مسيّرة "أقينجي" الجديدة (AA)

مرت خمس سنوات على محاولة الانقلاب الفاشلة التي شهدتها تركيا ليلة 15 يوليو/تموز 2016، أصبحت تركيا خلالها أكثر قوة واستقلالية في مختلف الأصعدة السياسية والاقتصادية والعسكرية، فضلاً عن الصناعات الدفاعية. وعند الحديث عن النهضة الكبيرة التي حقّقَتها تركيا في الصناعات الدفاعية، لا بد من ذكر القفزة الهائلة التي حققتها الشركات التركية المصنّعة للطائرات المسيّرة بإمكانيات محلية.

وشهدت السنوات الخمس التي تلت محاولة الانقلاب الفاشلة إطلاق نحو 350 مشروعاً جديداً في الصناعات الدفاعية، فيما ازدادت ميزانية الصناعات الدفاعية قرابة 11 ضعفاً، وارتفع عدد شركات الصناعات الدفاعية في تركيا من 56 إلى أكثر من 1500، وزادت صادرات أنقرة في هذا القطاع من 248 مليون دولار أمريكي إلى أكثر من 3 مليارات دولار أمريكي.

وفي الذكرى الخامسة لمحاولة الانقلاب، التي صادفت الخميس الماضي، شاركت شركة "بايكار" للصناعات الدفاعية فيديو على حسابها الرسمي بموقع تويتر، يُظهِر طائرتهم المسيّرة الجديدة من طراز "أقينجي" وهي تكتب "15" وترسم هلالاً خلال تحليقها في السماء ضمن اختبارات الطيران التي تُجرى على الطائرة. يُذكر أن المسيّرة الجديدة حطمت رقماً قياسياً جديداً في عالم المسيّرات، فقد حلّقت الأسبوع الماضي على ارتفاع 38 ألفاً و39 قدماً (11 ألفاً و594 متراً) أكثر من 25 ساعة و46 دقيقة متواصلة.

تركيا بين أول 3 أو 4 دول في صناعة المسيّرات

كان لحظر بيع الأسلحة الذي فرضته الدول الغربية على تركيا بعد مشاركة الأخيرة بما يُعرف بـ"عملية السلام" بجزيرة قبرص عام 1974، وما لحقه من حظر أمريكي بخصوص الطائرات المسيّرة قبل أكثر من عقد، دور مهم في تفوق أنقرة في مجالات الصناعات الدفاعية عموماً، والطائرات المسيّرة خصوصاً، وما تبعه من تبوُّؤ تركيا مكانة مرموقة في قائمة الدول المصنعة للمسيّرات العسكرية.

ونتاجاً للجهود الحكومية المتنوعة من أجل النهوض بقطاع الصناعات الدفاعية الوطنية، لم تلحق تركيا بركب صناعة الطائرات المسيّرة وحسب، بل تمكنت في فترة وجيزة (أقل من 15 سنة) من قيادة سباق تقنية المسيّرات العسكرية عالمياً، وأضحت من بين أول 3 أو 4 دول في تصميم وإنتاج واستخدام الطائرات المسيّرة بأنواعها.

وشهدت السنوات الأخيرة حصد ثمار التعاون بين شركات الصناعات الدفاعية والقوات المسلحة التركية، الذي تَمثَّل بإنتاج طرازات مختلفة من المسيّرات، ذات قدرات حربية واستخباراتية مميزة، الأمر الذي مكّن تركيا من التحول من كونها بلداً مستورداً لهذا النوع من الأسلحة والتقنيات، إلى بلد مكتفٍ ذاتياً ومصدّر للمسيّرات الحديثة والمتطورة، التي أثبتت فاعليتها وكفاءتها فوق أكثر من ساحة صراع إقليمية ودولية.

وتُنتج شركات الصناعات الدفاعية التركية المختصة بصناعة الطائرات المسيَّرة نوعين أساسيين: طائرات مراقبة يطلق عليها اختصاراً "İHA"، وطائرات مسلحة تُعرف بـ"SİHA". وتصنّع عدة شركات تركية أنواعاً وأشكالاً مختلفة من الطائرات المسيّرة، أبرزها طرازا "عنقاء" و"أكسونغر" التي تُنتجها شركة صناعة الطيران والفضاء التركية "توساش"، وطرازا "بيرقدار تي بي 2" و"أقينجي" من إنتاج شركة "بايكار" للصناعات الدفاعية.

تفوُّق المسيّرات التركية

أصبحت تركيا اليوم من أبرز المصممين والمصنعين والمستخدمين للطائرات المسيّرة المسلحة وغير المسلحة، مخلفة وراءها حقبة من الابتزازات الأمريكية والإسرائيلية عندما كانت بحاجة إلى الطائرات المسيّرة بهدف استخدامها في الحرب على تنظيم PKK الإرهابي. فقد رفضت واشنطن محاولات أنقرة العديدة من أجل شراء طائراتها المسيّرة، متذرعة بعدم موافقة الكونغرس على عملية البيع، كما رفضت إسرائيل إصلاح الطائرات التي كانت باعتها لأنقرة في وقت سابق، وانتشر وقتها خبر اختراق إسرائيلي لهذه المسيَّرات ومشاركة معلوماتها مع تنظيم PKK الإرهابي.

وفي السنوات الأخيرة تمكنت المسيّرات التركية من اغتنام الفرصة لإثبات كفاءتها وتفوقها في المهام كافة وبمختلف الظروف فوق أكثر من ساحة صراع محلية وإقليمية ودولية، بدءاً من حربها على الإرهاب في سوريا وشمال العراق، مروراً بليبيا والدور المحوري التي لعبته في قلب موازين القوى لصالح الحكومة الشرعية، وانتهاءً بدورها البارز الذي كان كفيلاً بتحرير إقليم قره باغ الأذربيجاني من قبضة الاحتلال الارميني وأعوانه خلال 44 يوماً فقط، فضلاً عن تصدرها المشهد في صراع الغاز شرق المتوسط إلى جانب الأسطول البحري التركي.

وفي هذا الصدد استعرض تقرير موقع "Dronewars" مساعي تركيا للسيطرة على سوق المسيّرات العالمية بعدما سيطرت الولايات المتحدة وإسرائيل عليها لفترة طويلة. وأشار التقرير إلى أن ما وصلت إليه صناعة المسيرات التركية جاء نتيجة حملة قادها قطاع الصناعات الدفاعية، واستهدف تطوير تلك التكنولوجيا بالتصميم المحلي منذ أكثر من عقدين، ولفت إلى أن تركيا حققت نحو 2.2 مليار دولار أمريكي عام 2018 من مبيعات المسيرات، بما جعلها تحتلّ المرتبة 14 بين أكبر مصدّري الأسلحة في العالم.

اهتمام عالمي

حظيت المسيّرات التركية باهتمام عالمي بعد التفوق الذي حققته في مختلف ساحات الصراع التي شاركت في ها تركيا العامين الأخيرين، وما تبعه من تغنِّي كبرى الصحف العالمية والمواقع المهتمة بأخبار التكنولوجيا العسكرية بكفاءتها وجدارتها، الأمر الذي دفع دولاً أوروبية وعربية إلى المسارعة إلى اقتناء المسيّرات التركية المتطورة لتعزيز قواتها الجوية.

وفي شهر مايو/أيار الماضي وقّعَت بولندا صفقة لشراء 24 طائرة مسيّرة من طراز "بيرقدار تي بي 2"، وهي المرة الأولى التي تحصل فيها دولة عضو في الناتو والاتحاد الأوروبي على طائرات مسيّرة من تركيا. وبالإضافة إلى بولندا، صُدّرَت المسيّرات التركية إلى كل من أذربيجان وقطر وأوكرانيا وتونس وليبيا.

وحسب ما تناقلته وسائل إعلامية تركية وعالمية، فإن دولاً أوروبية بما فيها المجر وصربيا وألبانيا وبيلاروسيا والمملكة المتحدة وبلغاريا وجمهورية التشيك والمغرب، من بين العملاء المحتمَلين للطائرات المسيّرة التركية، فضلاً عن نية المملكة العربية السعودية شراء طرازات من المسيّرات التركية، حسب تصريحات سابقة للرئيس التركي.

TRT عربي