ترهل للخدمات ونقص حاد بالموظفين.. أزمة حادة تعصف بقطاع الصحة الأوروبي. / صورة: AP (Roland Weihrauch/AP)
تابعنا

عرَّت الجائحة الوبائية لفيروس كورونا المستجد، خلال العامين الماضيين، الأزمة الواسعة التي يعرفها قطاع الصحة الأوروبي، عبر ما كشفته من ترهل للخدمات الصحية. الذي انعكس بعدها في الإضرابات التي خاضتها عاملو القطاع، والذين احتجوا على قلة الأطر والتجهيزات الطبية في المستشفيات، وضعف الأجور والتعويضات المخصصة لهم.

وإلى اليوم في فرنسا، كما في ألمانيا وبريطانيا، يعاني قطاع الصحة من اختلالات كثيرة، تبرز في عدد من أوجه من نقص الأطباء والممرضين إلى اختفاء عدد من الأدوية من الصيدليات. وهو ما يدق نقوس الخطر حول السياسات التي تدير بها الحكومات الحالية للقطاع، ومدى تأثيرها على جودة تأدية هذه الخدمة الحيوية لوظيفتها.

في فرنسا.. شح في الأطباء والصيادلة

تسعى فرنسا إلى توظيف 15 ألف صيدلي من أجل سد التراجع الكبير للعاملين في هذه الوظيفة، هذا ما ذكره رئيس اتحاد الصيدليات فيليب بريسيه، في تصريحات له يوم الأحد لإذاعة "فرانس إنتر"، مضيفاً بأن "ثلثي الصيدليات في فرنسا تواجه نقصاً في عدد الموظفين".

هذا في وقت تشهد فيه كليات الصيدلة الفرنسية عزوفاً كبيراً، قدر بنحو 1000 طالب. ما لا يدع مجالاً لسد هذه الفجوة الحاصلة في القطاع، حسب رئيس اتحاد الصيادلة الفرنسيين، مع انعدام بدائل جديدة للصيدليين المتقاعدين.

وفي ذات السياق، تعاني فرنسا أيضاً من نقص في الأدوية، وبشكل أخص الأدوية واسعة الاستخدام والتي تستعمل عادة في التدخلات الأولية. ومن بينها الباراسيتامول، وهو مسكن للألم منتشر في كل مكان في خزانات الأدوية، والأموكسيسيلين، أكثر المضادات الحيوية الموصوفة في فرنسا والذي يستخدم بشكل أساسي لعلاج الذبحة الصدرية والتهاب الأذن عند الأطفال.

ووفق وسائل إعلام فرنسية، فإن نقص الإمداد بهذين العقارين بدأ منذ يوليو/تموز الماضي. وهو ما دفع "الوكالة الوطنية لسلامة الأدوية" الفرنسية إلى دق نقوس الخطر بشأن هذا الوضع، وتوصية العاملين في الصحة والصيدليات بتقنين وصف هذين العقارين للمرضى، وعدم بيع أكثر من علبتين منهما لكل مريض.

وينضاف إلى كل هذا الخصاص في عدد الأطباء والأطر الصحية، خصوصاً في قطاع تطبيب الأطفال. وهو ما حذّر منه العاملون في القطاع رئيس الجمهورية، في رسالة مفتوحة، مطالبين بالتدخل العاجل لتوفير الأطباء والأطر الكفية، للحيلولة دون تأزم الوضع مع اقتراب موسم الإنفلونزا ونزلات البرد الشتوية الحادة.

ووفق دراسات إحصائية، يتوقع انخفاض أكبر في عدد الأطباء في فرنسا، قد يصل إلى 30% بحلول عام 2027، وهو ما سيقلل استجابة القطاع لاحتياجات السكان الماضين نحو الشيخوخة وبالتالي ازدياد الحاجة للرعاية الصحية.

في ألمانيا.. محاولة تعويض النقص بالتجنيس

نفس النقص الحاد في الأطر الصحية تعاني منه ألمانيا كذلك، إذ يبلغ تعداد العاملين في قطاع الصحة الألماني 1.1 مليون شخص من أجل 83.22 مليون من ساكنة البلاد. وبالنسبة إلى الأطباء، يوجد 4.47 طبيب ممارس لكل 1000 نسمة. وهو ما لا يستجيب لحاجة المجتمع إلى هذا القطاع، كما ينهك العاملين.

وتعاني مستشفيات ألمانيا، منذ سنوات، من نقص في طواقم التمريض، وتفاقم هذا النقص خلال العام الماضي. ويبلغ هذا النقص ما يقرب من 14 ألف وظيفة شاغرة للممرضين والممرضات المسجلين في العيادات الألمانية، بالإضافة إلى 8 ألاف وظيفة شاغرة في وحدات العناية المركزة.

هذا ويشهد الإقبال على مهن الصحة في ألمانيا تناقصاً كبيراً، لأسباب عدة، أبرزها انخفاض الأجور. إذ يقبض ممرضو ألمانيا ما معدله 3337 يورو شهرياً، أقل بما يقارب 300 يورو عن معدل الأجور في ألمانيا، وأقل من مهن التدريس بما يزيد عن 1700 يورو. فيما تعود هذه الأرقام إلى سنة 2019، أي قبل الجائحة الوبائية وأزمة التضخم التي يعرفها اقتصاد البلاد.

بالمقابل، تسعى ألمانيا إلى حل هذه الأزمة بإغراء الأطباء والممرضين الأجانب للعمل لديها، وهو ما كشفه الإجراءات الأخيرة لتسهيل تجنيسهم، والتي تولي تفضيلاً كبيراً لعاملين في قطاع الصحة القادمين من دول أخرى.

في بريطانيا.. احتجاجات على الوضعية المزرية

وفي بريطانيا، أعلن الممرضون دخولهم في إضراب، يومَي 15 و20 ديسمبر/كانون الأوّل، ذلك "بعد رفض الحكومة التفاوض" من أجل تحسين ظروف عملهم. فيما هي حركة غير مسبوقة في المملكة المتّحدة منذ 106 أعوام، وتؤشّر على خطورة الأزمة الذي يعيشها العاملون في قطاع الصحة هناك.

وفي تصريح لها، قالت الأمينة العامّة لاتّحاد الكلّية الملكيّة للتمريض، بات كولين، إنّ "الممرّضات ضقن ذرعاً"، مضيفة: "كفى رواتب مُتدنية (...) كفى عجزاً عن إعطاء المرضى الرعاية التي يستحقّونها".

ويطالب هؤلاء الممرضون برفع أجورهم التي، واستناداً إلى تقديرات، انخفضت بنسبة 20% منذ عام 2010، لا سيّما بسبب الأزمة الحاليّة لكلفة المعيشة، إذ تجاوز معدّل التضخم 11%. ويبلغ الراتب السنوي لممرّضة مبتدئة 27 ألف جنيه استرليني (31400 يورو).

هذا وأرجع وزير الصحّة البريطاني ستيف باركلي، رفض الحكومة إلى المصاعب الاقتصادية التي تمر بها البلاد. إذ قال: "هذا وقت عصيب للجميع" والحكومة لا تستطيع أن تُلبّي مطالب "لا يُمكن تحمّلها" قدّمتها الكلّية الملكيّة للتمريض وتُمثّل زيادةً في الرواتب بنسبة 19,2%".

TRT عربي