يمتاز المنتخب التركي الحالي بجمعه بين الخبرة وعنفوان الشباب، ومزجه بين روح القميص وعشق شعار النجمة والهلال.

لاعبو المنتخب التركي الوطني لكرة القدم احتفلوا بهدف التعادل أمام المنتخب الفرنسي بأداء تحية عسكرية للجنود المشاركين في نبع السلام
لاعبو المنتخب التركي الوطني لكرة القدم احتفلوا بهدف التعادل أمام المنتخب الفرنسي بأداء تحية عسكرية للجنود المشاركين في نبع السلام (AA)

ليالي الأنس في فيينا

سهرة كروية في ربع نهائي يورو 2008، الملعب الكبير في العاصمة النمساوية فيينا يحتضن قمة تركيا وكرواتيا. الدقيقة الأخيرة من عمر الأشواط الإضافية، جماهير كرواتيا بدأت احتفالاتها بتأهل منتخب بلادها للمربع الذهبي من البطولة.

لكن المدرب بيليتش، كان ينتظر بقلق واضح صافرة حكم المباراة. هو يدرك دهاء الأتراك جيداً ومدى قدرتهم على قلب الطاولة، فمباراة التشيك لم يمضِ عليها سوى بضعة أيام، إذ عاد المنتخب التركي من تخلف في النتيجة بهدفين، إلى انتصار بثلاثية. يقف المدرب الكرواتي مترقباً بيدين مرتجفتين، إلى أن حصل ما كان يخاف منه. سجّل سميح شنتورك هدف التعادل، ومدّد المباراة لضربات الترجيح التي برع فيها الحارس روشتو، ودمر الكروات معنوياً.

عبرت تركيا إلى نصف نهائي البطولة وخرجت من ألمانيا في سيناريو كاد أن يباغت فيه أبناء فاتح تيريم المانشافت. غادر منتخب النجمة والهلال البطولة من بابها الواسع، لكن المشوار المجنون عجّل بانطلاقة خالدة:

Biz Bitti demeden Bitmez (ليست النهاية حتى نقرر نحن ذلك).

ما بعد الـBiz Bitti Demeden Bitmez

سيناريو يورو 2008، أكسب المنتخب التركي خصلة الصراع حتى الرمق الأخير. وفي كل مرة يظهر لاعب من المنتخب التركي أمام الإعلام للحديث عن احتمالية الإقصاء من بطولة، ينبري بكل فخر ليعلن: "ليست النهاية حتى نقرر ذلك". قالها المدرب فاتح تريم قبل مباراة أيسلندا المفصلية للتأهل ليورو 2016، وطبقّها إينان سيلتشوك بهدف من ضربة حرة في اللقاء ذاته بالدقيقة الأخيرة، مهدياً بطاقة التأهل للنهائيات إلى منتخب النجمة والهلال. في تلك البطولة عاشت تركيا كسوفاً في مشاركاتها القارّية بخروج مبكر. لكنها التمهيد لانطلاقة كبرى، نعيش اليوم إشعاعها: جيل شاب يتألق، خبرة تقود الفريق، ومدرب حكيم يمشي على خطى الحكيم، فاتح تيريم.

الأزرق يكتفي بالمشي فقط في تركيا

حلّ المنتخب التركي في قرعة تصفيات بطولة يورو 2020، في مجموعة قوية، لتكافؤ الفرق من جهة، وتواجد بطل العالم من جهة أخرى. فالديك الفرنسي لا يزال يمشي الخيلاء بعد تحقيقه مونديال روسيا. والمنتخب الأيسلندي اكتسب هيبة كبيرة، بعد مغامرة ناجحة في يورو 2016، ألبانيا خصم قادر على الوصول إلى النهائيات كما فعل في النسخة الماضية، وخوف من المفاجآت حاضر أمام أندورا ومولدوفا.

حجز المنتخب التركي ، الخميس ، مقعدًا في بطولة كأس الأمم الأوروبية لكرة القدم (يورو 2020). وتعادل المنتخب التركي سلبيًا مع ضيفه الآيسلندي في الجولة التاسعة للمجموعة الثامنة من التصفيات.
حجز المنتخب التركي ، الخميس ، مقعدًا في بطولة كأس الأمم الأوروبية لكرة القدم (يورو 2020). وتعادل المنتخب التركي سلبيًا مع ضيفه الآيسلندي في الجولة التاسعة للمجموعة الثامنة من التصفيات. (AA)

البداية كانت محمودة، فوز على ألبانيا ثم مولدوفا. قبل حلول أصعب الاختبارات: بطل العالم فرنسا. مدرب المنتخب التركي شينول غونيش عرف من أي تؤكل الكتف، وأظهر أنه المدرب المناسب للجيل الجديد من لاعبي تركيا. وبالفعل، لم تكد صافرة الحكم تنطلق، حتى دخل المنتخب التركي بكل قوته في محاولة للضغط على حامل الكرة، واستغلال سوء مستوى المدافع العائد من الإصابة صامويل أومتيتي. انتهت المباراة بفوز الأتراك بهدفين دون رد، وانهالت الصحف الفرنسية بالانتقاد اللاذع على منتخب بلادها، بعدما عنونت صحيفة ليكيب الفرنسية بالخط العريض: "الأزرق يكتفي بالمشي فقط في تركيا".

تحية نبع السلام

المجهود الذي بذله فتيان المنتخب خلال لقاء فرنسا، اتضحت عواقبه بعد بضعة أيام فقط. إذ خارت قوى المنتخب وانهزم أمام أيسلندا لأول مرة في التصفيات. كانت استراحة محارب، وعاد المنتخب إلى الانتصارات من جديد.

لكن كعادة المنتخب التركي أن يخلق الجدل في حله وترحاله، انصبت الأنظار نحو لاعبي المنتخب بعد انتصارهم على المنتخب الألباني في أكتوبر/تشرين الأول الماضي. ففي عز عملية نبع السلام التي أطلقها الجيش التركي لتشكيل منطقة آمنة على امتداد الحدود شرق الفرات وطرد التنظيمات الإرهابية، استغل لاعبو المنتخب الفرصة لتأدية التحية العسكرية وإهداء الانتصار الثمين إلى الجيش التركي. حركة لم تعجب الكثيرين، كان على رأسهم أحد زعماء الأحزاب اليسارية في فرنسا، الذي طالب بإلغاء مباراة فرنسا وتركيا في باريس، قائلاً عبر حسابه على تويتر: "إذا احتفل اللاعبون الأتراك بالتحية العسكرية، فتجب معاملتهم كجنود للعدو، لذا لا يجب أن نلعب ضدهم، فالروح الرياضية لم تعد حاضرة".

وعلى الرغم من اللغط، لعب المنتخب التركي مباراته أمام فرنسا في ملعب استاد دو فرونس. وأحرز تعادلاً بطعم الانتصار، وأدى لاعبو المنتخب من جديد التحية العسكرية لقوات عملية نبع السلام من قلب عاصمة الأنوار باريس.

أكمل المنتخب التركي مشواره نحو بطاقة العبور، وأحرزها بالفعل بعدما ظفر بنقطة أمام المنتخب الأيسلندي، كانت كافية لإعلان مشاركة تركيا رسمياً في نهائيات يورو 2020، ثاني المجموعة H بفارق نقطتين عن المتصدر فرنسا، ومبتعداً بأربع نقاط عن صاحب المركز الثالث أيسلندا.

ماذا بعد التأهل؟

كان هذا السؤال الذي ينظره شينول غونيش مدرب المنتخب التركي. فبعد المباراة الأخيرة في التصفيات أمام أندورا التي شهدت فوز تركيا بهدفين من دون رد. أكد شينول أن التأهل أصبح أمراً في الماضي، والآن وقت تقييم أحداث التصفيات ومعرفة اللاعبين الـ23 الذين سيمثلون منتخب تركيا في النهائيات.

الحقيقة أن المنتخب التركي الحالي يمهد كثيراً للجيل الذي بصم على مغامرة يورو 2008، إذ تمتزج الخبرة بعنفوان الشباب، مع روح القميص وعشق شعار النجمة والهلال.

ففي حراسة المرمى، يبدو حارس باشاك شهير ميرت غونوك جاهزاً للدفاع عن العرين التركي في النهائيات، بخاصة بعد المستوى المبهر الذي قدّمه في مباراة فرنسا بباريس خاصة، وفي التصفيات عامة، إذ لم يتلقَّ المنتخب التركي سوى 3 أهداف في المباريات العشر التي لعبها. إنجاز، يعود الفضل فيه أيضاً إلى قلبَي الدفاع الشابين سويونجو المحترف في الدوري الإنجليزي الممتاز مع ليستر سيتي، ومليح ديميرال الذي نهل من نبع ملوك الدفاع الإيطاليين، مع تجربته الحالية كمدافع في نادي يوفنتوس الإيطالي.

أما ما يُميّز خط الوسط التركي فالمزيج الخالص من لاعبي الدوري المحلي والمحترفين، بوجود أوزان توفان لاعب فنربهتشه الذي اكتسب نضجاً كبيراً في آخر السنوات، ويوكوسلو لاعب باشاك شهير، من دون إغفال خبرة هاكان تشالهان أوغلو نجم ميلان الإيطالي، ويوسف يازيجي الذي غادر فريق مسقط رأسه طرابزون سبور، متوجهاً نحو تجربة احترافية مميزة مع ليل الفرنسي.

أما على مستوى خطّ الأمام، فالحقيقة أن المنتخب التركي لا يزال يعاني تهديفياً. انتصارات تركيا في البطولة قلّما جاوزت الهدف الوحيد في المباراة. لكن الجمهور التركي يُعوّل على مهاجم إيفرتون جينك توسون لإبراز علو كعبه في النهائيات، بجانب نجم بلد الوليد أنس أونال الذي اختتم مباريات تركيا في التصفيات بهدفين في مرمى أندورا.

بشكل عام تبدو تركيا جاهزة للعرس الكروي الأوروبي الذي تحتضنه 12 مدينة أوروبية في الصيف المقبل. الأكيد أن الجمهور التركي لا يُمنّي النفس بمعانقة اللقب، بقدر ما يريد رؤية خليط الدم والعرق داخل رقعة الميدان من لاعبي المنتخب. التكهنات في الوقت الراهن ليست ممكنة، ما دام ركب المتأهلين لم يكتمل بعد، والقرعة لم تُجرَ. ولكن الأكيد أن المنتخب التركي سيحافظ على العهد ويصون الوعد، وينطق بصوت عالٍ: Biz Bitti demeden Bitmez.

المصدر: TRT عربي