوف بشأن تباطؤ اقتصادي يضغط على الأسعار، فيما تراجع الخام الأميركي بنحو 20% منذ بداية أكتوبر/تشرين الأول.

ويرى الصحفي الاقتصادي مرشد النايف أن ما حصل مؤخراً من تذبذب في أسعار النفط هو أمر طبيعي تزامن مع فرض إدارة ترمب الحزمة الثانية من العقوبات على إيران.

وكانت الولايات المتحدة قد استأنفت العقوبات على قطاعات النفط والشحن والبنوك في إيران بعد انسحاب ترمب في وقت سابق هذا العام من الاتفاق النووي الذي أبرم عام 2015.

ويضيف النايف لـTRT عربي "أعتقد أن الأسعار كانت ستتعرض لموجات تقلبات كبيرة جداً لولا منح واشنطن إعفاءات لثماني دول لمواصلة استيرادها الخام الإيراني".

وأشار النايف إلى أن الإدارة الأميركية أقدمت على منح تلك الإعفاءات تحسباً لاختناقات تصيب سوق النفط. لكن فيما بعد وجدت أن الإمدادات كافية، وأن الأسواق على موعد تخمة معروض العام المقبل، إثر توقعات وكالة الطاقة الدولية بتباطؤ الاقتصاد العالمي، وتحديداً خارج منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.

يأتي ذلك في وقت استمر فيه الضخ النفطي في السوق العالمية رغم العقوبات على طهران، بسبب ارتفاع صادرات أوبك، وزيادة المخزون بالتبعية، فانخفضت أسعار النفط نحو واحد في المائة في ظل تخوّف الأسواق من أن يتباطأ الطلب على النفط، وحينها سجل الخام الأميركي أطول موجة من الخسائر اليومية منذ عام 1984.

وتراجع خام القياس العالمي مزيج برنت إلى ما دون 70 دولاراً للبرميل، للمرة الأولى منذ أوائل إبريل/نيسان، وهبط نحو 20% منذ وصوله إلى أعلى مستوى في أربع سنوات، في بداية أكتوبر/تشرين الأول.

وأضافت شركات النفط الأميركية منصات حفر نفطية، للمرة الرابعة في الأسابيع الخمسة الماضية، ليظل عدد الحفارات عند أعلى مستوياته في أكثر من ثلاث سنوات، رغم هبوط العقود الآجلة للخام.

في ظل هذا السوق المضطرب بدأت عدة دول منتجة للنفط في التفكير بخفض الإنتاج، خلال الفترة المقبلة، بالتزامن مع انخفاض أسعار الخام عالمياً إلى أقل من 70 دولاراً لبرميل برنت.

وبحسب مصدرين قريبين من تلك المناقشات لوكالة "رويترز"، تبحث السعودية خفض إنتاج أوبك حتى يصل مستوى الخفض إلى مليون برميل يومياً.

وأضاف المصدران أن المحادثات لم تنته بعد لأن جانباً كبيراً يتوقف على حجم التراجع في الصادرات الإيرانية، بعد أن بدأت الولايات المتحدة في فرض العقوبات عليها.

وقال أحد المصدرين "ثمة نقاش عام يدور في هذا الصدد. لكن السؤال هو حجم الخفض الذي تحتاجه السوق".

ويقول مرشد النايف في هذا الصدد "في تقديري أن السعودية لا تملك قرارها النفطي لأسباب كثيرة، منها أن اقتصادات كبرى تعتمد على إنتاجها. ثانيًا أن السعودية تحتاج إلى كل قطرة نفط إضافية تعزز بها مواردها المالية اللازمة لتنفيذ كيانات ومشاريع اقتصادية عملاقة ضمن ما تسميه الرياض، رؤية 2030، التي تهدف من خلالها الرياض إلى الانتقال التدريجي من اقتصاد الريع إلى الاقتصاد المنوع والمنتج".

وعلى إثر تدهور الأسعار شهدت الأسهم السعودية أسوأ أداء لها في أكثر من أسبوعين، متأثرة بهبوط سعر النفط، وهو السبب ذاته الذي دفع معظم أسواق الخليج إلى الانخفاض.

ووفقاً لما نقلته وكالة الصحافة الفرنسية، طالب كبار منتجي النفط بتبنّي "استراتيجيّات جديدة" قائمة على تعديلات في الإنتاج للتعامل مع اختلال توازن السوق بين العرض والطلب.

السعودية لا تملك قرارها النفطي لأسباب كثيرة، منها أن اقتصادات كبرى تعتمد على إنتاجها

مرشد النايف - صحفي اقتصادي

جاء ذلك خلال اجتماع لجنة المراقبة لكبار منتجي النفط في أبو ظبي، حيث قال المنتجون في ختامه إنّهم مع ملاحظة أنّه بحلول عام 2019 سيكون نموّ الإنتاج أكبر من الطلب العالمي، فإنّهم سيدرسون "خيارات لتعديل الإنتاج قد تتطلّب إستراتيجيّات جديدة لتحقيق التوازن في السوق".

وفي هذا الصدد، تقول الباحثة الاقتصادية في مؤسسة كابيتال إيكونوميكس للاستشارات الاقتصادية في بريطانيا ياسمين إنجين إن أسعار النفط تميل إلى التذبذب خلال الأشهر القليلة الماضية بسبب انخفاض معنويات المستثمرين قبل إعادة فرض العقوبات الأميركية على إيران، مما زاد من المخاوف من زيادة المعروض.

وأضافت إنجين لـTRT عربي"لطالما جادلنا بأن المخاوف من العرض مبالغ فيها، حيث أن المنتجين الآخرين في أوبك وفي أماكن أخرى أكثر قدرة على تعويض الانخفاض الناتج عن العقوبات على إيران".

مستقبل أسعار النفط

تفاوتت التقديرات بشأن توجهات أسعار النفط، بين تخمين باستقرار الأسعار حول مستويات 70 دولاراً للبرميل خلال ما تبقى من العام الجاري، وبين ارتفاعها في المتوسط إلى 80 دولاراً.

وفي المقابل، هناك توقعات أن أسعار النفط سترتفع في العام المقبل 2019 تحت وطأة نقص كبير في الإمدادات.

ولي العهد السعودي يتمتع بسمعة سلوكية متهورة، لذلك قد نرى عمل أحادي الجانب من جانب المملكة

ياسمين إنجين - باحثة إقتصادية

ومن جانبها، تتوقع الباحثة الاقتصادية ياسمين إنجين قائلة "في الواقع، كانت هناك محادثات حول تخفيضات إنتاج أوبك النفطي في أعقاب اجتماع اللجنة الاستشارية المشتركة في نهاية الأسبوع الماضي، ونتوقع ضعف الطلب على النفط وارتفاع العرض على أسعار النفط، مع تراجع برنت إلى 60 دولاراً بحلول نهاية عام 2019".

وعلى خلفية المباحثات بين السعودية، أكبر مصدر للنفط في العالم، ودول أخرى لخفض إنتاج منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) وحلفاء مستقلين بنحو مليون برميل، ارتفعت أسعار النفط يوم الإثنين بنحو 2%، بعد أن أعلنت السعودية عن خفض إمدادات شهر ديسمبر/كانون الأول بمقدار 0.5 مليون برميل يومياً، وهو ما ينظر إليه على أنه إجراء لوقف تراجع السوق.

لطالما جادلنا بأن المخاوف من العرض مبالغ فيها، حيث أن المنتجين الآخرين في أوبك وفي أماكن أخرى أكثر قدرة على تعويض الانخفاض الناتج عن العقوبات على إيران

ياسمين إنجين - باحثة إقتصادية

وأعلن وزير الطاقة السعودي خالد الفالح، عن وجود حاجة لخفض إنتاج النفط الخام من جانب (أوبك)، بنحو مليون برميل يومياً، عن المستويات المسجلة في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، ولا تزال المحاولات جارية لإقناع باقي منتجي النفط بجدوى هذه الخطوة، في ظل اختلاف الأوضاع الاقتصادية للمنتجين وحاجتهم للإنتاج.

يُنظر للتوجه السعودي الحالي من قبل السوق بـ"التناقض" بين الرغبة في تعويض الإنتاج الإيراني المحاصر جراء العقوبات الأميركية، وفي ذات التوقيت خفض الإنتاج بحجة الحفاظ على استقرار السوق.

فبعد زيادة إنتاج النفط مليوني برميل بداية هذا الشهر بعد 4 أشهر من الإنتاج المنخفض فيما بدا وأنه استجابة لضغوط الرئيس الأميركي دونالد ترمب ومطالبته بسد الفجوة الناجمة عن فرض عقوبات تقضي بحظر استيراد النفط الإيراني، يتفاجئ الجميع بقيادة السعودية جبهة لخفض الإنتاج، خاصة وأن القرار لم يكن بتنسيق مسبق مع روسيا التي جمعتها عدة لقاءات مع الرياض في هذا الصدد.

وتقول الباحثة الاقتصادية ياسمين إنجين إنه "بالنظر إلى أن ثمانية من أكبر مستوردي النفط الإيراني حصلوا على إعفاءات في الأسبوع الماضي، لذا العقوبات الأميركية على النفط الإيراني لا ينبغي أن تعطل سوق النفط بشدة".

نتوقع ضعف الطلب على النفط وارتفاع العرض على أسعار النفط، مع تراجع برنت إلى 60 دولاراً بحلول نهاية عام 2019

ياسمين إنجين - باحثة اقتصادية

ونشأ عن هذا التباين في القرارات السعودية خلافات بين موسكو والرياض في تفسير توجهات سوق النفط والأسعار الفترة المقبلة، في الاجتماع الذي عُقد في أبو ظبي.

حيث ترى السعودية أن السوق النفطية تواجه تخمة في الإمدادات، بينما ترفض روسيا هذا التحليل معتبرة أن السوق متوازنة.

وكان ترمب قد أعلن بداية يوليو/تموز الماضي أنه تحدث إلى الملك السعودي، وطلب منه زيادة إنتاج المملكة، بما قد يصل إلى مليوني برميل يومياً، لوقف ارتفاع الأسعار، ووافق الملك على طلبه.

"لا يوجد اتفاق رسمي بين الولايات المتحدة والسعودية بشأن إنتاج النفط، لكن البلدين يرغبان في تجنب حدوث اضطرابات كبيرة في سوق النفط وأسعاره"، تقول ياسمين إنجين.

ويقول مرشد النايف "إن السعودية حينما يلوح وزير نفطها خالد الفالح، بزيادة الإنتاج أو تخفيضه، فإنها تنطلق من عدة دوافع يتعلق بعضها بأسعار النفط التي تراجعت بنحو 25% في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وهو أكبر تراجع منذ بداية العام الجاري".

ويضيف "حينما يعلن الفالح عن تقليص الإمدادات فهو يتحدث عما يدور بين أعضاء (أوبك) في الغرف المغلقة حول اتجاه تخفيض إنتاج المنظمة بنحو 1.4ملايين برميل في 2019 خشية تراجعات أكبر في سعر البرميل. وحقيقة الأمر ستكشف في اجتماع لوضع السياسات الذي ستعقده المنظمة في السادس من الشهر المقبل".

لا يوجد اتفاق رسمي بين الولايات المتحدة والسعودية بشأن إنتاج النفط، لكن البلدين يرغبان في تجنب حدوث اضطرابات كبيرة في سوق النفط وأسعاره

ياسمين إنجين - باحثة اقتصادية

استعدادات سعودية لما بعد أوبك؟

وسط هذه التقلبات داخل كبار منتجي النفط، نقلت صحيفة وول ستريت جورنال الأميركية الخميس، عن مصادر وصفتها بالـ"مطلعة"، أن أهم مركز أبحاث تموله الحكومة السعودية يدرس التأثيرات المحتملة على أسواق النفط، لتفكك منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك).

ثمة أرقام كشفتها وكالة الطاقة الدولية قبل أيام تفيد بأن الدول المنتجة للنفط من خارج (أوبك) سجلت زيادة في الإنتاج خلال العام الجاري بنحو 2.4 مليون برميل يومياً، وستزيد الانتاج بنحو 1.9 مليون برميل يومياً في 2019

مرشد النايف - صحفي اقتصادي

واستدرك الوزير السعودي الفالح على هذا التصور بقوله إن مركز الأبحاث كان يسعى فحسب "للتفكير خارج الصندوق" وتحليل جميع التصورات، وإن القيادة السعودية "لا تفكر في إلغاء أوبك على الإطلاق".

وتقول الباحثة الاقتصادية إنجين إن السعودية والسياسة النفطية المعلنة من قبل منظمة (أوبك) تقوم على التأكد من توازن السوق النفطي، ونظراً لأهمية النفط للاقتصاد السعودي، يجب على المسؤولين توخي الحذر في نهجهم.

وتضيف إنجين "ومع ذلك فإن ولي العهد السعودي يتمتع بسمعة سلوكية متهورة، لذلك قد نرى عمل أحادي الجانب من جانب المملكة".

وهنا يتوقع مرشد النايف أن ثمة أرقام كشفتها وكالة الطاقة الدولية قبل أيام تفيد بأن الدول المنتجة للنفط من خارج (أوبك) سجلت زيادة في الإنتاج خلال العام الجاري بنحو 2.4 مليون برميل يومياً، وستزيد الانتاج بنحو 1.9 مليون برميل يومياً في 2019.

وعلى ما يعنيه ذلك من أن تراجع إمدادات الرياض، في حال حصلت، لن تؤثر على الإطلاق من وجهة نظر النايف، لا سيما أن الطلب على نفط أوبك سينخفض بنحو 300 برميل يومياً في 2019 وفق توقعات وكالة الطاقة، وهو ما يعني أن الفاقد السعودي يعوضه تراجع الطلب على خامات (أوبك) وزيادة الانتاجية خارج (أوبك).

المصدر: TRT عربي